في الخامسة صباحاً،
انزلقت كبقعة زيت خارج جدار النهار. سقطت في هوّة أفقية، مرّ الوقت فوقي كقطار شحن
ثقيل، وأنا ممدّد تحت سكّته، أعبر كوابيس مبتورة الأطراف، واستيقاظات قصيرة لا
تملك يداً لانتشالي. كان جسدي نائماً، لكن شيئاً في داخلي ظلّ واقفاً كحارس ليليّ
أعزل، يراقب ويصغي إلى البيت وهو يتنفّس. شعرت بالجدران وقد صارت شفّافة، تشعر بما
يجري في روحي، مثل غرفة بلا باب.
الزمن لم يتحرّك. ظلّ
يحدّق بي، يلقي بأسئلته الرصاصية عن مستقبل مشوّه، تعيس، وغامض، ثم يتركني أبحث عن
إجابات سائلة، بلا شكل ولا يقين. كان جسدي حاضراً كحُطام، وغائباً كمعنى، يتقلّب
تحت وطأة التفكير، بينما الوعي يتسرّب إلى النوم، والنوم يتسرّب إلى الوعي، حتى
تلاشت الحدود بينهما، ولم أعد أعرف في أيّهما أقيم.
استيقظت في الخامسة
مساء، كأنني أُسحب من ثقب بلا قاع. الإرهاق كان يعرف أماكنه جيداً؛ ألم في الخاصرة
يذكّرني بأنني كنت هنا، وصداع في الروح، يؤكّد أنني طوال هذا الغياب، لم أغادر
يقظتي لحظة.
لم يكن مستيقظاً في
البيت، سوى سعال أبي. سعال قاس، يتكسّر كخشب يابس في مطحنة مهترئة. صوت أدويته ترتطم
بحنجرته كحصى في بئر جافّة. وجهاز الرذاذ، ذلك المايسترو الآلي، يعزف سيمفونيته
المعدنية برتابة وبلا جمهور. فجأة طفا سؤال أمّي في الهواء: «هل أحضر لك جرّة
الأوكسجين؟». لا أعرف لمَن كان موجّهاً حقّاً؛ إليه أم إلينا جميعاً. كنت مستيقظاً،
لكنّ السعال كان ينهش خاصرتي، والهواء الشحيح يمرّ عبر رئتي كخرقة مستعملة، هواء لا
يكفي لترميم حياة ولا يملك الجرأة ليمنحني الموت.
