recent
جديدنا

مقاربة نقدية للوظيفية العملية في رواية «قيامة البتول الأخيرة»



بوزيان موساوي (المغرب) / خاص سبا


1.    تقديم المتن (Le corpus):
صدر سنة 2018م (الطبعة الأولى) عن دار نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع – حلب / سوريا، كتاب ينتمي لجنس الرواية تحت عنوان «قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية)»، للروائي والناقد السوري زياد كمال حمّامي.

الكتاب من الحجم المتوسط (313 صفحة)، يتكون من أربعة فصول، إضافة لأوراق خارج النص الروائي في مقدمة الكتاب، و نهايته، و ظهر غلافه... لوحة الغلاف للفنان نذير نبعة. تصميم الغلاف: محمد حسن الأطرش. و لنفس المؤلف المبدع زياد كمال الحمّامي عدة كتب في مختلف الأجناس الأدبية إبداعا و نقدا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ـ لضيق المجال ـ روايات مثل: "الظهور الأخير للجد العظيم"، و "نعش واحد وملايين الأموات"، و "الخاتم الأعظم، و طبعا رواية "قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية)"...

2.    تداعيات منهجية لا بد منها:
بتحديد جنس العمل الأدبي بوضعه في خانة "الرواية" من طرف المؤلِّف، تتحدّد قبل قراءة النص معالم آفاق انتظارات القارئ: سوف لن يقرأ نصوصا شعرية، ولا قصة، و لا حكاية، و لا مسرحية... سيقرأ نصا أدبيا سرديا طويلا يتوفر على عناصر الدراما في فضاء شاسع و أزمنة مختلفة، تتفاعل فيه و تنفعل، شخصيات من عيّنات و نماذج متعددة تنتمي لفئات اجتماعية متباينة، و نادرا متجانسة من حيث الانتماء الطبقي و الديني و الطائفي و العرقي و الفكري و السياسي و الايديولوجي... و تتفاعل بداخله أيضا باقي الأجناس الأدبية...
 

زياد كمال حمامي

هذه مسلّمة أوّلية لا يختلف بخصوصها اثنان... الجنس (Le genre) واحد، لكن الاختلاف (بمعنى التفرّد) يكمن في النوع (Le type): رواية كلاسيكية؟ معاصرة؟ حداثية؟ ما بعد الحداثة... واقعية؟ رومانسية؟ بوليسية؟ تعليمية/ تربوية؟ تاريخية؟ فلسفية؟ دينية؟ عبثية؟ وجودية؟ سريالية؟... و يكمن الاختلاف كذلك من روائي إلى آخر في تصوّر، و تصميم الهندسة العامة للبناء "المعماري" للرواية (L’architecture du roman): من حيث التبويب (فصول؟ رسائل؟ أجزاء؟ أبواب؟ مفاتيح؟ أوراق؟...)، إضافة لاختلاف جوهري أهم يكمن في أسلوب كاتب يتفنن في الابداع و الابتكار بناءا، و لغة و بلاغة و أفكارا و جمالية...

لذا كان بالنسبة لي، كقارئ متمرّس، أن أخصّص قراءتي النقدية التطبيقية هذه ـ من الناحية المنهجية ـ بمساءلة "تصميم الهندسة العامة للبناء "المعماري" لرواية ""قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) للأديب السوري زياد كمال الحمّامي، مع (بموازاة مع ذلك، صدى و توظيفا و دلالة) مقاربة العناصر الفاعلة في النص من زمكان، و شخصيات، و أحداث، و رؤى فكرية، و حيثيات متعلقة بسلطة اللغة و الأساليب الجمالية الأدبية... و لأن هذه الرواية تستحق الكثير من المناولات النقدية، وقع اختياري هذه المرة، تتلوها قراءات نقدية أخرى، لهذا العنوان:

"مقاربة نقدية من خلال قراءة وظيفية لمدخل الرواية (L’incipit du roman)"،
و لأجلها، نطرح السؤال:
3.    ما خصوصية "تصميم الهندسة العامة للبناء "المعماري" لرواية ""قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) كدالّات/ مفاتيح لتوقعات آفاق انظارات القارئ؟

3 ـ 1 ـ و صف "ماكرو ـ بنية" المتْن:                
لجأ الروائي زياد كمال الحمّامي في هذه الرواية لتبويب مألوف و متداول تحت عنوان "الفصل"..
و صمّم تضاعيف الكتاب بتجزيئها لأربعة فصول:
أ ـ يتكوّن الفصل الأول (من صفحة 9 إلى صفحة 89) من عشرين جزء.
 ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏‏بدلة‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏
ب ـ و يتكوّن الفصل الثاني (من صفحة 91 إلى صفحة 159) من 18 جزء.
ج ـ و يتكوّن الفصل الثالث (من صفحة 161 إلى صفحة 233) من 21 جزء.
د ـ و يتكوّن الفصل الرابع (من صفحة 235 إلى صفحة 313) من 21 جزء.

سنركز مداخلتنا هذه على الفصل الأول ـ للضرورة المنهجية ـ حتى نَفِي موضوع المقاربة "وظيفة مدخل الرواية" (L’incipit du roman) حقه.
لكن قبل ذلك، و ما دمنا أحصينا عدد الصفحات يحق السؤال:
ـ هل عدد صفحات "قيامة البتول الأخيرة"تكفي ليُصنّف الكتاب ضمن جنس الرواية؟

3 ـ 2 ـ "قيامة البتول الأخيرة" رواية.
كتب فؤاد حداد (العربي الجدبد: 19/19/2017)، و أشاركه الرأي:
"لا أهمية لعدد الصفحات، ما دامت الرواية محاولة ترتكب مخاطرة الولوج إلى عصر والإحساس به، مهما جهدت في اقتناصه، تشكو من النقصان. رحلة في عالم نعرفه، أو عالم لا نعرفه. وفي حقيقتها الكبرى، اختراق عالم مجهول، هو عالمنا بالذات الذي نعيشه، ونتلمسه أشبه بالعميان، عسى ندركه، عسى نعرف موقع خطواتنا فيه، عسى نعرف شيئاً ما عنه، عسى نتبيّن معنى وجودنا فيه... ربما ساعدتنا الرواية.."،

و نجد صدى لنفس الرأي لدى مؤلف رواية "قيامة البتول الأخيرة" المبدع السوري زياد كامل الحمّامي لمّا صرّح في "ورقة خارجية" مطلع الكتاب (ص. 7) بما يلي:
"قد يكون الواقع أغرب من الخيال، و أشدّ وطأة، وقد يكون اللامعقول في غرائبيته هو الواقع نفسه، أو هو الحقيقة المخفية، و أعرفُ إذْ ذاك، إن ما نخشى منه، لا بد من الولوج فيه، و المغامرة من أجله، و لهذا أردتُ أن يدرك المرء ما يخفى عن نفسه، و في محيطه، و ما يُصاغ في الأقبية السرّية، و في الحاراتن و الأزقة الشرقية، و يحاكيه، أو يحاكمه..."

4 ـ تجليات تضاعيف الرواية من خلال وظيفة مدخلها سيميائيا و دلاليا:
استوقفنا الفصل الأول من الرواية لضرورة منهجية كثيرا للبحث عن تجليات تضاعيف الرواية شكلا و مضمونا كما قد سيتوقعها القارئ انطلاقا من : "مدخل الرواية"؛ و منه استقينا في مقاربتنا النقدية ما يلي:
حافظ فيه الروائي زياد كمل الحمّامي على أهم مواصفات الرواية التقليدية من حيث الشكل خصوصا في الأجزاء رقم 1، و 2، و 3.. نسشف منها ما يلي:
ـ إعتماد الكاتب التقنية المعروفة في المسرح الكلاسيكي التي يطلق ب "مشهد العرض" (Scène d’exposition)، أو ما يسمّيه بعض النقاد في الغرب ب "مدخل الرواية" (L’incipit du roman).

و تُعنى هذه التقنية بتحديد وحدتي:
ـ الزمان، و هو زمن الحرب: "ما هذه الحرب المؤلمة؟ !، طرف يقول إنها ثورة، و الطرف الآخر يصفها بالزمة و الفتنة، و طرف ثالث يعتنقها جهادا، و آخر يعدّها احتلالا، و أطراف أخرى تؤكد أنها فوضى.." (ص. 12).
ـ المكان (أو فضاء الرواية)؛ رمز معترك التعددية و المذهبية و الطائفية: "حارة اليهود: "البندرة"، هذا الحي الذي نسيه الزمن، و أهملته الحكومات المتعاقبة، تقطنه مجموعات من مختلف الطوائف و المذاهب و الأديان..." (ص. 13)..

ـ تدقيق مدلول (Le signifé) "البتول" الوارد في عنوان الرواية (حتى لا تختلط على القارئ المعاني التي قد تحيل على "البتول" بمعنى القدّيسة "مريم العذراء"..) لتيسير توقعات القارئ عن قمة "دراما" الرواية: قصة اغتصاب صبية عذراء (قد تكون سورية مجازا): "صورة بنت الحارة الصبية "البتول"، و هي تتقلص على مرافئ العار ككتلة بشرية متحركة، تتكوّن في زاوية الغرفة نفسها التي شهدت حالات اغتصابها اللعين (...) بعد أن تمذ اغتصابها مرارا، و تكرارا، بوحشية همجية."(ص. 12).

ـ تقديم الشخصيات عبر بورتريهات قصيرة ل"بطل روائي" (أو "لا ـ بطل" كما في الأدب السوريالي/ العبثي) بصفة (لا "الأنا"المتداولة في أغلب الروايات العالمية و العربية، بلْ..) الكائن الحاضر/ الغائب ك "ذات جمعية"من مشارب و انتماءات و أعراق و أديان و طوائف و أعمار، من الذكور و الإناث:
"عبد السلام" الفنان النحّات، و "البتول" أجمل بنات "حارة اليهود"، و "الحاج عبد القادر الهلالي" الأب الروحي للحارة، و ابنه "يحيى" عاشق البتول، و "أبراهام فارحي" اليهودي حارس "معبد الصفراء"، و ابنته "ليزا" التي تربطها علاقة حب ب "عبد السلام"، و "العمّ ابو الرمز الفلسطيني" أستاذ مادة التاريخ، و الوليّة "خاتون" العرّافة، و "أخوة الحليب في الفيلا"، و العجوز العمياء "الثريا"التي ترى الأصوات و تشاهد الروائح، و أمّ القطط "هنودة"، و الخواجة "قهوجيان" الأرمني الخياط الرسمي للضباط، و ابنته الرياضية الجامعية "إيلين"...
هي شخصيات "مفعول بها" أكثر ممّا هي ذوات "فاعلة"... إن كانت "نظرية التلفظ"(Théorie de l’énonciation) عند اللسانيين البنيويين تفرق بين "الذات الفاعلة" (َActant)، و "الذات المحيطة/ الظرفية" (Le circonstant) باعتبار أن الأولى عناصر تدخل و تغيير، و الثانية مجرد عناصر مؤثرة كالتضاريس، و المناخ، و العادات، و التقاليد، و الأعراف، و المعتقدات، و الشرائع، و السّنن.. و أزمنة السلم، و الحرب، و الصراعات، و الهُدَن... ففي رواية "قيامة البتول الأخيرة" لزياد كمال الحمّامي، تبدو الشخصيات الروائية مجرد "كائنات من ورق" تتفاعل، و تنفعل داخل "فضاء روائي" يشبه واقع هو "البطل الفاعل" حقّا... تنتفي غالبا عبر ربوع الرواية جدلية التأثير و التأثر بين الانسان و محيطه، لدرجة أن الكاتب لجأ إلى إخراس بطله (لا ـ بطله) "عبد السلام: كانت هذه الشخصية تمارس المسرح، و تلعب أدوارا رئيسة، و المسرح لغة الصّوت، و الصّوت حياة و كينونة.. (يغادر الجنين رحم أمه بالصراخ، رمز الوجود و الماهية...)، لكن "عبد السلام" غادر خشبة المسرح ليستكين في قبو (معبد فنه) لينحت على الصخر (إزميل) لنستمع لصوت المعول يدقّ على الحجر الأصم، و من خلاله دويّ القنابل المدمّرة، و من هنا عبثية الشخصية و واقعها كما في السوريالية التي انتجها "أدب الحرب" في أوروبا بين الحربين العالميتين و بعدهما:

 ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، ‏‏نص‏‏‏ "اشتهر ("عبد السلام") بتقديمه عدة أدوار مهمة مع فرقة المسرح الجامعي، لكنه اختص بعد تخرجه بالنحت على الحجر و الرسم السوريالي فوق الواقعي، لاعتماد ذلك على التلقائية الانفعالية، و التعبير عن الأفكار اللاشعورية بالقفز فوق الواقع، و استنهاض العقل الباطني، و هذا ما يناسب شخصيته، و حالاته النفسية، غير المستقرة، على نمط "سالفادور دالي"، و طفلاديمير كوش".." (ص. 13).

و يبدو أن الشخصيات الأخرى في رواية "قيام البتول الأخيرة"لا تختلف جوهريا عن شخصية "عبد السلام" في تضاعيف الرواية، و لا على شخصيات المسرحية العبثية " في انتظار غودو" (En attendant Godot) للدراماتورج الايرلندي/ الفرنسي سامويل بيكيت: يبدو ان الجميع ينظرون شيئا ما، أحد ما... انتظار قد يطول لما/ لمن، ربما لن ياتي أبدا:

ـ "عبد السلام" يجاول إحياء "البتول" ضحية الاغتصاب عبر استنطاق الحجر الذي ينحت تمثالها عليه، و كأن لِذي "البتول" قيامة تشبه "قيامة المسيح"، أو "المسيح الدجّال"، أو "المهدي المنظر"...
ـ "البتول": رمز الصبايا المغتصبات، و كأنها عِرض و شرف كل البلد.. كانها هي الرض/ البلد/ الوطن...
ـ و الحلّ؟ قد يتساءل القارئ في توقعاته...

المبدع الروائي زياد كمال الحمّامي يوهم القارئ (بتقنيات من الجدير التنويه بها رغم مأساوية مضامين خطابها) في أكثر من مناسبة و سيّاق، في هذا الفصل الأول: إن الرواية انتهت حيث بدأتْ (قمّة السخرية و العبث كما في الكتابات السوريالية)؛ نقرأ:

"... إلا أن جثة البتول: "فصّ ملح و ذاب"،اختفت بلا أثر، بلا قبر، او شاهدة، و لم يستطع أحد أن يؤكد أنها قد فارقت الحياة لعدم وجود الدليل القاطع، و الاثبات بالبينة كجد السيف. أين السيف؟ ! أوووه؟ ! عفوا: أين الجثة و الأرض خراب؟ ! أين الدليل و المكان ليس هو المكان؟ ! أين؟ ! و أين؟ ! كلّ الأسئلة متاحة، لكن لا أحد اهتم بسؤال واحد: من سيبحث عن السياف الجاني؟ ! أو عن الجناة؟ !.." (ص. 16 و ص. 17).

google-playkhamsatmostaqltradent