recent
جديدنا

نهاية عجاج

الصفحة الرئيسية

 


نوزاد محمود

 

بمزيج من الانفعال والحماس، ألقى بكل ثقله على عصاه المصنوعة من خشب البلوط ليخفف الضغط عن ساقه. كان يريد أن يرى بعينيه ذلك الشخص الذي يقترن اسمه في كل حكاية بالتعذيب الوحشي وانتهاك الحرمات والكلاب التي تنهش الجثث. لم يترك انتظار هذا اللقاء في نفسه متسعاً من الصبر، وهو يقول: "كان يؤلمني أن أموت وأعود خالي الوفاض إلى أقاربي في المقابر الجماعية دون أن أحمل لهم خبراً".

بدأت الجلسة الثانية والأخيرة لمحاكمة (عجاج أحمد حردان التكريتي) في تمام الساعة 9:30 من صباح يوم 14 أيار 2026 في محكمة الرصافة بمدينة بغداد، حيث تجري المحاكمة ضمن إطار أعمال المحكمة الجنائية العراقية العليا لجرائم النظام البائد.

قبل 11 عاماً من بدء حملات الإبادة الجماعية ضد سكان كوردستان العراق تحت مسمى "الأنفال"، عاد دارا عزيز (78 عاماً) الذي يتنقل الآن مستعيناً بعصاه، بإجازة عسكرية من صحراء السماوة (في محافظة المثنى) إلى قريته المسماة (ميرقاسم) في منطقة كلار (قضاء كان يتبع لمحافظة كركوك وأُلحق بمحافظة السليمانية ضمن سياسة تعريب محافظة كركوك)، وكان يتحدث لأقاربه عن وجود قلعة "جميلة وكبيرة للغاية" في وسط تلك الصحراء القاحلة؛ ولم يكن أحد يعلم حينها أن أولئك الذين أصغوا لدارا بذهول ودهشة، سيصبحون في تلك القلعة ضحايا لشوفينية البعث.

من قرية دارا عزيز، تم اقتياد 161 شخصاً إلى الصحراء ولم يَعُد منهم سوى شخصين فقط! يقول دارا: "حين كنا جنوداً هناك، كانوا يقولون إن هذه القلعة الكبيرة والجميلة بناها الأجانب، وإنهم حين جاؤوا واحتلوا العراق سكنوا فيها"، لكن دارا، في نهاية عام 1988، لعن تلك القلعة الجميلة ومن بناها إلى الأبد.

على عكس جلسة المحكمة السابقة، توجهت أعداد أكبر من ذوي الضحايا ونشطاء في مجال الأنفال، بزيّهم الكوردي وأعلام كوردستان، من مختلف مناطق كوردستان العراق نحو بغداد، دون استشارة أو تنسيق مسبق مع القائمين على شؤون المحكمة.

(فضيلة محمد) حاضرة في قاعة المحكمة؛ تلك المرأة التي كانت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها وقت عمليات الأنفال، وقد ذاقت الويلات والاضطهاد على يد عجاج في سجن (نكرة سلمان). قبل 8 دقائق من دخولنا قاعة المحكمة، سألتُ (فضيلة محمد): أريد أن أسمع منكِ، قبل القاضي، كيف ترغبين في معاقبة عجاج؟ وما هي العقوبة التي طالبتِ بها؟ لم تُجهد فكرها وذاكرتها كثيراً، بل أجابت بسرعة: "لا أريده أن يُعدم، أريد له السجن المؤبد، بشرط أن يُعطى يومياً صمّونة يابسة وكوباً من الماء غير الصالح للشرب"، تقول فضيلة إن هذا سيكون هو العدل بعينه.

تماماً كما في الجلسة الأولى بتاريخ 7 أيار 2026، يتوسط قفص الاتهام القضاة والشهود والمشتكين والمحامين، لكن الفرق هذه المرة هو وجود كرسي سُمح لـ (عجاج) القلق والذابل بالجلوس عليه.

صوتٌ جهوري وحازم أوقف ضجيج القاعة: "بيروز حسين، لتتفضل بالدخول". دخلت امرأة نشيطة وأقسمت على قول الحق: "لقد عانيتُ الكثير على يد هذا العجاج. فإلى جانب الجوع والعطش المستمر، كان يضربنا بكابلاته باستمرار".

 كانت تروي قصتها بحرقة وانفعال شديدين، كأنها فرت للتو من سجن (نكرة السلمان) وحصلت أخيراً على فرصتها في العدالة: "كانت لي قريبة مسنة، كُسرت يدها بضربة كابل واحدة من هذا الرجل".

القاضي: بيروز، لقد ذكرتِ سابقاً في لائحة شكواكِ سميرة وفضيلة محمد.

 بيروز: نعم، رأيتُ تلك الفتاتين المسكينتين، كانتا شقيقتين، وقام عجاج بنفسه بربطهما بعمود حديدي في ساحة نكرة سلمان وكان يضربهما.  

ثم أسعفتها ذاكرتها بمزيد من التفاصيل: "أجل، أتذكر أنه قام لاحقاً بتعليق سميرة وعذبها حتى المساء".

القاضي: أثناء محاكمة صدام، كنتِ قد قلتِ إن الفتيات تعرضن للاعتداء الجنسي؟

 بيروز: لا أستطيع القول إنني رأيت الاعتداء بعيني، لكن كان من الواضح أن الفتيات والنساء يتعرضن للاعتداء. أنا رأيت تعذيبهن.

 فقدت بيروز خمس أخوات وأخاً وزوجة أخ في عمليات الأنفال. وهي الآن تشعر بالاطمئنان والارتياح لأن هناك ملاحقة قضائية تهتم بتلك القصص المؤلمة التي شهدتها: "أطالب بالعقاب العادل لهذا المجرم وبالتعويض".

بدا عجاج أكثر ارتباكاً، وكان يتفحص وجه محاميته بدقة بحثاً عن أي بارقة أمل. فهمت المحامية (شهد محمد) توسل نظرات عجاج تلك، وطلبت من القاضي فرصة للحديث.

 – تفضلي.

– سيادة الرئيس، هناك سوء فهم، هذا الشخص الماثل أمامكم شخص آخر وليس عجاج المقصود.

 أصابتني الدهشة وأنا أرى شهد وهي ترفع صورتين في محاولة لتضليل المحكمة، مدعية أن إحدى الصور تظهر عجاجاً ضخماً عريض المنكبين بوارب كثيف وبشرة سمراء، بينما الصورة الثانية تظهر ضابطاً أنحل وأهزل: "إذا نظرت إلى الصور ستدرك أن هناك خلطاً بين شخصين يحملان اسم عجاج، وعجاج الماثل هنا بريء من هذه التهم".

 لكن القاضي كان يمتلك خبرة واسعة في مثل هذه الأمور، ولم يفسح المجال أمام محاولة شهد الجديدة هذه للسيطرة على أجواء الجلسة.

– من هذا الذي يريد التحدث؟

– سيدي، اسمي أديب أحمد.

 – أتريد الإدلاء بشهادتك؟ ولكن هل سجلت اسمك مسبقاً لغرض التحدث؟

 – لا.

 تم رفض شخصين آخرين مثل أديب؛ إذ لم يتواصلوا مع المحكمة منذ البداية، لا بصفتهم مشتكين ولا كشهود عيان.

حين وصل (ريباز غالب) إلى منصة الشهادة وأدى قسم الصدق، لم يتركه القاضي طويلاً ليفتح مكنونات قلبه ويصبّ مرارته أمام عجاج، وسأله: ماذا رأيت من تعذيب عجاج؟ واعتداءاته على النساء والفتيات؟ والمقابر الجماعية أيضاً؟

 أجاب ريباز: "ذات مرة جلبوا صهريجاً من الماء الملوث، شرب منه طفلٌ كان صديقي وكنا معاً طوال الوقت هناك، وبعد يومين قتله (ذلك الماء)، لقد قتل صديقي، كما قتل عدة أشخاص آخرين أيضاً".

كان الغضب يتأجج في أعماق ذاكرة ريباز؛ فقد كان في السابعة من عمره فقط حين اعتُقل. كان ينظر بغيظ إلى المدير السابق لـ "جحيمه": "كانت هناك امرأة عجوز تصرخ طلباً للماء لنفسها ولطفلها، وقد أنهكها العطش تماماً، أقسم بالله أن تلك العجوز شربت بولها من شدة الظمأ!".

القاضي: حسناً، ألم يكن بإمكانكم التحدث مع عجاج؟

ريباز: بلى كنا نستطيع، لكنه كان يرد علينا بالسوط.

ذلك الرجل الغاضب، الفظ، والمتصلب الذي كان يتحدث بلغة "الكابلات"، يقف الآن على بعد مترين من "ريباز" في أكثر حالاته ذلاً وانكساراً. يداه ترتجفان كأغصان الصفصاف في تيار مائي هادر. هذا الارتجاف والاهتزاز هو درس مجاني لأولئك الذين يمسكون الآن بزمام القصور والشهرة والخبز والماء.

كان من الممكن، بأموال النفط التي لا تنضب، بناء رفاهية فوق جراح العراق، بحيث يُتفادى العراق الخوف من ظهور "عجاج" جديد وسيلةً لحماية ذلك الرخاء. ولكن أي رفاهية تلك؟ فبعد ثوانٍ قليلة من شهادة ريباز المؤلمة، انقطع التيار الكهربائي في قاعة محكمة العاصمة!

كانت تلك الظلمة أجمل لحظات يوم عجاج؛ صمتت الميكروفونات وساد القاعة سكون مطبق، فعلى الأقل لم يعد يسمع الوقع المزعج لقصص أفعاله. وبعد خمس دقائق، عاد الضوء إلى القاعة بفضل المولدات الكهربائية.

اعتُقل عجاج التكريتي في 31 تموز 2025. وبالنسبة للتاريخ الكوردي الفقير والمفتقر للدولة، والذي يعاني من نقص مؤلم في الوثائق وتتبع أثر الجلادين، لا تزال أسماء كثيرة وراء عملية الأنفال مجهولة، لكن عجاج هو أحد أولئك الذين نسجوا خيوط المعاناة لآلاف الكورد المدنيين والأبرياء.

في الجلسة الأولى بتاريخ 7 أيار، واجه 26 مشتكياً من الناجين من (نكرة سلمان)، وفي 14 أيار، أدلى ثلاثة مشتكين آخرين بشهاداتهم بجانبه.

بعد خمسة أيام من الجلسة الأولى لمحاكمة عجاج، توجهتُ إلى قرية الشاهد (رزكار شمزين) بالقرب من سلسلة جبال خالخالان في ناحية شوان في محافظة كركوك، حيث تعرض عدد كبير من سكانها للأنفال. سألتُ رزكار شمزين عن لغز محير يدور في ذهني حول المقابر الجماعية في نكرة سلمان:

– حسناً، ألم يمت هؤلاء فرادى؟

 – بلى.

 – إذاً، لماذا يكرر القاضي في بغداد ذكر "المقابر الجماعية"؟ أليس من المفترض أن المقابر الجماعية تُصنع بالجرافات (الشفل)؟

 – بلى، ولدى عجاج أيضاً مقابر جماعية.

 – كيف؟

 – ذات يوم، رأيت بنفسي جرافة دخلت إلى نكرة سلمان وعملت كثيراً؛ حفرت حفراً كبيرة وجمعت فيها العظام والرفات – بقايا أولئك الذين نهشتهم الكلاب – في تلك الحفر.

– إذاً، هناك أكثر من مقبرة جماعية هناك؟

 – نعم، بكل تأكيد.

 سمح لي رجال الشرطة بالدخول إلى قاعة المحكمة، وهناك جعلني قول لـ (علي حسين) أنساني انتظار الإجراءات الروتينية المزعجة للمحكمة: "هناك دعاء يُستجاب بعد 38 عاماً". رأى أثر كلماته على تقاسيم وجهي، فبدأ بالإجابة على سؤالي: "أي دعاء؟".

إنه الدعاء بزوال عجاج القاسي. كان علي حسين في العاشرة من عمره حين كان في (نكرة السلمان). وذات يوم، صبَّ عجاج جام غضبه عليه وركله بقوة: "كان ينهال بالضرب على والدتي، وحين لم أعد أحتمل وركضت نحوها، انقضَّ عليَّ أيضاً". أخبرني عليّ أنه بعد ذلك الضرب الذي تلقاه من عجاج "انسلخ جلد ظهر أمي".

 "انهض يا عجاج"، هكذا ذكّره القاضي بأنه متهم بالتجويع، والتعطيش، والتعذيب، والاعتداء الجنسي، والجرائم الإنسانية ضد الناس في (نكرة سلمان)، لكنه لم يهتز وأنكر كل شيء بعدائية: "أنا تخرجت عام 1982 من كلية الأمن القومي. لم أدخل نكرة سلمان قط ولم أكن مسؤولاً هناك، ولم أصل إلا إلى حدود السماوة".

عجاج، الذي كان يستخدم مصطلح "سيدي" باستمرار مع القاضي، أضاف قائلاً: "أنا تقاعدت في 25 تموز 1990 وكانت لدي مشاكل مع مسؤولي. أنا لم أرتكب تلك الجرائم التي يتحدثون عنها أبداً".

 ضاع وقت طويل في السجال بين القاضي وعجاج حول الاتهامات وإنكارها، وفي النهاية طلب القاضي من زملائه: "شغلوا تلك الشاشة ليرى اعترافاته بنفسه". ظهر عجاج بنفس ملابسه ونعاله التي يرتديها الآن، وهو يُقتاد إلى تلك القلعة التي كان لسنوات الآمر والناهي والوحيد فيها. هناك، في الفيديو، كان يشير حتى إلى أماكن إخفاء الجثث التي كانت تتحول فوراً إلى وجبات للكلاب.

ومع ذلك، ظل متعنتاً ومستفزاً: "سيدي، لقد أدليت بتلك الأقوال تحت التعذيب، أنا لست ذلك العجاج، أنا لست مجرماً".

القاضي: أليس اسمك عجاج أحمد حردان؟

 عجاج: بلى، أنا عجاج أحمد حردان.

 القاضي: هل هناك شخص آخر يحمل اسم عجاج أحمد حردان؟

عجاج: هناك شخص آخر اسمه عجاج.

لكن القاضي أوضح أن عجاج الماثل أمامه لديه اعترافات سابقة بجرائمه.

"ذات يوم كنت مخموراً، وكانت هناك امرأة جميلة تبلغ من العمر 15 عاماً تقريباً بالقرب مني، فأمرت الشرطة بإحضارها إليّ لكي تنظف غرفتي، ثم أغلقت الباب واغتصبتها وفقدت عذريتها". كان هذا ما ذكّر به القاضي عجاج، قارعاً جرس ذاكرته بتلك التفاصيل.

تذكّرتُ ذلك اليوم القائض من عام 2008 في ناحية (رزكاري) من قضاء كلار، حين قالت لي امرأة وهي تبكي بحرقة: "آه، لقد هُتكت أعراض الفتيات والنساء في نكرة سلمان، أسأل الله أن يخزيك ويذلّك يا عجاج". لا أعلم إن كانت تلك المرأة وقصتها الأليمة ما زالتا على قيد الحياة أم لا، لكن قلبي أصبح "متحفاً" لدموعها.

في الحقيقة، ذاكرتي تضجّ بمثل هذه الصرخات، لكن هذه المحاكمة هي الجواب والرد الذي يبلسم جراح تلك العظام والرفات التي نهشت الكلابُ لحمها، بينما تلاحق قصتها اليوم رؤوس أصحاب تلك الكلاب.

تحدث المحامي (إياد كاكايي) بإسهاب عن حملة الأنفال، بدءاً من القرى وصولاً إلى حفر المقابر الجماعية وقلعة عجاج. ثم ذكّر القاضي والحضور بأنه قبل الأنفال، ضُرب هذا الشعب بأخطر أسلحة الدمار الشامل المحرمة، وطالب بالعدالة. إن معاقبة عجاج هي جزء بسيط من تلك العدالة التي يمكن أن تطفئ النيران المتأججة في قلوب الضحايا.

دعوني أحدثكم عن شيء غريب حدث في هذه الجلسة؛ فبعد بدء الجولة الثانية من المحاكمة، لم يعد عجاج يلتفت إلى جهة يمينه أبداً! فكل آماله وتوقعاته كانت تتركز هناك، حيث تجلس (شهد محمد)؛ تلك المحامية التي لم تعد بعباراتها من قبيل "هذا ليس عجاج" و"سيادة الرئيس نطلب إعادة النظر في القضية" و"هناك ضابط آخر باسم عجاج حسن أحمد عبد الله"، قادرة على إعادة الطمأنينة أو بصيص أمل إلى صحراء قلب عجاج القاحلة.

 في الواقع، كان لعناد عجاج وإنكاره المستمر فائدة؛ فقد اضطر القاضي إلى كشف المزيد من أوراق ماضيه القمعي وصفحات حياته السوداء: "استمع يا عجاج، أنت في عام 1986 (أي قبل عامين من توليك إدارة نكرة السلمان) كنت تعمل في الاستخبارات التابعة للأمن العام، وكنت تمارس التجسس على حزب الدعوة والحزب الشيوعي ورجال الدين، وتراقب هواتفهم، ومن ثم كان يتم اعتقالهم وإرسالهم إلى الأمن العام حيث ينتهي بهم المطاف بالإعدام".

عجاج لا يريد أن يموت. ذلك الرجل الذي راهن على موت الآلاف، لم تعد قدماه قادرتين على حمله، وهو يثبت جسده المنهار والمرعوب على الكرسي. ورغم أن شريط موت الضحايا كان يزيده ارتباكاً وذعراً، إلا أنه لا يريد الموت، وسلاحه الوحيد، القوي والضعيف في آن واحد، هو الإنكار المجرد.

القاضي: عجاج.

عجاج: نعم سيدي.  

القاضي: أنت متهم بتجويع الناس، وتعطيشهم حتى الموت، والاعتداء الجنسي على النساء والفتيات، وتعذيب الناس. لقد ارتكبت جرائم كثيرة بحقهم. أنت نفسك قلت إننا استلمنا في البداية ثلاثة آلاف شخص في نكرة سلمان. هؤلاء تعرضوا لتعذيب شديد، وبعضهم نهشت الكلاب جثثهم.

لكن عجاج، الذي كان يعيش اللحظات الأخيرة من "تخبطه"، لجأ إلى ذريعة أخرى قائلاً: "لقد زرت السليمانية عدة مرات، وتجولت في تلك المنطقة ولم تكن هناك أي مشاكل، لأنني لم أرتكب تلك الجرائم".

وهنا نشأ تضارب صارخ بين أقوال عجاج ودفاع محاميته؛ فبحسب ما ذكره القاضي، كانت المحامية قد قدمت في وقت سابق وثيقة للمحكمة تثبت رسمياً أن عجاج كان يشغل منصب مدير سجن (نكرة السلمان).

أخبرني القاضي المتقاعد (آسو صوفي)، الذي حضر جلستي المحاكمة، أن العجاج  الآخر ، الذي لم ينجح في أن يكون طوق نجاة لهذا العجاج، قد أصدرت المحكمة بحقه أيضاً أمر قبض بتهمة المشاركة في حملات الأنفال، وأضاف: "لقد أدلى عجاج بأسماء 8 أشخاص آخرين، وسيتم العمل على اعتقالهم أيضاً منذ الآن".

نحّى القاضي كل ذرائع عجاج ومحاميته جانباً، وبدأ بتلاوة الحكم النهائي. تعالت صرخات الفرح من ذوي الضحايا لتملأ أرجاء القاعة. أمسك رجال الشرطة عجاجاً من ذراعيه بسرعة، وأخرجوه من القفص واقتادوه إلى الخارج، بينما وُضع التوقيع (باللون الأخضر) على قرار الحكم بالإعدام.

وسط تلك الجلبة، وضعت إحدى نساء منطقة (كرميان) كيساً من التراب أمام باب القاعة؛ كان تراباً من "نكرة السلمان". لم يتبقَّ لدى أحدٍ طاقة لمقاومة التدافع والزحام، لكنني فهمتُ حينها أن هذا التراب مأخوذ من إحدى حفر المقابر في المكان الذي شهد طغيان عجاج الذي ولى: "وي.. فديتكم، أبشركم (بالعدالة)، وسأقبل ترابكم أيضاً".

جمعت بغداد في يوم 14 أيار 2026 بين حدثين متناقضين؛ أحدهما في المحكمة والآخر في البرلمان. في المحكمة، كان الضحايا الكورد المظلومون يتعانقون ويقبلون بعضهم ويوزعون الحلوى بمناسبة زوال شبح جلاد من رفوف التاريخ القريب. أما في البرلمان، فكان السياسيون يشتبكون فيما بينهم بسبب خلافاتهم على اسم شخص سيتولى منصب وزير الداخلية في الحكومة الجديدة.

لا يقل أحدٌ ما العلاقة بين هذين الحدثين؟ أنتم تعلمون أن العديد من المقابر الجماعية لا تزال مدفونة في الصحاري، وهناك عدد من المتهمين الهاربين والمجهولين الذين يجب أن يرتوي غليل الضحايا بمحاكمتهم؛ إن نبش تلك المقابر وتوثيق أسماء وهويات أصحاب تلك العظام واعتقال المتهمين هو واجب أولئك السياسيين الذين يتصارعون اليوم على المناصب والمصالح الحزبية والشخصية، بدلاً من الالتفات إلى حقوق الضحايا.

 

google-playkhamsatmostaqltradent