recent
جديدنا

انتقام من الغيرة

الصفحة الرئيسية
 

إدريس سالم

 

«شكٌّ

غيرةٌ

خوفٌ

انتقامٌ

وقهرٌ من عدم التواصلِ مع مَن نحبُّهم، وحياتُنا متعلّقةٌ بهم كتعلّق المطرِ بالشتاء أتكونُ هذه المشاعرُ موجودةً في ظلّ حبٍّ مُطعّمٍ بنقاء محيّرٍ بالبقاء، أم إن قدراً مَرهوناً تحتِ نِصالِ الزمنِ والمسافاتِ له كلمته الفاصلة؟

إن أحسسْنا بتخدير ما، ولم تحرّكْ تلك المشاعرُ في داخلنا بذرّة حنينٍ أو اشتياقٍ فاعلموا أن هذا الحبَّ صارَ جِيفَةً، ويجبُ أن تتعلّمَ حينَها كيف تتركُ علاقةً عاطفيّةً أو إنسانيّةً صادقةً دونَ أن تلامسَ حتى سطحَ تفكيرِك أو تقتربَ من جداول قلبِك.

تأكّدْ أن لا أحدَ معصومٌ من النسيان، فالحبُّ جريمة».

 

صارَ قلبي يرتجفُ ويكادُ أن يخرجَ من سُرّتي المتكوّرةِ وأنا أقرأُ رسالتَها، التي تفوحُ من ارتعاشات عضلةِ قلبِها اليسرى، المركونةِ فيها ذاتي المستظلّةِ قربَ شطِّ دمِها الصافي.

طالبتُها بأن تسكتَ..

تخرسَ..

تغلقَ تلغرامَها أو بياناتِ شبكةِ الهاتفِ..

تمنّيتُ أن تحترقَ أصابُعها الجليلةُ، أو ينقطعَ لسانُها الرماديُّ للحظات، وأنا أصرخُ: «هسّ فيرمين».

سألتُ نفسي: لماذا الصادقون يتأثّرون بالتفاصيل الصغيرةِ والبسيطةِ ويقفون عندَها؟!

 

خرجتُ تاركاً فجراً نحيلاً تحتَ لِحَافي بالقرب من ستائري، تظلّلتُ سُحباً ذا وجهٍ قاتمٍ تلتحمُ بحرائقي، الريحُ والبردُ تنفثان في وجه الأزقّةِ والنوافذِ والشرفاتِ، حتّى تجمّدَ الدفءُ فوقَ مدفأةٍ مشتعلةٍ بأخشاب قبلَ أن تتحطّبَ كانتْ تتدلّى عقداً كاملاً من شمسٍ حارقةٍ، تحدّيت غيرتي والخوفُ يركلُ خاصرتي، أمشي تارةً وأقفُ تارةً أخرى تحتَ المطرِ بصحبة تلك الريحِ وذاك البردِ، أفتحُ يديّ وأعانقُ دعاءً يطيرُ فوقَ السماء.

 

عادتْ مرّةً أخرى. يتنهّدُ اسمُها فوقَ كلمةِ (متصل) استقامةً وخُصُومةً، أراها تبكي خلفَ ذاك العالمِ الافتراضيِّ الملعونِ بغضب الجغرافيةِ: «الفرقُ هو أننا القتلى والقَتَلَة في تلك الجريمةِ التي نشرعنُها بهِدَاية مباركةٍ من ملاك حارسٍ. تخيّلْ يا مارتين[1] أن شخصاً ما معتقلٌ في زنزانة، وشاءتْ أن جهةً أنزلتْ فيه تعذيباً معنويّاً، سيتحوّلُ حينَها إمّا إلى مجنون عدوانيٍّ، فيؤذي السجّانَ ومَن يضعُ له طعاماً، وربّما قد يؤذي مَن يحاولُ فتحَ الأبوابَ له ليهرّبَه، ليتوقّفَ عندَه مفهومُ الحياةِ ومنظرُ الجثثِ والدماءِ، ستروقُه حتى لو كانتْ آثارَ دمِه أو أجزاءً من أطرافه، وإمّا سيموتُ من ضغوطات مثقلةٍ بدموع ملتهبةٍ وأحلامٍ تطيرُ كالفراشات الورديّة». قالتْها فيرمين[2].

 

الغيرةُ حقٌّ للصادقين، ومتى ما دخلَ الكبتُ والكتمُ في ذاك الشعورِ، والتفكيرُ بعدم أحقّيةِ الإفصاحِ عنه ستتحوّلُ إلى داء يُحرقُ الأخضرَ واليابسَ من الروح والبدنِ. لم أفرضْ الحبَّ عليها، ولم تفرضْه عليّ، الحبُّ كزهرة البُندقِ، هي مَن اختارتْنا لنشمَّها.. نلمسَها ونتغازلَ بها تقديساً.

«تقولين إنك ترجّيتِ اللافندرَ المُنحني على كتف الأملِ، لا بأسَ أيّتها الراحةُ التي لم تكنْ لها بدايةً، ولا أعتقدُ أن تتكلّلَ بنهاية:

ما ذنبي إن سلّمتُ قلقي لعتمتك؟

ما ذنبي إن كانَ يقيني بك مُترّعاً بغموضك المُنسابِ كجروح محاربٍ عاشقٍ؟

ما ذنبي إن سلّمتُ قدمي المعاقةَ لخصرك الأبيضِ، بعد أن رفضتُ تسليمَه لفوضى الزمنِ؟

أجيبي...!!!

أتحبّين أن أحتقرَ جذورَ تعلّقك المتوغّلةَ في عناقاتي؟

أن أستغلَّ حنينَك المنحوتَ بالتوت والنعناعِ؟

أتحرّشَ بصوتك الملدوغِ برائحة الله؟

أجرِمَ بحقّ مشاعرَ كستنائيّةٍ؟

أتحبّين أن أصيرَ وحشاً يلتهمُ مطراً لوزيّاً من السماء؟

خائناً يبيعُ قمراً غافياً

سنابلَ خضراءَ

ليموناً عنيداً

لرصاصات عمياء؟

لن أتركَ إخاءً مخمليّاً يتقشّرُ من أنفاس العدمِ، ولن أرمي لحظاتٍ مُطرّزةً بنكهة قِرفةٍ سيرلانكيّةٍ، وسأتركُ للقاء فرصةً ليعرّي حقيقتَنا بضوء الشمس وندى ترابٍ حنون».

 

«فيرمين». أناديها وأنا أتذكّرُ كيف قالَ إميلُ سَيورَان: إن الموسيقى والشعرَ غيبوبتان متساميتان.

«اللعنةُ لروح فيرمينَ». صرخَتْ صرخةً خرساء.

«اعلمي يا فيرمين أنني كنتُ ولا زلتُ أقدّسُك، اعلمي أن الغيرةَ والجرأةَ إن اجتمعَتا تاهَتا في مستنقعات البلاهةِ والتفاهةِ...».

«تورّطْنا يا مارتين في هذه الجريمةِ، لسْنا بقادرَين على الخروج منها أو التمدّدِ على جمرها.

اسكتْ، احتراقٌ ما ينهشُ داخلي..

اسكتْ، أريدُ لذاكرتي المليئةِ بروحك الزمرّديّةِ أن تستفرغَك..

اسكتْ وكفاك تجليداً».

 

«سأسكتُ، لكن...! اعلمي أن الشعورَ الروحيَّ، بحاجاته ومداركِه ورغباتِه هو الأساسُ المطلقُ لليقين بوجود العلاقاتِ الواقعيّةِ إنسانيّاً واجتماعيّاً، المولودةِ افتراضيّاً.

سأسكتُ؛ إيماناً بيأس أرجوانيٍّ يغفو الآنَ بينَ خطوطِ يديك.

سأسكتُ بصباح مبحوحٍ لا يزالُ يتمزّقُ في ضحكتك الصدئةِ.

أسقطَ وحيداً

مع سكوتي

قربَ ردهاتِه الضبابيّةِ

بجناحين مُتعبين

أحبو صوبَ عقدي الرابع...».

 

تقولُ «إننا نستمرُّ في الحياة في ذاكرة مَن يحبُّنا»[3] يا زافون، لكنني تخطّيتُ فلسفتَك هذه، وبتُّ أعيشُ في فيرمين أعمقَ منها بكثير، أعيشُ في ذاكرة ذاكرتِها، في ذاكرة الضحكةِ، ضحكةٍ معلّقةٍ بينَ برزخين، برزخُ

الأزلِ والزوالِ، برزخُ الشكِّ واليقينِ. لا أذكرُها في سرّي فحسب، بل في كرامتي وكبريائي، أذكرُها في نسياني لها، في انتقامها من غيرتها النبيلةِ، ومُرادفاتي وأضدادي، أذكرُها في الأوبوا[4] والتايكو[5] والكمنجة والتار[6]، بينَ الكتبِ واللوحاتِ التشكيليّةِ، أنا أذكرُها في كلّ مكانٍ وزمان أيّها القدّيسُ الكتالونيُّ، أطوفُ فيها ذكرياتي المفقودةَ، فأنفضُ عن أحزاني كلَّ طرائقِ القدرِ وحيلِه في تمزيق حظّي البائسِ، وأحضنُ فيها ذاتي التي كنتُ أراها مع ظلّ خوليان كاراكس ومتاهةِ فيكتور مَاتَايكس[7]، فأنا ابنُ روحِها.

 

 

16 مارس، 2021م

مرسين – تركيا



[1] داڨيد مارتين: شخصيّة روائيّة في سلسلة «مقبرة الكتب المنسيّة» للروائيّ الإسبانيّ كارلوس زافون.

[2] فيرمين روميرو دي توريس: شخصيّة روائيّة في سلسلة «مقبرة الكتب المنسيّة» للروائيّ الإسبانيّ كارلوس زافون.

[3] اقتباس من رواية «ظلّ الريح» لكارلوس زافون. منشورات الجمل – الطبعة الأولى/ 2016م.

[4] أوبوا: آلة موسيقيّة خشبيّة نفخيّة، ذات ريشة مزدوجة.

[5] التايكو: تعني (الطبول) باللغة اليابانيّة. خارج اليابان الكلمة تشير إلى الشكل الفنّيّ الحديث نسبيّاً في قرع طبول التايكو – ويكيبيديا.

[6] تار: آلة موسيقيّة وتريّة، تستخدم في أداء الموسيقى الشعبيّة الأذربيجانيّة – ويكيبيديا.

[7] خوليان كاراكس وفيكتور مَاتَايكس: شخصيّتان روائيّتان في سلسلة «مقبرة الكتب المنسيّة»، للروائيّ الإسبانيّ كارلوس زافون.

google-playkhamsatmostaqltradent