recent
جديدنا

نسرين بيام لموقع «سبا»: الرسم رحلة شائكة وغامضة، ولا تعرف إلى أيّ عوالم سيأخذك




حاورتها: تارا إيبو / خاص سبا


ولدت في مدينة قامشلو، في 1 نيسان عام 1969م، من عائلة كوردية في غربي كوردستان، هي البنت السادسة بعد أخ وخمس أخوات، في وقت كان الجميع ينتظر أن يكون المولود ذكراً، استقبلتها جارتها ببصقة على وجهها؛ لأنها كانت تحب أمها كثيراً، وأشفقت عليها من ولادة ابنة أخرى، كان مجيئها كأنثى خيبة أمل كبيرة للجميع، كبرت ببيت جدها، مع إخوتها وأولاد خالتها وخالها، كان البيت يتكوّن من فناء جميل تزينه أشجار الدراق والتفاح..

بدأت رحلتها مع الرسم والفنّ في مجلة أسامة المصورة للأطفال، حيث كانت هي وجوان ابن خالتها وصديق طفولتها يتصفّحون من حين إلى آخر، كانا في سنّ الرابعة، ولم يكن يعرفا القراءة، ولكن الرسومات الكرتونية للفنان "سرور علواني" كانت تجذبهما، في المدرسة وأثناء الدروس كانت تشرد كثيراً، إذ ترسم دوماً وجوهاً وعيوناً، سرعان ما لاحظ معلمو الصف أن لديها موهبة في الرسم، كلما كبرت كانت تنجذب للرسم أكثر.

بدأت أول لوحة زيتية في سنّ الحادية عشر، كان لها صديق فنان، خريج الفنون الجميلة، "سعيد ريزاني" شرح لها كيفية الرسم بالألوان الزيتية، حينها كانت تطير من السعادة حينما اشترت الألوان، وذهبت مسرعة للبيت، ورسمت أول لوحة زيتية، وللحديث أكثر عن تجربتها وحياتها الفنية ومشاريعها المستقبلية، أجرى موقع "سبا" الثقافي هذا الحوار الخاصّ معها.




إلى نصّ الحوار:


-         تعدّدت أنواع الألوان المستخدمة في رسم أعمالك الفنية. أيّ منها أطول عمراً؟ ولماذا؟
أنا عملت بعدة أنواع من الألوان، الزيتية والباستيل والأكرليك، وألوان الخشب الجافة أيضاً، لكل لون ميزاته.
أستخدم الاكريليك في رسم الزهور أحياناً، وبشكل عام أستخدم الباستيل الجاف والألوان الخشبية في رسم البورترية السريع. أنا أفضّل الرسم بالألوان الزيتية؛ لأنها طيعة أكثر في رسم البورترية، وهي الأطول عمراً بين الألوان، لكنها لا تجف بسرعة، وهذه الناحية غير المحببة لدي في الألوان الزيتية.


-         بماذا تختلف الألوان الزيتية عن باقي الألوان لتتميّز بطول العمر؟
لست متأكدة من الإجابة تماماً، قد يعود إلى تركيبتها التي هي عبارة عن مساحيق ملونة معجونة بالزيت.
اللوحات القديمة في العصور الوسطى، وقبلها، كلها تقريباً مرسومة بالألوان الزيتية، وما زالت حتى وقتنا الحاضر محافظة على جودتها.


-         هل نستطيع الرجوع عن الخطأ في اللوحة الزيتية وتصحيحها؟
نعم. يمكنك تصحيح الخطأ مراراً وتكراراً في اللوحة الزيتية، الألوان الزيتية تتقبل التغيير المتكرر، ألوان الاكرليك أيضاً تستطيعين تغييرها؛ ولكن ليس بشكل مؤكد، مثل الألوان الزيتية، التغطية في الألوان الزيتية أكثر كثافة وسماكة.





-         ما التقاطعات التي يلتقي فيها فنّ هندسة العمارة مع الفنّ التشكيلي، و أنت خريجة هندسة عمارة؟
العمارة أيضاً فنّ مثله مثل الفنّ التشكيلي، يعتمد على قوة الخيال والإبداع والتكوين، هناك مسابقة للرسم قبل دخول العمارة، ويجب أن يكون الطالب الذي يدرس العمارة أن يمتلك موهبة الرسم؛ ليتم قبوله في كلية العمارة. أنا درست في جامعة صوفيا في بلغاريا، وقبل أن أدرس العمارة قمت بزيارة كورس لرسم البورتريه تحديداً، لمدة سنة تقريباً، وبعدها تقدمت لمسابقة الرسم، كنت الثانية على الدفعة بعد طالب فيتنامي، أثناء دراستي للعمارة كنت أدرس الفنّ التشكيلي في السنة الأولى والثانية وتاريخ الفنّ في أوروبا والعالم، وعلم الجمال. العمارة لا تنفصل عن الفنّ، كنت أحلم منذ طفولتي أن أصبح مهندسة ديكور وكان يتوجب علي أن أختار دراسة الديكور بعد الفنون الجميلة أو بعد العمارة، وأنا اخترت أن أدرس الديكور بعد العمارة، إلى حين تخصصت سنتين بعد العمارة بالديزاين والديكور الداخلي. الفن بالنسبة لي هو هواية أمارسها بكل شغف وحب، أكثر من مهنة وواجب يومي أقوم به.


-         هل يتم الأعداد لفكرة رسم اللوحة من قبلك، أم تكون الفكرة لحظية ويتم تنفيذ الخطوط الأولية للوحة مباشرة؟
أغلب الأحيان الفكرة تكون لحظية عندي، أحمل الريشة وأبدأ، وفي مخيلتي فكرة ما، ثم تتغير الفكرة وتتطور إلى أفكار أخرى لم تكن في البال ولا الخيال، هو يشبه السير بدروب غابة، أحياناً تتوغل وتضيع وتبقى أياماً وشهوراً لا تستطيع النفاذ والنجاة، وأحياناً يأخذنا الدرب لسهل شاسع بسيط وجميل، وأحياناً أخرى لمستنقع الخيبة فأشخبط وأمسح كل اللوحة بحزن وأتركها وأعود إليها بعد فترة. هي رحلة شائكة وغامضة وجميلة، أحياناً تتكلل بالنجاح وأحياناً لا، ولكننا في كل الأحوال نتلذذ بروعة التجربة والخوض في المجهول.


الفنّانة "نسرين بيام" مع الفنّان "عنايت بيطار"


-         علاقة المرأة بالفنّ التشكيلي من خلال ظهورها في اللوحات قديماً وحديثاً، والآن هي تبدع في مجال الفنّ التشكيلي..

هل استطاعت أن تكون المرأة سفيرة لمجتمعها، وأكثر قدرة لتعبر عن قضاياها في كلتا الحالتين؟
المرأة كانت وما زالت آلهة الجمال. أقدم الرسوم التاريخية التي زينت الكهوف كانت لجسد المرأة، حيث كانت آلهة الخصوبة.. والديانات القديمة كانت تقدس الأعضاء التناسلية لها؛ لأنها سر الولادة والحياة، وبعدها جاءت الديانات التوحيدية وتراجعت مكانة المرأة في المجتمع، وتحول الرجل إلى المركز الاول في إدارة المجتمع، أي أن المجتمع تحول لمجتمع ذكوري، طبعاً لعبت المرأة أيضاً دوراً من حيث أنها مصدر الوحي الإبداعي في الفن التشكيلي والنحت.
بين القرن التاسع عشر والعشرين ظهرت فنانات عظيمات مبدعات، كفريدا كاهلو وكاميل كلوديل.. والكثيرات غيرهن اللواتي شققن طريقهن بصعوبة في عالم الفن الذكوري. في الوقت الحالي تستطيع المرأة بسهولة أكتر أن تشارك في الحركة الفنية في مجتمعاتنا، وهناك أسماء أنثوية لامعة في كل دول العالم في مجال النحت والفنّ التشكيلي.





-         لمسات من الحنان تظهر في بعض أعمالك الفنية. حدّثينا عن ذلك.
أنا لا أعتبر نفسي فنانة، ما زلت أبحث عن هويتي الفنية.
يسعدني كثيراً عندما يخبرني المشاهد عن لوحاتي بأنها تلامس الروح، تستطيع النفاذ بشفافيتها وعمق أحاسيسها أن تعبر إلى مشاعرهم وتسكن فيها، نعم هناك لمسة حنان وحزن دفين وشفافية وأحياناً خيبة وانكسار في عيون ووجوه مَن أرسمهم في أعمالي الفنية،  وبنفس الوقت هناك أمل وإصرار وفرح خجول..
أحاول بقدر الإمكان أن أرسم بحب وصدق، أنا أرسم ما أشعر به، وأن أنقله بريشتي فوق القماش.. أحياناً أشعر بأن قلبي وروحي هما اللذان يرسمان وليس يداي. ربما أنجح أحياناً، وأحياناً أتفوق على نفسي، لكن هذا ليس مهماً بقدر ما أحاول أن أنقل مشاعري بصدق وأن أجعل الآخرين ولو لدقائق يشعرون بشيء مميز وهم  ينظرون للوحاتي.

 
-         أنت كرئيسة لجمعية "رنغ آرت" للفنّ التشكيلي. ما المهام التي تقع على كاهلك؟ وهل هناك ضمن خطة الجمعية دعم للمواهب الصاعدة؟
نعم. بطريقة صدفة محضة انتخبت كرئيسة للجمعية، تفاجأت كثيراً بعدد الأصوات التي حصلت عليها، أن أكون رئيسة للجمعية هي مسؤولية كبيرة أحاول قدر الإمكان أن أنجز مهامها على أكمل وجه.
هدف جمعيتنا هو أن نجمع الفنانيين الكورد في أوروبا ودول الشتات تحت سقف جمعية واحدة، وأن نكون جسر التواصل بين الفنّ الكوردي والفنّ العالمي، ونشر الثقافة والفنّ الكوردي في أوروبا، ونستطيع من خلال هذه الجمعية أن نساعد كل المدنيين المتضررين في المدن الكوردية المنكوبة.. وما أكثرها.
أقمنا معرضاً مشتركاً في فرنسا، وبيعت الأعمال الفنية المعروضة، وعادت ريعها من خلال الصليب الاحمر الكوردي كمساعدات لأهالي مدينة عفرين.
أقمنا مزاداً لبيع اللوحات الفنية لمجموعة من الفنانين الكورد في "بون"، وكذلك كونسر، ومعرض مشترك مع الفنان نظام الدين آريج.
أهدافنا وطموحاتنا كثيرة جداً، أحلامنا كبيرة في جمعية "رنغ آرت"، ورسالتنا هي خدمة الإنسانية.
لدينا فكرة إقامة معرض كبير في مدينة "هانوفر" بالتعاون مع جمعية إيزيدية للأخوة الإيزيديين، سيكون المعرض باسم شنكال، ويتحدث عن مأساة عفرين وحلبجة وكوباني..


صورة جماعية لفناني جمعية رنك آرت في ألمانيا


-         هل تفكرون في الجمعية بإقامة معارض للفنّ التشكيلي على هامش المهرجانات السينمائية، باعتبار أن لديكم تعاون سابق مع الفنّ والموسيقى؟
نحن في الجمعية كما قلت لدينا طموحات كثيرة، نفكر أن يكون هناك لقاء للفنّ التشكيلي مع الموسيقى والشعر والسينما والمسرح..
لدينا الوقت الكافي للتنظيم، أتمنى أن نحقق كل الذي نخطط له ونفكر به في الجمعية، أصدقائي في جمعية "رنغ آرت" فنانيين رائعين، مجدين، محبين، مبدعين.
جمعية "رنغ آرت" هي بيت الحب الذي سيمدنا بالطاقة التي افتقدناها منذ زمن بعيد، هي المكان الدافئ الذي سيضم ويحضن الجميع بالمحبة والفنّ، نستطيع أن نغير الكثير وحتى لو لم نفلح سيكون لنا شرف المحاولة.
الشباب هم مستقبل الفنّ وفي كل مجالات الحياة، هناك طاقة شبابية مبدعة جداً في الجمعية، ونحاول بقدر الإمكان دعمهم وتشجيعهم، ولديهم الإمكانية دوماً للاستفادة.


-         كلمة أخيرة...
أشكركم كثيراً؛ لأنكم أتحتم لي الفرصة؛ لكي أتكلم عن "رنغ آرت"، وعن تجربتي المتواضعة في الفنّ التشكيلي، وأتمنى لكم في موقع "سبا" الثقافي النجاح الدائم.











google-playkhamsatmostaqltradent