recent
جديدنا

شعرية الحزن في "أول جمرات الثلج" للشاعرة منية صالح الوسلاتي

الصفحة الرئيسية



رياض بوسليمي





صدر مؤخراً عن دار إفريقية للنشر مجموعة شعرية بعنوان "أول جمرات الثلج" للشاعرة التونسية المهاجرة منية صالح الوسلاتي، وتقع المجموعة في حوالي (95) صفحة من الحجم المتوسط، وتحتوي على (25) قصيدة منها: فراغ، لست ككل النساء، لعنة امرأة، صرخة مكتومة، ظلم البشر، غريق، أهدرت دمي، جريح… وتمثل هذه المجموعة الشعرية باكورة أعمال الشاعرة.

منذ البداية يتراءى لنا الحزن الذي تعيشه الشاعرة فلا تخلو قصيدة من القصائد من مفردات حزن أحسنت الشاعرة في اختيارها وتوظيفها شعرياً من حيث المعنى والإيقاع. مما يؤكد العلاقة القوية بين التجربة الذاتية الحياتية المليئة بالأزمات والتجربة الإبداعية بل إن الأولى قد نشطت وكانت دافعا للثانية، فالشاعرة تبوح بتجارب درامية خاضتها وتخوضها في حياتها العائلية والعاطفية من خلال القصيدة. لذلك اصطبغ شعرها بالحزن والأسى والجروح والغربة النفسية والخيبات التي طالتها والغدر والعذاب التي لحقها من محبوبها السابق حتى أنها تصور نفسها على أنها “لست ككل النساء” فتقول:

أنا امرأة لست ككل النساء
الدهر خصمها
باع فيها واشترى
دمّر فيها ما بقي
أنا امرأة أعياها العياء
فتربعت على عرش العذاب
وعلى رأسها تاج العناء
وعريسها اسمه الشقاء
أنا امرأة لا أشبه النّساء




وتقول أيضا في قصيدة “ظلم البشر”:
تصفعني الأرصفة
يضيع مني الطريق
يلدغني العناء
يشتعل في الحريق
أنكوي باللّظى
أستغيث
أشدّ الرحيل
إلى حيث اللانهاية
وشبح القهر يطاردني
من مكان إلى مكان

لا يتوه القارئ لهذه المجموعة الشعرية في البحث عن أسباب حجم الحزن الذي عاشته وتعيشه الشاعرة، فسرعان ما يهتدي إلى السبب الرئيسي وهو ما خلّفه غدر المحبوب السابق لها بالرغم من حبها الكبير ووفاءها له، فتقول:

لماذا يا فرحي
داويت جرحك بجرحي
وأبدت عمر الزهور؟
لماذا يا فرحي
أعدمت صبحي
وأبكيت الطيور؟
أما كفاك ذبحي
وقسوة الدّهور

وتتدرج الشاعرة وتنوّع في وصف معاناتها إلى أن تصل لوصف علاقتها بالليل فتقول:
نحن فريسة الليل الطويل
نحن عبء على العناء

أشد أزر قلبي
وبشد قلبي أزري
ويطول بنا الضّنى
فيشمئز منّا الليل
وتبدأ تقاسيم العذاب
على أوتارنا
فتنبعث أنغام اليأس
من آهاتنا

وتتأكد مرة أخرى العلاقة القوّية بين التجربة الإبداعية والتجربة الحياتية الصعبة والأليمة للشاعرة في تقديمها لنفسها للمحبوب التي تصفه بـ ”الموسوم بالأحلام” و”الطير الغريق” الذي وهبته “حبها النقي”:

لا أملك في هذا العالم
غير قلبي الجريح
وذكرياتي الحزينة
وآهاتي المريرة
ومن الدمع الكثير
لا أملك غير أوراق
أدوّن شجوني عليها
كلّما الصدر ضاق

وفي آخر قصيدة “جريح” تعود الشاعرة من جديد إلى وصف ما عانته من جراح في شبابها بشعرية وإيقاع يجسد إيقاع ذات الشاعرة الذي ترسّخ من خلاله معاناتها: فتقول:

أجريح أدمته الجراح
أجريح أعياه النوّاح
وعين أعمتها الريّاح
بكت السّماء لمصابها

بالرغم أن الأمل احتل مساحات محدودة وارتبط خصوصاً بتجربتها العاطفية الحالية، إلا  أنّ الحزن والأسى نتيجة المعاناة الذي عاشته وتعيشه الشاعرة ووجودها في بلاد الغربة وحرمانها من الدفء العائلي والاجتماعي قد كان له أثره في قصائدها التي اصطبغ جلّها بالحزن والأسى والحرقة. ولعلّ هذا اللّون الطاغي على القصائد هو ذو قيمة إبداعية خالصة تنبع من عمق التجربة وخصوصيتها..

لتبقى مجموعة “أوّل جمرات الثلج” ترجماناً وفيّاً لمعاناة الشاعرة المتعددة الأبعاد كما أن لظاهرة الحزن ما يجعل منها أمارة تختص بها هذه التجربة، وكأن الشاعرة من خلال اختيارها للعنوان تلمح إلى أن هذا الإصدار هو “أول الجمرات” وأن تجربتها الحياتية مازالت تحمل مزيداً من “الجمرات” ربما ستفصح عنها في أعمال إبداعية قادمة.

الشاعرة منية صالح الوسلاتي

google-playkhamsatmostaqltradent