recent
جديدنا

محطات

 


خديجة بلوش / خاص سبا

 

كتابة

 

كان يجب أن أتعلم كيف أكتب، وكيف أعيد ترتيب كل حرف وكل كلمة؛ لأخرج بنص مفيد. الكتابة كانت مجرد لعبة أدمنتها منذ أن اكتشفت فشلي, واكتشفت مع أول خربشة على الورق جانباً قصياً من ذاتي كنت اجهله, جانباً ينبض بالحيوية وحب الحياة.

كنت لا أرى من نفسي إلا ما تمنحه المرآة المكسورة في الفناء, تلك المعلقة عقاباً لها؛ لأنها تعكس الأشياء, كنت أرى فيها الهالات التي تكتسح كل المساحة تحت العيون الظليلة الغارقة في الحزن، والفكين المتنافرين, والسحنة الشاحبة, ولن أنسى الأنف الضخم كما تقول أمي.

المرآة لم تكن تمنحني إلا لمحة مشوشة عما أنا عليه, مثل صورة يأخذها المصور لتثبت على قطعة كرتون لتكون هوية تجنبنا سؤال الغرباء على  الحواجز, هنا اسمي واسم أبي واسم أمي واسم جدي لأمي وجدي لأبي... كأنهم يخافون أن نهرب من ماضينا, فعلقوا أسمائهم في هوياتنا كنوع من التمائم.

لكن لم يطلب مني أحد الإطلاع على تلك الهوية، ولم يسألني أحد قط  مَن أكون ومَن يكون أبي أو أمي وإلى أين أذهب أو من أين قد أتيت... لم يكن هناك حواجز أصلاً.

الكتابة متعة حين تصرفنا عن واقع  نخشى زركشته الكاذبة، ونهرب لخيال نؤثثه كيفما شئنا وبما نشاء.

 

 

خريف

 

كيف لهذا الفصل أن يعبر عن شخصياتنا المتذبذبة؟

أنا لا أحب الخريف, لكنه يلاحقني مثل ظلي.

تلاحقني تفاصيله وشحوبه وموته المتكرر...

لكنني لا أموت, أنا فقط أنفض عني كل الألوان الباهتة التي تتشكل على عاتقي عبر بقية الفصول.

لماذا الخريف إذن؟

أنه الفصل الوحيد الذي لا يعرف المداهنة ولا ينافق، يعري الأشجار لتظهر على حقيقتها، ويقتل كل غصن ضعيف كي يترك الفرصة لغيره لينمو على سجيته, شرط أن يكون قوياً كي لا يتم رميه عن الشجرة حين تحتفل بالخريف القادم.

الخريف هو الشخص الذي يرفض أن يلبس الألوان المنتهية الصلاحية, تلك التي تختبئ خلف زركشتها لتخفي احتضارها الوشيك.

الخريف هو نحن.

نلبس فقط ما يناسبنا ونرفض ما دون ذلك.

 

 

اختفاء

 

كلما تراكمت الهموم فوق رأسي الصغير تمنيت لو أني أملك طاقية سحرية تخفيني عن كل البشر وعن همومي البغيضة.

قد أستيقظ ذات صباح ولا أجدني, أو لنقل لن يجدني الآخرون, أما أنا فسأقوم بكل أموري الصغيرة اليومية المعتادة, سأضع إبريق القهوة القديم على النار وسأفتح النافذة التي لا تتواجد بغرفتي وقد أترك الباب موارباً لأي لفحة برد محتملة, سيرتعب مَن يشاركونني المكان حين تشتعل النار فجأة في الموقد أو حين تفوح رائحة القهوة في الجو، سيهربون حتماً حين تشرع النوافذ أو حين ينفتح الباب، و ما من أحد.

سأكون سعيدة جداً إن خرجت دون أن أفكر بما قد يحدث إن التقيت بالجارة الثرثارة، قد أهمس في أذنها لأرعبها, ستلتفت ذات اليمين وذات الشمال قبل أن تركض بسرعة وهي تصرخ أن الزقاق صار مسكوناً.

 قد أقف أمام المخبزة التي لا أجد فيها مكان في الأيام العادية لأشتري رغيف خبز, ولأنتقم من كل المرات التي وقفت فيها مطولاً قبل الحصول على الدور للشراء, بأن آخذ رغيفاً من الرفّ, وسيهرع الواقفون حين يشاهدونه طائراً في الفضاء.

كل هذا يبدو مثالياً لامرأة سئمت من كل شيء في هذه الحياة.

سئمت أيضاً من التحدث.

سأجرب الصمت؛ قد أبرع في ابتكار لغة خفية تخصني وحدي.

لا شيء سيسعدني أكثر من الوقوف أمام المرآة دون أن تعكس صورتي, لن أراني، و لن تراني المرآة.

الشيء الوحيد الذي ينتابني الشك حوله، هل سيختفي ألمي أيضاً إن أنا اختفيت؟

 

 

قشّة

 

لا أحد يتكئ على ظله في هذا الزمن المغبون, وأوجاعنا في وجه العواصف قشة تنكسر, لم أملك من كل ما مضى إلا وجهي أنا, أما وجهك أنت فهو لعشرات الأيادي التي تحتضنه في سكون قبل أن يذوب في الظلام.

همساتك كانت تصلني مثل نفحة حزن تخترق شقوق باب قديم, وأذكر أن صوتك كان يشبه صرخة تكسر نوافذ روحي, ألم أخبرك أن تأثيرك دائماً سيء.

-         أحببتك...

كنت ترتب لهذا منذ أن دفعت برفق باب عالمي دون إذن مسبق, بعد غياب دام لعقود.

-         كم أحبك!

لم تعد الكلمة تحرق روحي كما في السابق, لم يعد الدم يتجمد في شراييني, ولم تعد السماء تهوي على رأسي, ولا الأرض تميد تحت قدمي.

-         ما زلت أحبك...

لا شيء تحرك بداخلي, لو استمرت نبرة صوتك في الارتجاف وأنت تصر على القول أنك تحبني لأشفقت عليك... آخر شيء قد أستطيع منحك إياه هو شفقتي.


 

google-playkhamsatmostaqltradent