recent
جديدنا

حيرة الاعتراف

 

إن ما يرضي البشر حقّاً ليس الوضع الماديّ بقدر ما يرضيهم الاعتراف بوضعهم وكرامتهم

 

فرانسيس فوكوياما – فيلسوف ومؤلّف أمريكيّ

  

يرى علماء النفس أن إصرار البعض على عدم الاعتراف بالآخر رغم توفّر الأدلة على ذاك الآخر المبدع روحاً وعقلاً وقلباً، دليلاً على هشاشة ذوات أولئك الذي يخشون من التخلّص من تلك العقدة، ونقصد هنا عقدة الاعتراف، وما صلابتهم وقناعاتهم التي يستظلّون بها إلا نقطة من بحار تلك الهشاشة.

وهنا دعونا نتساءل: لماذا يمتنع بعض الأفراد منّا عن الاعتراف بالمبدعين ولو بتعليق أو «لايك» فيسبوكيّ؟ ولماذا تبدو كلمة «إنه مبدع» ثقيلة على البعض؟ والأهم من ذلك لماذا هذه الظاهرة مستفحلة بكلّ هذه الشراهة والشراسة؟ ألا يدركون – الذين يصرّون على رفض الاعتراف بالآخر – أن بعدم تنازلهم هذا يعدّ سبباً كبيراً لتشوّههم، وبالتالي إدراكهم للواقع يكون تهديداً خطيراً على ذواتهم؟

 

نحن – شعوب هذا الشرق التعيس – كثيراً ما نختلط الشخصنة بالموهبة الإبداعيّة والعكس الصحيح والمحيّر. فإن تعترف بالموهبة أو الإبداع لا يعني أنك قدّمت تنازلات، أو أهينت كرامتك، أو أنك قد اعترفت بالشخصيّة التي لربّما ترمقها بحقدك الأسود وقناعاتك الهشّة احتراقاً في تنوّر غيبوبتك الجهليّة، إنها عقدة عقيمة، دخلنا دوّاماتها ومتاهاتها، من أوسع الأبواب.

 

ثمّة حاجة ملحّة لزرع بذور الحياة الثقافيّة والمعرفيّة في تقاليد الاحتفاء برموزنا الأدبيّة والفكريّة والسياسيّة والفنّيّة والرياضيّة وغيرها، فلا أهمية ولا قيمة للتكريم أمام خطف الموت للروح المبدعة، إذاً لماذا لا نخلّد الأسماء الحيّة النقيّة، والأعلام الكبرى المشرقة، التي ساهمت بشكل أو بآخر في صنع تاريخ الشعوب؟ لماذا تشبّسنا الملعون بقشرة الحياة، وسط إصرارنا ورغبتنا الجامحة في تدنيس اللبّ؟

 

يبدو أن للإنسان الشرقي على وجه الخصوص عقدته المحيّرة بين متاهات روحه ودوّامات ذهنيّته، تجاه الاعتراف المؤثّر العميق ببني جلدته، ولأمر ما يجد هذا الشرقي المسكين حرجاً كبيراً فيصنع أوهامه الوهميّة فقط لألا يعترف أو حتى يكيل المديح/ المجاملة لبعض الأسماء الإبداعيّة الشابّة، يبدو أن حمار الاعتراف لا يترجّل من خلاياه السيكولوجيّة والفيزيولوجيّة، فهل الشرقي ذئب شرس لأخيه الشرقي، كما يقول توماس هوبز «الإنسان ذئب لأخيه الإنسان»؟

 

منذ أن سال لعاب ثورات وأزمات الربيع العربيّ، وكبار نجوم الفكر والأدب والفنّ والمسرح والرياضة في الساحة الإبداعية يرحلون تباعاً، وقد طال النسيان الكثيرين منهم، وبعضهم مات سواء قبل تلك الفترة أو أثنائها وفي قلبه ألف قصّة وغصّة، من ظلم وجحود ونكران لإبداعهم، حتى داخل الحقل الذي كان يشتغل أو يبدع فيه، فلو عاش المغنّي الكرديّ وابن مدينة كوباني «باران كندش»، أو المفكّر السوريّ «طيب تيزيني»، أو الممثّل الليبي «ياسين بقوش»، والكثيرون غيرهم، في أفقر بلد أوروبيّ لسارت بذكرهم الركبان، وكانوا أشهر من نار على علم، لكن هيهات أن يحصل هذا في الجغرافيّة الشرقيّة الغنيّة بالثقافة والفنّ والإبداع، والغنيّة أيضاً بالتعاسة الفكريّة ذاتيّاً واجتماعيّاً، فنحن المميّزون بتكريم المبدعين، ولكن متى......؟ حتماً بعد رحيلهم.

 

القضية معقّدة، والأهم أن الأسباب والدوافع هي الأكثر تعقيداً؛ إنها مرايا تعكس لنا وجهنا المريض، ومع ذلك، فنحن نستمرّ في رفض الاعتراف بهذه الحقيقة، حقيقة أن صديقي أو جاري أو قريبي أو أيّاً كان هو إنسان مبدع سواء فطرة أو اكتساباً، وحتى أننا نرفض الاعتراف بأشكال الخلل فينا، إذ نصرّ على أن المبدعون حولنا يخطّطون لنسفنا ونفينا من الواقع أو الحياة الاجتماعيّة، وما المؤامرات التي نصنعها في خيالنا المريض إلا لنواسي بعضنا أو نسقط فشلنا في محاربة المبدع وعدم الاعتراف به، إلا دليل كبير أننا لن نستطيع يوماً تأمّل الخراب الذي نصنعه لأنفسنا أو يصنعه أعداؤنا لنا.

 


ختاماً: هناك نقطة مهمّة وخطيرة في آن واحد، ويجب أن نتطرّق إليها، وهي أن أيّ مبدع يكون مطبّلاً أو مدّاحاً لأنظمة الحكم المستبدّة تهتمّ به حكوماتها، وتروّج له على أنه منقذ البشريّة من الحروب والكوارث والأبئة، والأمثلة كثيراً، انطلاقاً من أصغر مبدع إلى أكبرهم وأذكاهم، فيما أصحاب الضمير من المبدعين اليقظين والواعيين على الهمّ العام، تراهم يدافعون عن قضايا الشعوب، ويكونون عكس ذلك، بل يُحاربون ويُنفون ويُعتقلون، والمصيبة الكبيرة هي تصديق غالبية المجتمع النظام الحاكم، وبالتالي لا تعطي أيّ أهمية للمبدع الحقيقيّ.

google-playkhamsatmostaqltradent