recent
جديدنا

إلى «كوباني» ثدي أمي

الصفحة الرئيسية


محمد كنعان / خاص سبا


– 1 –
أرتدي لغتي
أنتعلُ اسمي
وصفتي هُويّةٌ
أشقُّ بها أسلاكَ الاختلاف
والحقيبةُ حرباءُ على ظهري
متعدّدةُ الألوان
والولائاتُ المزيّفةُ
وأتذكّرُ حتميةَ البرعمِ، الذي تفتّحَتْ منه
وأذكرُ ماءً سُقيْتُ منه،
وتربةً لفظتني.

– 2 –
وأعرفُ أنّ الذي قطفني:
«قد أهداني إلى يدٍ
ليقضي ليلةً فاجرةً
مع عاهرةٍ،
لم تتذكّرْ كيف سُقيَتْ؟
ومِمَّن؟»
فكنْتُ طرقةً على البغاء ساعة فراغٍ واشتهاء.

– 3 –
يتنفّسُني المكانُ
بحيث أتمزّقُ مثلَ قصاصةِ ورقٍ
تتفتّتُ أجزائي،
وتلتحمُ
حينما يتململُ السحقُ من الهواء الكالحِ؛
ليزفرَ أخيراً
فأتجمّعُ
لكن من البداية نفسها في كلّ مرّة.

– 4 –
ذاكرةُ شوارع تخترقُ ذاكرتي
وهواءُ مدينةٍ ثكلى
تسبقُ رياحَ العالمِ كلّه إلى صدري
وتسألُني قدماي عن وحلها:
أما زالَ مَن يشتمُها يشتمُها؟
ألا زالَ يستهزئُ من طرحة خريطتها المكدّسة؟
كيف لو رأى الوحلُ هنا
هذا الوحلُ الغريبُ عن أهله حتى
المنجرفُ من الصحراء مع الدم
من بادية هي الأكبرُ في الشرق
هذا الوحلُ القاني
مثلَ وجوهِ المجرمين
كيف تصحُّ مقارنته مع وحلِ «مريمةٍ» عذراء
ذي بكارة لوزية خضراء
ونهدين جبليين؟

– 5 –
أتذكّرُ بعثرةَ البيوت
هي نمشٌ على وجه قصيدةٍ
قد رسمَها رسّامٌ، بينما كانَ يقبّلُ حبيبته
وأسماءُ أزقّتها الحسنى،
وحاراتها المكتظّة،
وغابتها الصغيرة،
وجوامعها،
وكنيسة ولدَتْ هناك قبلَ قليل
وأصدقاءُ ذي ذاكرةٍ ممتلئةٍ تاريخاً
عن الأعراس التي صارَتْ فيها
وعن الذين رقصوا فيها كثيراً، قبلَ أن يرتاحوا ملياً
وعن الغروب الطويلَ
والإشراقاتِ القصيرةِ مثل زفرات الجرحى.

– 6 –
تقعُ عليَّ دروجَ ذاكرتي
مخلّفةً نُدُباً على جبيني
تحكي قصّتي
للأسئلة قبل أن يتلعثمَ لساني،
و تؤلمَني
لئلا أنسى
ألمَها اليتيم...

– 7 –
يُرافقُني مكانٌ فسيحٌ
أجهلُ موضعَه في جسدي
لكنّي على يقين
بأني أصطحبُه أينما ذهبَتْ.

– 8 –
مدينةٌ
أجرُّها خلفي
نستريحُ على الطريق
يمرُّ أناسٌ عبرَنا
يرونها مجرورةَ... جبلاً
وأنا شجرةٌ
يتعبون من ارتيادها
ويتفيّئون بي
وأنا أمدُّ ظلّي إليها سابغاً
يكاد أن يصلَ
تغيبُ الشّمسُ.
لحيتي مالحةٌ
تسقيها عيني
أنسى أين وضعْتُ مجدها في جسدي
لكن مُذ رحلْتُ
أشعرُ بأنّ قلبي ضاقَ عليه المكانُ
إنّها هي...
مع كلِّ شوارعِها
تتقاسمُ أوردتي النبض
تخيمُ عليَّ
أراني جنيناً بها
أتغذّى من أرصفة مبعثرةٍ مرقّعة
هي حبلي السرّي
ألِدُ في ساحة غبراء
أزحفُ إلى آثارها
وأرضعُ تاريخاً لا فطامَ له.

– 9 –
يتبعُني شبحُ مدينةٍ بتولةٍ
لها ناصيةٌ عريضة
عليها أسماءٌ غريبةٌ
كلّما قرأْتُ اسماً
لاحَتْ لي يدٌ بيضاءُ
الأيادي كثيرةٌ
والأسماءُ أكثر
وحدَها تحضنُهم
وتخطبُ فيني:
انحني رجاءً لأولادي.

– 10 –
صوتُ «الراديو» يشقُّ أسفارَ الطريقِ إلى مسامعي
كوكبةُ الإلكترونُ الباردةُ تهرّبُ الأحاسيسَ العذراء
تدمي قلباً يعزفُ الرحيلَ الأبد
أتركُ حلماً
أُلاحقُ طيفاً
أهجرُ كرهاً،
وأعودُ كرهاً
يتفتّتُ صراخي صداهُ،
في فضاءات الوسعِ المندهشة
لا أكفُّ عن الصراخ
كي لا أشعرَ بالوحدة
صوتي يتجسّدُ كلّما امتلأَ المكانُ
يبقى للحظات
أراه يرسمُ
أسمعُه يغنّي
ألمحُه يرقصُ
ويزعجُني صريرُ قلمِ الرصاصِ،
الذي يكتبُهم جميعاُ
يشتعلُ قمرٌ في الحضور
مجلولٌ جلالُه
مسكوبٌ نورُه
يفيضُ منه عليه
هو أو هي روحُ الكمال
والخطيئةُ العالمةُ
واسمُ الله المجهولُ في صحف النبوة جمعاء.

– 11 –
مدينتان
إحداها ولّدَتْ الأخرى
نورٌ من نور
أُلاحقُ نوراً...
تلحقُني الأنوارُ
وأنا ابنُ الظلمةِ الأبد
مرسوخةٌ أظلالي في كهوف الخواء
ذي الأبواب المطحلبة، والجذوع المكسورة.

– 12 –
ضجيجُها
خساراتُها...
تمتدُّ إلى أحلامي
أراني، وقد سيقَتْ قدماي إلى حضرة نبعٍ
قد غرقَ في ينبوعه
أرى قدماي يتجمّدان
أراهما ينكسران
أعرفُ هذا الحلمَ
أعرفُ لغةَ المدنِ
عندَما تخاطبُ أبناءَها
تجثمُ على صدورهم في ليالي القرّ
وتزحفُ بكُلّها... إليه وحده
تذكّرُه بنفسها
وتلابيبها
وتسرّبُ من ذاكرتها إلى ذاكرته
كيف ولِدَتْ
في زِحام الموت
معصوفةَ الملمح
تحملُ مشيمتها شعلةً
وتحدُّها «اوركسترا» المقابر
وتقفُ هي
في شموخ الآلهة
تلدُ الألحانُ والملاحمُ.

– 13 –
أستيقظُ من حلمي
والفجعُ يرقصُ على وجهي
يدُ المدينةِ الثانية
ترسمُ وجهي مجدّداً
في صورتها
كأنها تهدبُ صورتها المعكوسة في المرايا
آخذُ يدَها بصيرةً
أُلحفُها بنفسي
أمرّغُ وجهي في كفّها
لتباركَ الأمُّ
مدينتنا.

google-playkhamsatmostaqltradent