recent
جديدنا

التسلّق والإبداع

 



كلمة هيئة التحرير


في هذا الوقت العطب بات الكل يكتب كل شيء، رغم أن السماء هي السماء في كل مكان وأن الارض هي الأرض كما في كل البلاد، والمواضيع متشابهة للكل، وطن وأم وشهيد، مواضيع متشابهة ومشتركة بين جميع الناس، ولكِ وله كما لي أغنية حب في بلاد قلبك الصحراوية أو في بلاد قلبي المتجمدة، لا أحد يلد خارج المنطق وبمعزل عن الأرض، هي نفسها المواضيع التي نقتات عليها للإبداع، لكن الضباب الآتي من كثافة الكتابات وكثرة العناوين يحجب شمس الثمين بغيوم البخس، فيختلط الأمر على المتلقّي، يضطرب الفكر بالقراءة خارج مدار الإبداع لتلد نصوصاً مشوهة خلف تلك الأسماء، حتماً الإبداع ليس حكراً على أحد، إنما أرض مشاع، البذرة التي نرميها نجنيها في الموسم، وما تؤمن به اليوم في عملية خلقك وإبداعك قد ترفضه غداً لأننا في حركة دائمة كما حال الشعر والأجناس الأدبية والفنية، كثر الشعراء وقل الشعر، ازدحمت الرفوف بالسرد وقلّت الرواية، كل هذا ينطبق على كثير من مجالات الحياة.

 

نحن نبحث عن المفقود والغريب الذي يصدمنا في الأدب والفن، لكنك لن تشعر بالدهشة في صياغة نص نثري يجنح بمجون نحو الرمزية المبتذلة، لا عطر في هكذا صف من الكلمات ولا حياة في هكذا رواية، تضيع ساعات وساعات في عزلة التشوه، لتشعر في النهاية بخيبة أمل، مع إننا في عصر أحدث، أرجع سبب هذا التهافت إلى عدم القراءة، وقلّة المعرفة الفكرية، لا حياة  في لحن يكرر على أسماعنا مئات المرات خالقاً ألماً بارداً بعيداً عن انسيابية الدفء، ما اكتسبنا من عادات عشق النتاج الخلّاق؛ أن تسقط الكلمات كحبات المطر على أرض عطشى وتحوّل الجسد حقلاً أخضر، وحدها بكلمات وأفكار مبتكرة.

 

الذاكرة  تبقى رطبة بالحنين لنعود مرات ومرات، إلى تلك القصة التي جاءت في سياقها الطبيعي دون خلق مصادفات اعتباطية، إن عدنا إلى إيزابيل الليندي والولادة بعد لدغة الأفعى ومضاجعة الهندي أثناء الموت لخلق ترياقاً لحياة جديدة، أو لروسكولينكوف وتأنيب الضمير واجتماعهما تحت سقف واحد، العاهرة والمجرم، كل قارئ للجريمة والعقاب كان يبرر لكليهما فعلته والأنثى القارئة تود أن تكون هي سونيا والذكر يتمنى أن يكون روسكولينكوف، فكيف تجفّ ينابيع الدهشة من هكذا روايات خالدة؟ لن تجف ما دامت تسقي الذاكرة قطرة قطرة، وحدهم المبدعون يرسمون لنا خواتيم النهايات بعبقرية فذّة، قد يكون الخطأ في مَن يدوّن لشهرة الاسم وليس لخلق التدوين بشكل يليق بالإبداع، وهذه الخطوط التي نصادفها يومياً بالقراءة لا تمل من اعوجاجها وشحننا بكمية هائلة من الضجر، لنعيش حكايات الاغتراب حتى عن ذواتنا ولترتجف الصفحات بين أيدينا، كأعمى يلاحق المعنى في الزحام غياب الخط التصاعدي للقصة وعدمية ملامح الشخصيات يسقط وقتك في الفراغ، وتندم على كل ذلك الوقت الذي منحته للكتاب بين يديك من فكرة شبيهة لفكرة قرأتها سابقاً.

 

إنها خيانة الفعل في مسح ملامح الفكرة السابقة، في حقيقة الأمر كقصيدة تعج بالأخطاء، كثمار فجّة تأخر عنها النضوج، تمشي في الصفحات بسرعة كأنك تقطع الشارع قبل فتح إشارة المرور لتصل  للرصيف، أيها الكتّاب اهدأوا ولا ترسلوا نصوصكم إلى المذبحة قبل أن يكتمل نضجها العضلي والفكري، ارسموا لنا  قُبلة على جبهة القصيدةِ، لنقطع الفواصل وعلامات الترقيم بلهفة المسافة، لتؤسسوا لأغنية نطرب لها كلحن من ندى بدل أن نشعر بالغثيان، أغنية نكرر سماعها دون ملل، أو لوحة ممهورة بالحب نتأمل فيها الزمنِ ووجوهنا المتعبة، ممهورة بطقوسٍ من الخواء، احترم ما تكتبه وتؤلّفه وتخلقه لكي نحترمه بشغف الطفولة والدهشة، لحناً من انسكاب المعنى لنعانق حروف أسمائكم بدلاً من السقوط في الفراغ.

google-playkhamsatmostaqltradent