recent
جديدنا

لماذا يخافون من اللغة الكوردية؟

الصفحة الرئيسية


إدريس سالم

 

سأعتمد في مقدمة هذه المقالة نهج التساؤل الاستكشافي؛ فغايتي من ذلك أن أضع القارئ الشغوف والمهتم بالمشهد في مقام المراجع للحقائق، لا في موضع المتّهم بالجهل، بعيداً عن حدة الهجوم المباشر. مقالتي دعوة مفتوحة لمساءلة ما تكنزه المكتبات المجاورة من معارف منسية، ولحظة تأمل ثقافية خالصة، تنأى بنفسها عن صخب المحاكمات السياسية، لتنتصر لقيمة المعرفة وحدها، وهنا أسأل الذين يحاربون لغتنا الحيّة:


– هل فكرتم يوماً في قراءة الأدب باللغة الكوردية؟

– هل قرأ مَن يخافون اللغة الكوردية مرايا «ملّاي جزيري» الصوفية، أو أبصروا ملامح الوجود وهي ترتسم في رائعة «مم وژين» لأحمدي خاني؟

– هل عبروا حدائق «فقي طيران» حيث ينطق الحجر والماء، أو استضاءوا بقنديل «نالي شهرزوري» وهو يطوّع المستحيل في القصيدة؟

– هل أدركوا أنين الأرض في حنجرة «جيكرخوين»، أو رأوا كيف جعل «شيركو بيكس» من جبالِنا أبجدية للعالم؟

– وهل مرّوا بوقار «مستورة أردلان»، وهي تدوّن التاريخ بدمعِ الشاعرة؟

– هل فكّوا شفرة الحياة لدى الراعي الكوردي الأول «عرب شمّو»، أو تاهوا في دهاليز «بختيار علي» السحرية؟

– وهل استوقفتهم صرخات «جان پاپير» الحداثية في «هيمَن تكنّسين ظلالك»، وهو يفتّش عن ملامح «كوباني» بين السطور؟ 

هذه تساؤلات صغيرة، تضع الإصبع على الجرح تماماً؛ صحيح أنها ليست كفيلة وحدها بإنهاء الخلافات السياسية العميقة، التي غالباً ما تحركها المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والتاريخية المعقدة، إلا أنها تكشف الفجوة بين الخوف من اللغة وبين الجهل بكنوزها؛ لأن المتلقي الذي يحكم على لغة ما من منظور سياسي أو أيديولوجي ضيّق، غالباً ما يفوت على نفسه تجربة إنسانية وجمالية باذخة، فلو قرأوا هؤلاء، لاكتشفوا عوالم مختلفة تماماً:

– لتعمّقوا مع «ملاي جزيري وأحمدي خاني» إلى عمق التصوّف والفلسفة الوجودية، فخَاني في «مم وژين» وضع دستوراً فكرياً للهوية وشوقاً للحرّية، بلسان شعري لا يقل عذوبة عن كبار شعراء الشرق.

– لتعلّموا من «فقي طيران» كيف تتحول الطبيعة إلى لغة، وكيف يتحدث الإنسان مع الحجر والنهر في سيمفونية صوفية فريدة.

– لاكتشفوا مع «نالي شهرزوري» كيف يمكن للغة الكوردية أن تطوّع أصعب البحور الشعرية، وتجمع بين الرقة والجزالة في آن واحد.

– لوجدوا مع «جيكرخوين وشيركو بيكس» صوتاً ثورياً وإنسانياً عالمياً، فبيكس كان سفير الحزن والجمال، جعل القصيدة تتنفس برئة الجبل والحرية.

– لعرفوا مع «مستورة أردلان» أن الكورد قدّموا مؤرخة وشاعرة في زمن كان فيه صوت المرأة مغيّباً في الكثير من المجتمعات المحيطة.

أما في الرواية، من «عرب شمّو» الذي أسّس مداميك السرد الأول، وصولاً إلى «بختيار علي» الذي اقتحم العالمية بواقعيته السحرية ونقل الأدب إليها، و«جان پاپير» بجرأته السردية؛ هؤلاء كتبوا للإنسان قبل أن يكتبوا للكورد.


في المقابل، هل فكر «محمود درويش»، «نازك الملائكة»، أو «محمد الماغوط» يوماً في أن تخرج قصائدهم من «الرحم الكوردي»، عبر تعلم لغته أو الترجمة إليها كفعل إنساني وحضاري؟ إن هؤلاء الشعراء الذين غنّوا للحرية والتمرد، غاب عنهم أن الحق الطبيعي في التحدث باللغة الأم هو جوهر الحرية الذي ناضل من أجله الكورد لعقود.

وعلى صعيد السرد، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً، هل حاول «مازن عرفة» في رائعتيه الروائيتين «وصايا الغبار» و«نداءات المرايا»، أو «خالد خليفة» في «مديح الكراهية» و«حارس الخديعة» أن يفكّوا شفرة «الذاكرة الموازية»، عبر نقل أعمالهم إلى اللغة الكوردية، بدلاً من إبقائها رهينة لقرار الترجمة الغربي؟ هل فكرت «أحلام مستغانمي» أن تمنح «ذاكرة الجسد» لسانًا كوردياً، وهي الرواية التي تحتفي بالهوية القومية؟

 

الخوف الذي يتبدّى في السياسات المركزية تجاه اللغة الكوردية هو ذعر بنيوي من «الآخر»، الذي يمتلك ذاكرة موازية لا تمرّ عبر مصفاة اللغة الرسمية

 

إن الخوف من اللغة يتلاشى دائماً عند عتبة المعرفة؛ من يقرأ لهؤلاء العمالقة سيكتشف أن اللغة الكوردية هي خزّان هائل من الأساطير، الأحلام، والمكاشفات الروحية التي تغني الوجدان الإنساني عامة، ثم إنني لا ألقي لوماً جماعياً للنخب الأدبية العربية؛ فعملية التبادل الثقافي تتطلب جهداً من الطرفين (المُرسل والمستقبل)، كما أن حركة الترجمة غالباً ما تخضع لآليات السوق والمؤسّسات، وليس فقط لرغبات الكتّاب الفردية.

تتحرك اللغة في الفضاء العام ككيان وجودي، يمنح الجماعات البشرية تعريفها الأول، وهي في السياق العربي – الكوردي تخطّت باعتبارها أداة للتواصل، إذ تحولت إلى تخم بحد ذاته، فالخوف الذي يتبدّى في السياسات المركزية تجاه اللغة الكوردية هو ذعر بنيوي من «الآخر»، الذي يمتلك ذاكرة موازية لا تمرّ عبر مصفاة اللغة الرسمية.

هذا القلق يتغذّى على إرث طويل من الدولة الوطنية، التي تأسّست على مفهوم «النقاء اللغوي» كشرط للولاء السياسي، حيث اعتبرت السلطات أن تعدد الألسن داخل الحدود السياسية الواحدة يمثل ثقباً في جدار السيادة الوطنية، مما جعل من «الحرف الكوردي» في نظرها مشروعاً محتملاً لتقويض الوحدة المتخيلة التي صاغتها الأيديولوجيات القومية في القرن العشرين.

​إن تسييس اللسانيات أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته «الأمن القومي اللغوي»، حيث جرى التعامل مع اللغة الكوردية كشفرة سرّية، أو كأداة للتعبئة السياسية المضادّة. وفي هذا السياق، أصبحت اللغة في المخيال العربي الرسمي بمثابة «جغرافيا بديلة» تستعد للاقتطاع من الجغرافيا الكلية، هذا يعني أن اللغة لم تعد وسيلة للتعبير عن المشاعر أو تدوين الأدب.

ربما هذا التصور نابع من عجز الدولة المركزية عن استيعاب التنوع كقيمة مضافة، واعتبارها أن كل اعتراف بحق لغوي هو تنازل عن حق سيادي، لذا، فإن قمع اللغة كان محاولة منهجية لتعطيل محركات الهوية القومية الكوردية، ظناً بأن غياب اللغة سيؤدي بالضرورة إلى ذوبان الجماعة في بوتقة الانصهار القسري.

 

تسبّب الانقطاع المعرفي في تحويل اللغة الكوردية إلى «صندوق أسود» يخشى الكثيرون فتحه

 

​تتجلى الفجوة المعرفية كعامل حاسم في هذا الصراع، فالإنسان السوري العادي «غير الكوردي»، ومن خلفه النخب التعليمية والفكرية، غالباً ما يجهلون العمق التاريخي والجمالي للغة الكوردية، مما يترك الفراغ نهباً للتأويلات الأمنية، فغياب اللغة الكوردية عن المناهج والجامعات العربية وحتى التركية والإيرانية حولها في الوعي العام إلى لغة «غامضة» أو «مهدّدة»، والجهل بالآخر هو المولّد الأول للعداء تجاهه.

عندما تفتقر المجتمعات إلى الجسور الثقافية، تصبح اللغة مجرد «سلاح» في يد الخصم، بدلاً من كونها نافذة على حضارة مجاورة. وقد تسلل هذا التجاور بعفوية مدهشة إلى نسيج الحياة اليومية؛ فالعامية العربية في العراق ودول المشرق العربي تحتضن في مفرداتها اليومية أصداء كوردية عريقة، تماماً كما تزدان الكوردية بجماليات الضاد.

يأتي هذا التلاقح اللغوي العفوي كبرهان قاطع على أن الوجدان الشعبي قد حسم معركته مع «الآخر» بخيار القبول والتعايش، متجاوزاً هواجس السياسة التي تفتعل حدوداً وهمية بين ألسنة تتقاسم في الحقيقة خبز الأرض وهواءها. وما تجلّى في لافتات قصر العدل بالحسكة أو ناحية الجلبية بكوباني، هو إعلان وجودي، يحرر اللغة من قيود المركزية، ويُعيدها إلى حضن الشراكة الإنسانية.

 

الخوف من حضور اللغة الكوردية في الفضاء العام، يعكس رعباً من تغيير «وجه المدينة» وفقدان الهيمنة الرمزية

 

ومع ذلك، تسبّب الانقطاع المعرفي في تحويل اللغة الكوردية إلى «صندوق أسود» يخشى الكثيرون فتحه، تحسّباً لما قد ينطوي عليه من مطالب سياسية تتجاوز رغبتهم في التلبية. ومن هنا تبرز المسؤولية التاريخية للنخب الثقافية؛ فالحاجة لإزالة الخوف تتطلب أولاً توفير أدوات التفكيك.

إن غياب حركة ترجمة مؤسساتية تنقل درر الأدب الكوردي إلى القارئ العربي قد ساهم في إبقاء هذه اللغة في «منطقة الظل»؛ فبالنسبة لنا، تظلّ الترجمة فعل مقاومة ضد الجهل الممنهج، والجسر الوحيد القادر على تحويل الغموض إلى معرفة، والعداء إلى تثاقف بنّاء يثري الوجدان المشترك.

​وفي المناطق الجغرافية المتداخلة، يتحول هذا الصراع إلى نزاع على «ملكية المكان»، حيث تعمل اللغة كختم يثبت هوية الأرض وتاريخها القديم. فالخوف من حضور اللغة الكوردية في الفضاء العام، من خلال اللافتات أو التعليم، يعكس رعباً من تغيير «وجه المدينة» وفقدان الهيمنة الرمزية التي بسطتها اللغة العربية لعقود.

هذا الهاجس يجعل من تسمية الأشياء بغير العربية فعلاً صدامياً؛ فالاسم في العُرف السياسي هو الذي يمنح الشرعية للوجود، وبالتالي، تصبح المعركة حول اللغة، في جوهرها، معركة على مَن يمتلك الحق في تعريف التاريخ، ومن يمتلك السلطة على الذاكرة الجماعية، التي تشكل الحاضر وتحدد ملامح المستقبل المشترك.

 

سحب الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي بساط الهيمنة من يد الدولة المركزية

 

​لا يمكن عزل هذا الخوف عن السياق الدولي والتوظيف السياسي، إذ تنظر العواصم المركزية إلى المطالب اللغوية الكوردية كمدخل للتدخلات الخارجية والضغوط الدولية. ثمة هناك قناعة راسخة في العقل السياسي العربي بأن الاعتراف بالحقوق الثقافية هو «حصان طروادة»، الذي يمهد الطريق لتمزيق الخرائط تحت رعاية قوى كبرى. هذا الربط بين «الحرف والمؤامرة» نزع عن اللغة طابعها الإنساني والحقوقي، وزجّ بهها في دوّامة «الشك الأبدي»، لتتحول قضية التعلم باللغة الأم من حق طبيعي إلى ملفّ شائك، يُناقش في أروقة الاستخبارات لا في كليات الجامعة، مما عمّق من حالة الاغتراب المتبادل بين المكونات.

ومع ذلك، يواجه هذا الحصار التقليدي اليوم تحدياً كونياً؛ فقد سحب الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي بساط الهيمنة من يد الدولة المركزية. لن تعود اللغة الكوردية كما كانت رهينة لقرار سياسي محلي، بعدما فرضت حضورها في المحافل الرقمية العالمية، مخترقة جدران الرقابة. إن هذا التحول التقني يجعل من محاولات القمع اللغوي فعلاً عبثياً ينتمي إلى الماضي، ويؤكد أن اللغات الحية هي كائنات عابرة للحدود بطبيعتها، لا تملك أي أيديولوجيا القدرة على حبسها في زنزانة التاريخ.

​يؤدي هذا القمع اللغوي – بوعي أو دونه – إلى رد فعل عكسي، يتمثل في «تقديس اللغة» من قبل الكورد كحالة فعلية أخيرة للمقاومة والبقاء؛ فعندما تُحارب لغة ما، يصبح كل كتاب يُنشر بها بمثابة انتصار قومي. هذا التحصين يجعل اللغة أكثر انغلاقاً أمام التفاعل الثقافي، معزّزاً استقطاباً حادّاً، جعل من الحفاظ على اللسان الضمان الوحيد لعدم التلاشي في «جدلية المحو والإثبات».

​على الجانب الآخر، ثمة بنية نفسية جماعية تشكلت عبر قرون من السيادة اللغوية العربية، أوجدت نوعاً من «التمركز اللغوي»، الذي يرى في اللغات المحلية المجاورة مجرد «لهجات» أو «لغات ثانوية». هذا «التفوق الوهمي» يجعل من المطالبة بالمساواة اللغوية تبدو في العقل التقليدي وكأنها تطاول على الثوابت، بينما الحقيقة أن تجاوز هذه العقدة يتطلب ثورة فكرية تعيد تعريف الوطنية كتعاقد سياسي، يحترم التنوع كركيزة للاستقرار المجتمعي.

 

الدولة التي تخشى لغة مواطنيها هي دولة تعاني من هشاشة في العقد الاجتماعي

 

لا يتحقق تجاوز هذه العقدة بالأماني الفكرية وحدها، لأنها تتطلب شجاعة لتحويل الاعتراف الثقافي إلى سياسات عملية تلامس تفاصيل الحياة اليومية؛ فالمواطنة الحقيقية تبدأ حين يرى الإنسان لغته الأم محترمة في قاعات المحاكم وفصول الدراسة، كحق أصيل يكسر احتكار اللغة الرسمية للذاكرة والفضاء العام، ويحول التعدد من مصدر ذعر بنيوي إلى ركيزة للاستقرار المجتمعي.

​إن الدولة التي تخشى لغة مواطنيها هي دولة تعاني من هشاشة في العقد الاجتماعي؛ فالانتماء الحقيقي لا يُبنى على إلغاء الخصوصيات، والخوف من اللغة الكوردية هو في جوهره انعكاس لأزمة شرعية الأنظمة، التي تفترض أن القمع الثقافي سيعوض عن غياب الديمقراطية.

ولو نظرنا إلى النماذج الدولية الناجحة، كالتجربة السويسرية أو الكندية، لوجدنا أن التعدد اللغوي هو صمام أمان يمنح الدولة عمقاً وثقة بالذات، ويحول المواطنة من مفهوم إقصائي ضيق إلى عقد اجتماعي يحتفي بالتباين.

إن تجاوز هذه «العقدة الوهمية» يتطلب شجاعة في مراجعة الأيديولوجيات القومية التقليدية، والانتقال من منطق «الدولة – الأمة» الأحادية إلى منطق «الدولة – المجتمع» التعددية التي تضمن للجميع حق الكلام؛ لأن المستقبل يفرض على (العرب والكورد) صياغة ميثاق لغوي جديد يتجاوز صدمات الماضي وهواجس الحاضر، ميثاق يعيد للغة وظيفتها كجسر للعبور.

من يعتبر اللغة الكوردية عدواً للغة العربية فهو واهم ويعيش أعلى درجات الوهم والجهل، اللغة الكوردية هي شريك لكل اللغات التي تصنع حضارة المنطقة، وهي معها تحمل مخزوناً هائلاً من الإبداع الإنساني، الذي ضاع الكثير منه في زحام الصراعات السياسية، خاصة أن اللغة التي تنفتح وتتلاقح وتنمو هي التي ترفض أن تسجن نفسها في عزلة اختيارية.

 

الخوف من اللغة الكوردية الذي هو «وهم تاريخي» يجب أن يتبدد لصالح رؤية إنسانية

 

أخيراً، أرى أن تفكيك العقدة اللغوية هو المدخل الأساسي لتفكيك العقدة السياسية في المنطقة، فالحوار لا يبدأ إلا عندما يعترف كل طرف بلسان الآخر، والخوف من اللغة الكوردية الذي هو «وهم تاريخي» يجب أن يتبدد لصالح رؤية إنسانية شاملة، ترى في التعددية ضمانة للوحدة، وفي الاختلاف وجهاً من وجوه الجمال.

فالطريق إلى الازدهار في الشرق الأوسط يمر عبر الفصول الدراسية والمنابر الثقافية، التي تؤمن بأن الكلمة الصادقة – بأي لغة كانت – هي التي تبني الجسور وتهدم الجدران.

 

google-playkhamsatmostaqltradent