recent
جديدنا

حاتم علي إلى دمشق عريساً على أغنية التغريبة

 


فاتن حمودي

 

تحوّلت دمشق اليوم إلى عرس بحضور جثمان مايسترو الدراما السورية والعربية، ليرقد في مقبرة باب الصغير بين مَن رحلوا قبله نزار قباني وابن عساكر، ومتصوفة، خرجت دمشق، خرج فنانون ومخرجون وممثلون، وناس شعبيون «وفتّح ياسمينك يا شام»، مشهد رغم ألمه إلا أن دمشق التي أحبها حاتم علي يعود إليها اليوم وشارة التغريبية الفلسطينية تصدح، العراضات الشامية، حضور نجوم كبار: منى واصف، سلاف معمار، أنطوانيت نجيب، تيم حسن بطل ربيع قرطبة، غسان مسعود وكثيرون، و«مكسور فينا شي ومش مكسور»، اليوم عادت إلى المشهد جنازة نزار قباني، وعدت أنت بطوافك النهائي من ساحة الأمويين وحتى باب الصغير، الذي كان مزدحماً بصورة الأمل، نعم سنبقى محكومين بالأمل، فدم الشباب السوري غالٍ وغالٍ، ولن يكون رخيصاً أبداً.

 

عاصف هو الموت، وها أنت تحضر عريساً في 2021.01.01، هي الشام التي كنت حزيناً عليها حتى صار الحزن وجهك يا علي ولم يحتمل قلبك مرارة التغريبة السورية، أنت الذي عشتها من دمشق، إلى بيروت، والقاهرة، ومن ثم كندا، ليتوقف قلبك في القاهرة، فتبكي السماء عليك ويتحوّل خبر موتك إلى تريند على السوشيال ميديا.

 

لم يتفق أحد على اسم كما اتفق على حاتم علي، الأقنية الفضائية وردود فعل النجوم على موته، هل يبكون الجرح السوري، أم تغريبتنا المرة التي جعلتنا موزعين على القارات؟ نحن الذين أكل القرش لحم أبنائنا، وأحرقت مخيماتنا في لبنان، نحن الذين أوصلنا العالم إلى الحضيض، ورغم أننا نعيش أعتى الكوابيس التي تفترسنا ليلاً نهاراً، ثمة نجمة تضيء في الأفق البعيد.

 

إنه الفن، لقد ترك حاتم علي وراءه أحلاماً كبيرة، مخرج «الملك فاروق» و«الزير سالم» و«صلاح الدين الأيوبي»، ومسلسل «عمر» الذي يعتبر من أضخم الإنتاجات العربية على صعيد دراما السيرة وثلاثية قرطبة – الأندلس، والتغريبة الفلسطينية، والزير سالم، حاتم علي مخرج الصورة، والأداء الجسدي العالي، هل ننسى صوت سلوم حداد في الزير سالم، وصرخة خالد تاجا، ونساء قلم حمرة؟ هو الإنسان الذي جعل من عصي الدمع، دمعة حارقة، كنا نقول بأن الدراما بخير، ماذا سنقول اليوم؟

 

نكتب على مرايانا بقلم الحمرة، ونرى نساءات أعمالك وقد أصابهن الشروخ، بتوقيع الكاتبة يم مشهدي، حضور سلافة معمار ورامي حنا وعابد فهد وأحمد الأحمد وكاريس بشار، وغيرهم من الوجوه، أعرف بأنك أردت أن تقول للعالم بأن الأسرة السورية أسرة ناجحة، وهو ما قلته في فيلم الكندي السوري "peace by chocolate"، الفيلم الذي يشكل حكاية من حكايات الأسر السورية، ولأن القصص تتعتق حين تروى، فإن السينما تضيء هذا الجانب بسحرية الواقع والخيال المحمول على الصورة، أردت أن تجسد إلى جانب الفنانة يارا صبري أهمية العائلة كذاكرة، والتي تعني بشكل ما الوطن، والوطن مفقود، ولا شيء يربط اللاجئ بوطنه سوى ما يحمله من ذكريات، وعادات قد ألفها في محيطه العائلي، ويريد أن يورثها لأبنائه كتعويض عن الوطن المفقود.

 

حاتم علي بكاك الجميع، أعادوا كل أعمالك، بكاك فنانون كبار، في سوريا ومصر والأردن، والسعودية ودول عربية متعددة، أنت مَن وقعت أعمالك مع أهم الكتّاب، ممدوح عدوان، وليد سيف، يم مشهدي، دلع الرحبي، ريم حنا، وأسماء كثيرة أخرى، تشير كلها إلى مايسترو يعرف كيف يدير رؤوسنا بما قدمه من روائع تاريخية واجتماعية وفانتازيا سحرية، أمس بكتك منى واصف، وسلاف معمار، وعابد فهد، وماهر صليبي، بكوك جميعاً يا علي، ونحن بكيناك، وسنرى أعمالك حتى الثمالة القصوى، هذا العام قاسٍ جداً، سنعود إليك دائماً حاتم علي، أنت مَن يحمل بذور الموت والحياة والغياب الذي لا عودة بعده كما يقول أبو العلاء المعري:

تحطّمنا الأيام حتى كأننا            زجاج ولكن لا يُعاد له سبْكُ

 














 

google-playkhamsatmostaqltradent