recent
جديدنا

كتبت بلغتي الأم

الصفحة الرئيسية


خديجة بلوش / خاص سبا

 

كل شيء هناك على حاله منذ عقود, كم مر على آخر زيارة لك؟

لم أعد أتذكر كم سنة تحديداً, لكن الصور عالقة بذهني كأنني كنت هناك قبل لحظات، أخبرني طائر صغير أن المكان تغير والناس كذلك.

سألته بلهفة: والعجوز المنحنية الظهر؟ هل فارقتنا أيضاً؟

لم أتلقَّ جواباً, وفهمت أنها رحلت مع مَن رحلوا منذ دهر...

أخبريني أنت. قالت لي صديقة من الزمن الماضي. أخبريني عن المكان الذي كنت تذكرينه.

أغمضت عيني للحظة، لأفتحهما من خلال نافذة الغرفة الطويلة المطلة على دالية العنب و شجرة الصفصاف الملاصقة للبيت، والتي ضربت بجذورها عميقاً تحته، حتى صارت جزءاً لا يتجزأ منه.

البيت الطيني ذو السقف الخشبي, والنوافذ المشرعة صيفاً لتيارات الهواء اللطيفة والمغلقة شتاء حتى يتسنى للدفء أن يتجول في حدود المكان.

خارج قضبان النافذة, الجبال المطرزة برداء أخضر, تنوع جميل بين أشجار البلوط وأشجار الجوز العتيقة وأشجار التفاح, وتلة قريبة تأخذني في الصباحات الباكرة حين أسترق الخطى خارج البيت الكبير إلى جوار مقبرة قديمة, لطالما تساءلت عن ساكني المكان, مَن هم, وهل لهم أحبة يتذكرونهم, يزورونهم, ينظفون قبورهم من تراكمات السنين, ومن الأعشاب التي تنمو بكثافة كأنما لتسدل عليهم ستاراً من النسيان, لا اعرف أياً من تلك القبور القديمة، ولم يسبق لأحدهم أن ذكر أمامي اسماً لمَن رحل, صاروا ربما نسياً منسياً, والحي أبقى من الميت كما يقال, وقد تكون حالة من هم فوق الأرض أسوأ ممن يسكنون الثرى.

ثم ماذا؟

تأخذني خطواتي غالباً لأستكشف ما بعد المقابر. ثمة وديان صغيرة, جفت من مياه الأمطار منذ فصل شتاء مضى, وأحجار ضخمة وأتربة بلون الدماء وأخرى تشبه تدرجات رمال الصحراء, لكن لا رمال هنا، كلها أتربة تلتصق بالأحذية، وقد تتسلق الأرجل الحافية، الأرض صديقة الإنسان، تحنو عليه كما تحنو الأم على وليدها.

الفضاء بلون البحر, ولا وجود لبحر قريب هنا, والسحب البيضاء تشبه رسومات طفل ملّ من ترقب ما لن يأتي، فبدأ بابتكار لعبه المفضلة من قطن قطفته الأيادي الخشنة من حقول القيظ البعيدة...

ينثرها في الفضاء ليجلب لقلبه الصغير بعض المرح, فتسقط نتفاً مثل ثلج المساءات الباردة.

كم أحب المكان هناك! وكم أقدر لذاكرتي كل تلك الصور المحفوظة بعناية في غياهبها المعتمة!

ما يحزنني الآن أن مَن كنت أعرفهم هناك قد رحلوا, بعضهم ترك بيوت الطين ليسقط في عشق المدن الإسمنتية، وأغلبهم سكنوا المقابر القريبة.

عتي (عمتي) عيشة؟

تلك العجوز المنحنية الظهر, لا تفارق الابتسامة وجهها المليء بالتجاعيد, سأحزن أكثر إن هي  فعلاً رحلت.

بيتها الصغير المجاور للبيت الذي كنت أنزل ضيفة عليه في فصول الصيف, بيت جميل نظيف, وزوجها الذي كان لا يفارق ركنه المفضل بجانب النافذة المطلة على نفس الدالية, عمي إبراهيم، وسجائره التي ينفثها في الهواء ليشكل الدخان دوائر, لم ينجبا أي طفل, لكنه لم يهجرها، وهي ظلت متمسكة به حتى بعد أن فَقَدَ بصره وصار مقعداً. كم مرة سمعتها تغازله بأغنية بصوتها البحوح ورنة العشق فيه لا تخفيها تقلبات السنين.

مَن يدلني لمثل تلك القلوب النقية...؟


كم مرة هربت من وحدتي وحزني لأجلس معهما أمام البيت الصغير, أستمع للهجتهما الجميلة, وضحكاتهما المنبثقة من القلب كلما تحدثت أنا بلهجتي التي لا يفهمون منها شيئاً، لكنهم يجدونها محببة للقلب, لغة واحدة ولهجات متفرقة.

قالت لي العجوز ذات مرة أن الحروف التي أنطقها بشكل مختلف تجعل الكلمات تبدو مثل طلاسم سحرية وأنها تشعرها بمزيج  من الغرابة والدهشة والمرح...

بلغتي

كل شيء يبدو جميلاً

فرأت أيضاً أشعاراً وقصصاً، ووقفت مطولاً أمام  دهشة الحرف, ومتعة المعنى، لغتنا التي تتشكل مثل الحلم, تأخذنا لأبعد من هذا الواقع الصلف, ترطب قساوة الحياة.

google-playkhamsatmostaqltradent