recent
جديدنا

فصل من رواية «البيرق: حارة الوادي» للروائية العُمانية شريفة التوبي


في تلك الليلة الباردة، يروي ناصر أنّه دخل الكهف طالبًا للدفء ومدفوعًا بالفضول، ومتتّبعًا لرائحة العطر، منجذبًا نحو الضوء كفراشة، "كما جرادة شاوية عمرها" ردّد في نفسه هازئًا وهو يسير بغير إرادة نحو الكهف. شعر كأنّ يدًا قوية تمسِك يدَه تقوده إلى داخل الكهف الذي بدا طويلًا وعميقًا بلا نهاية. شعر بقبضة اليد تجرّه إلى مصيره المجهول، وكأنها يدٌ من حديد لا يرى صاحبها، وكأن المدخل لم يكن سوى بوابةٍ لمدينة مسحورة! وبعد أن سار مسافة لا يعلم مقدارها، تركته اليد الثقيلة فشعر بخفّة في جسده، ووجد نفسه في مكان مبطَّن بحجر لامع كأنه قطع من نور يُعشِي الأبصار؛ اجتاحته الرائحة العطرة ثمّ لمع ضوء شديد الإبهار في منتصف ذلك المكان المغلق، حتى أنه لم يعد قادرًا على الرؤية أو التركيز، احتاج بعض الوقت حتى استقر بصره على بقعة الضوء، بدأ الضوء يخفت شيئًا فشيئًا ويصبح مركّزًا في بقعة واحدة متوهجة، نظر إلى المكان فإذا بها غرفة أشبه بقوقعة مبطّنة بقماش من المخمل الأخضر وسطها لؤلؤة، يسير نحو اللؤلؤة المشعّة وعينيه معشيتان بالوهج، يشعر بملمس المخمل على أرض القوقعة في قاع قدميه، وحين دنا ونظر وأمعن النظر وجد امرأة نائمة.

 

لم تكن امرأة عادية من نساء الأرض، كانت حورية في جمالها وفتنتها وبياضها، لقد دخل الجنة دون حساب، وهذه الحورية التي وعد الله بها المتقين، كانت متمددة على جانبها الأيمن، ضامّة ركبتيها ضمّة خفيفة، مادّة ساقيها وكأنهما عمودان من مرمر مصقول، تلتحف شعرها المسبَل المسدول على ظهرها ووركيها حتى قدميها، ترتدي ثوبًا شفافًا كغلالة حمراء من نور على جسد منحوت ناهد، بخاصرة لو ضمها بكلتا يديه لانثنت ولكان خصرها بمقياس انغلاق يديه على بعضهما، متوهّجة، نور أو نار لا يدري. تعلّقت عيناه بوجهها الأبيض كبياض قطنة مع خدين حمراوين كحمرة جمرة، وكل السحر في ثغرها وشفتيها الوردتين اللامعتين، يسير كالمسحور نحوها، يرتجف لا خوفًا، ولكن من شدة الاشتهاء والرغبة التي اجتاحته في تلك اللحظة.

 

تذكّر كل الحسنات التي فعلها في حياته فعرف أنّها مكافأة الربّ له على إيمانه وصدق سريرته، وهذا الشعور الذي يشعر به الآن نحو هذه المرأة التي تنظر إليه وعيناها مغمضتان نصف إغماضة، فلا يدري إن كانت نائمة أو مستيقظة، لا يمكن أن يكون شعورًا دنيويًا، ولا تلك الرغبة التي تشتعل داخله هي رغبة جسدية فقط، لقد سلبته عقله وسرقت قلبه، ولم يعد يدري ما يفعل بها أو بنفسه المرتبكة أمام فتنتها.

 

تحرّك نحوها، وحين حاول مدّ يده إليها، نظرت إليه بعينين ساحرتين حتى شعر وكأن الحياة توقفت في تلك اللحظة، وقف أمامها مبهوتًا عاجزًا عن الحركة، فلا يدري يتقدم أم يتأخر، فالسحر كلّ السحر في تينك العينين اللتين كانتا كقنديلين تحرسهما ظلال من رموش الهدب. اقترب منها، قال في نفسه إمّا أن تكون قدرًا أو مصيدة أو جَنّة، وفي كل الحالات عليه أن يغامر وأن يقترب منها. يقترب أكثر، تبتسم، فتلمع أسنانها كصّف من لؤلؤ، مدّ يده إليها حتى لامس جسدها فكانت كقطعة من جمرة حارقة، وكأنه يلمس النار بيده، يمتد اللهيب إلى كلّ أعضاء جسده، يحترق بنارها لكنه احتراق لذيذ، لذة من نار لم يختبرها حتى هذه الساعة وهو يشعر باشتعال جسده تحت ثيابه.

 

دنا منها، لا يملك سوى أن يحترق بنارها، ويفعل ما تمليه عليه رغبته، بدأ يجرّدها من ثيابها، وحين كشف عن نصفها العلوي، رأى جسدًا كأنّه تمثال من مرمر منحوت، غاية في الإبداع. تشتعل الرغبة في داخله أكثر فينسى شجاعته أمام هذا الحسن الناريّ أو النوراني، ولا يعلم ما هو فيه أحبٌّ أم اشتهاء؟ وهو الذي ما اعتاد أن يكون ضعيفًا كما هو الآن أمام هذا الجسد الذي أذكى بتفاصيله الأنثوية المشتهاة لهيب روحه وجسده. كان يشتعل ولا يريد أن ينطفئ إلّا بها. مد يده ليكشف عن نصفها السفلي لعله يطفئ ناره بوصلها، لكنهّ فوجئ حين اكتشف أن ما ترتديه السروال لم يكن إلا طيّة من حبال ناعمة كسلاسل من ذهب معقودة، وكلما فكّ عقدة وجد عقدًا أخرى تتزايد دون نهاية.

 

 كاد يمضي الليل بطوله وهو يفكّ تلك السلاسل، ولما انتهى من حلّ تلك العقد المتداخلة، كان قد بلغ به الجهد مبلغه، وحين باعد ما بين ساقيها الطويلتين اكتشف أنّ ما بين فخذيها ليس سوى صفحة بيضاء! يبحث بجنون عن موطئ يفرغ فيه شهوته فلم يجد، كانت تنظر إليه وعيناها جمرتان من نار، أو نجمتان من نور، وابتسامة شبقة على وجهها الوَضّاء، يلمس جسدها فيكاد يحترق بلهيبها. قتلته الرغبة ولم ينلها، نظر إليها مسلّطًا عينيه على وجهها في غضب وعشق، مدّ يده فصفعها صفعة على وجهها بكل نار الرغبة والغضب التي تشتعل داخله في تلك اللحظة وهو يلهث من فخ الخديعة الذي أوقعته فيه، أشاح بوجهه عنها وأمال جسده بجانبها ونام معطيًا ظهره لها، تاركًا إياها على حالها، غفا من شدّة التعب.

 

 لم يعلم كم الوقت قضى نائمًا، وحينما استفاق وفتح عينيه ونظر إلى حيث كانت، لم تكن هناك، فظنّ أنه يحلم، وحينما همّ بالوقوف، وجد نفسه محاطًا بنفرٍ من الكائنات الغريبة المتوهّجة التي تشبه تلك المرأة التي رآها! رأى نفسه صغيرًا بينهم، ما كانوا ملائكة، فهو يعرف أن للملائكة أجنحة وهؤلاء لم تكن لهم أجنحة، تحدّث أحدهم إليه بلغة عربية فصيحة:

-         السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قام ناصر ونظر إليهم وهم ينظرون إليه، وردّ على ذلك الكائن:

-         وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

فرك عينيه، أي حلم هذا الذي هو فيه؟ أي جاثوم يجثم على صدره؟ يرى تلك العيون الحمراء المُسلّطة عليه ولا يدري أي ورطة قد وقع فيها، وهل ما هو فيه حلم أم حقيقة؟

 

ظلّ ناصر صامتًا حتى تحدّث الرجل نفسه مرة أخرى والبقية يواصلون النظر إليه، وقال له إنهم نفرٌ من الجن، وأنّ اسمه "شمهروش" وأن "ميمونة" ابنة شيخهم كانت تراقبه منذ فترة طويلة وهو يسير وحيدًا في الفلوات والكهوف، وقد تربّصت به فأحبّته وشغفها عشقًا، فلم تشأ أن تؤذيه، بل تمنّت الزواج منه، وأخبرت عائلتها وقومها بمن سكن قلبها. حاول أبيها تزويجها بمن هو من جنسها من أهل الأرض لكنها رفضت الزواج ممن تقدّموا لها وأصرّت أن تستدرجه حتى يأتي هو إليها وتتزوجه.

 

 يستمع لهم ناصر متعجّبًا

-         وأين أنا الآن؟

-         في مملكة الجن.

 

قال له الرجل الجني وأخبره أنه لن يستطيع الخروج من مملكتهم حتى يعقد قرانه على ابنتهم ميمونة على سنّة الله ورسوله، فهم مسلمون ويدينون بدين محمّد ويصلوّن ويصومون ويقرأون القرآن. أخبرهم أنّه متزوج، ولكنهم قالوا له إن زواجه من ابنتهم لن يؤثر على زواجه من زوجته الإنسية، والإسلام أحل له الزواج بأربع نساء ولا ضير في ذلك، وله أن يذهب ويعود إلى زوجته من الجن متى شاء، فهي ستسلّمه مفاتيح باب المملكة. وحينما سألهم كيف يتزوجها ولم يجد فيها ما يميزها أنثى أو ذكر إلا نصفها العلوي، ضحكوا من سؤاله وكأن ضحكتهم شرر من نار، أخبره الرجل أن هذا دليل بكارتها وعذريتها، فالجنية لا تظهر معالم أنوثتها إلا لزوجها، وحينما سأل عن مهرها أخبروه أنهم لا يريدون منه شيئًا إلا أن يعقد عليها عقدة النكاح ومهرها كلمة فقط، وكل السرّ في تلك الكلمة، ولكن عليه أن يظل مخلصًا لها ولا يتخلّى عنها.

 

عقد قرانه عليها وتزوّجها على سنة الله ورسوله؛ ودخل عليها وعاش أجمل أيام حياته معها وكأنه في حلم أو جنّة، أيامًا نسي فيها كل شيء إلا تلك الجنيّة الفاتنة بما تمنحه إياه من لذة العيش ونعيم الحياة بقربها، بقي كذلك حتى انتهت أيام العرس التي لم يدرِ عددها، حتى طلبت منه أن يذهب ولا يلتفت للخلف إلا بعد أن يصل منطقة معينة هو يعرفها، حيث كان يعتزل ويتأمّل، وأعطته موعدًا آخر للعودة.

 

وقبل أن يخرج من مملكة الجن أعطوه قروشًا فضية كثيرة لم ير مثلها من قبل، وأعطته ميمونة المفتاح الذي لم يكن سوى الكلمة التي قالها عند زواجه بها والتي أكدت عليه أن يحفظها في قلبه ولا ينساها ولا يخبر بها أحدًا، لأن مفعولها يبطل إذا عَرف أحد سرّها، فوعدها وهو أشبه بالمُغَيّب ولا يدري أن كان ما هو فيه حقيقة أم خيالًا.

 

google-playkhamsatmostaqltradent