أحلام عثمان
عَبَرَتنِي..
عبرتْ جسدي،
حين كان يحبو على أربعةِ أرجلٍ ويلثغ عطشاناً،
حين كان غصناً غضاً في غابة واهمة بالأمومة.
عَبَرَتنِي كقطارٍ سريع..
محمّلاً بالبُنِّ والهال.. لنساء وحيدات
يشبهنني،
يشربن الفجر بفنجانٍ ورديٍّ، ويطعمن شمسي
النّاعسة أصابعهن
الحلوة.
بإمكاني أن أكتبكِ شعراً يشبهكِ،
أو نصّاً مرتجفاً في العراء.
بإمكاني أن أجعلكِ امرأة بحقّ
أو حتّى رجلاً بحقّ
وبإمكانكِ أن تصيرينني..
قلباً مائياً يسيل على ظهر الحب، ولا فم يشربه.
كيف ألفظ اسمكِ
أيتها الحياة، اسمكِ الصغير على فمي!
الذين مرّوا من قصوركِ الشّاهقة، لم يلتفتوا
لحمامة تجلس في القمة، وتحتضن هديلها الخائف بين ذراعي الرّيح.
الذين عرفوكِ، وعبدوكِ، ونادوكِ، وكتبوا لكِ
رسائلاً بحبر دمهم
الذين تخلّيتِ عنهم عند أول صعود، وعلى سريركِ
الرّمادي ماتوا!
أنتظركِ،
لا في المقهى ولا على مقعد يتّسع لشخصين
يتناوبان حراسة الفراغ
أنتظركِ،
لا في وحدتي المقدّسة، ولا في عزلة النفس عن
شهوة جسدها
أنتظركِ،
في زحمة ذاكرة، فيها روائح وأظلّة زرقاء
فيها نهر يمسح عن جبين بحر ملح التعب
فيها أشجارٌ وعصافير وفراشات
فيها أطفال يلعبون، وبلادٌ تنزّ عسلاً من أغاني
الجدّات
فيها ملائكة تصبّ الشّاي لزائر غريب
وامرأة تفِيء بمنديلها، وردةً لحضوركِ.
لا تنبذ امرأة صبّت كاملها في بئر روحكِ
امرأة ارتدتكِ سرّاً ومشتْ في شارع رؤاكِ،
عارية
امرأة تطوّق حزنكِ بابتسامة
وتمسحُ بفمها دمعه المرّ.
لا تنبذ امرأة تمسّد على ظهركِ
عِرق كمنجةٍ، وتُحيل عن موسيقاها الخذلان.
إن رأيتكِ مجدداً..
سأركض إليكِ
أضمّكِ بقوة
وأقبّلكِ أيضاً بقوّة
سأخبركِ كلاماً كاذباً أو ربما ستصدّقني إن قلت:
هذه أنا
امرأة حلمكِ، وصحوتكِ بأخرى.
إن رأيتني
بقوّةٍ، سأختفي!
أهرب ليس لأنّني جبانٌ
إنما لأنّني أمشي على قدمين طريّتين
أتحدث وأكتب بلغةٍ لا يفهمها الآخرون
وفي بلادٍ سكنى بالهبوب.
أبتكر سماءً وشمساً صغيرة
ظلالاً تُفيء نهراً تحت منحدرات رؤاي
وأفتح صدر العالم لعصفور هارب
أدرّبه على النباح،
أرمي له عظاماً فيركض خلفي.
أهرب لأنّي ابن اللحظة الولّادة للهباء،
والوارثة لإثمها الأزلي!

