recent
جديدنا

دروب المدرسة: أعيدوا لي أناشيدي الأولى!

 


حسين محمد علي

 في خريف عام  1956كانت خطواتي الأولى مثل كل الأطفال إلى عالم جديدٍ غريبٍ مجهولٍ ؛ عالمِ المدرسة ... إذاً حانت أيام المدرسة ، اصطحبني شقيقي الكبير، وأدخلني إلى أبهاء المدرسة الريفية مغموراً بالخوف والرهبة والترقب، نعم كانت المدرسة ترتبط دائماً بالخوف، حيث عصا المعلّم التي طالما أدمت أكفّ مَن سبقونا ، والعصا في أعرافنا خرجت من الجنة كما كان يردّد الكبار على مسامعنا !

كانت المدرسة الريفيّة - والتي بُنيت أواخر الأربعينات ببنائها الفاره وقاعاتها وممرّاتها وشبابيكها المشبوكة بالخشب ورائحة الدهان والخشب العابقة فيها - عالماً مَوّاراً بالحركة والحياة والتلاميذ بمريولاتهم السوداء ذات الياقة البيضاء في باحتها المترامية دون سور، إذ كانت المنطقة المحيطة بالمدرسة خلاء إلّا من بعض البيوت المتناثرة هنا وهناك، ورغم العدد القليل من التلاميذ إلاَ أنها كانت بالنسبة لنا خضماً من الازدحام؛ كانت المدرسة محاطة بالأشجار المتنوّعة من السرو وأشجار الزينة وبعض الأشجار المثمرة وأحواض مزروعة بالفول والشعير والجلبان. وفي أقصى الباحة من الشرق غرفة للمحرّك ومضخّة للماء وحوض كبير تحوّل إلى حوض للسباحة، أشرف عليها ( نجمي فندي ) الطيّب صاحب الريشة الفنّيّة في الرسم.

 كانت خطواتنا الأولى تلك، رحلة من المعاناة على أيدي معلّمي تلك الأيام بصرامتهم وجدّيتهم وإخلاصهم وانضباطهم، وهم يتعاملون مع كتل بشرية هلامية من أمثالنا تستعصي على الترويض ! نحن القادمون من فضاءات صيف كوباني المفتوحة على الشغب والحرّيّة وطقوس الماء والشجر والظلال ومن غاراتنا على بساتين البطيخ وكروم العنب.

مدرسة الريفية 

المحنة كانت بالنسبة لنا تكمن في جهلنا باللغة العربيّة، وهذا كان يقطع التواصل بيننا وبين المعلّمين في الشهور الأولى وهم من خارج أبناء المنطقة. ولمّا لم تكن هناك مدرسة إعدادية فقد كان هناك في المدرسة جناح للإعدادي بعدد قليل من الطلّاب أغلبهم من الأرمن، وبكثير من العنت والعناد والصبر اندمجنا مع إيقاع الحياة في المدرسة ، وكانت الباحة الكبيرة والأشجار الظليلة تفرغ شحنات شغبنا الطفولي وشجارنا الذي لا ينتهي  !

 الدوام في المدرسة كان على فترتين ؛ صباحيّة إلى الظهر، فننصرف إلى البيت للغداء ثم العودة ثانية إلى المدرسة لقضاء حصّتين مخصّصتين للزراعة في مزرعة المدرسة تُنفّذان عملياً حسب المنهاج المقرّر. كانتا حصتين من المتعة والحركة الحرة بالمعاول والرفوش والأمشاط والزنابيل .

 مدير المدرسة في هذه الفترة كان يُدعى ) مفيد البالُلي أو البالوني ( في فترة كانت عاصفة بالأحداث في سوريا والمنطقة، لم نكن نفقه شيئاً ممّا يدور ؛ لقلة وسائل الإعلام وضعف وعينا .

الانقلابات العسكريّة كانت براءة اختراع سورية بامتياز ! كنا نخرج في مظاهرات حسب الطلب وتتعطّل المدرسة ، وهذا ما كنّا نتمنّاه على كلّ حال!


  

يأتي الطلاب الكبار من الإعدادي - وهم أكثر وعياً - يطلبون منا الخروج، فنخرج لنردد شعارات وعبارات لا نفقه معناها، أيدينا وحناجرنا كانت فقط مطلوبة للتصفيق والصراخ، كانت حالة من الهذيان السياسي مضحكة ومبكية ، هذا دأب مشاهدنا السياسية والاجتماعية، فكأننا كنا فصولاً في مسرح اللامعقول بانتظار ما لا يُنتظر! إذ لم يكن غريباً أنّ مظاهرة ما مؤيدة لجهة سياسية إذ بها تنقلب إلى حالة مضادة بسبب سرعة الأحداث وتلاحقها دون أن تعطينا متّسعاً لالتقاط الأنفاس!  فيوماً تظاهرة مؤيّدة لعبد الناصر ، وغداً قد تكون مناهضة ، وأخرى مؤيّدة لقاسم، وبعد غد مناهضة، فيُؤتى بحمار صغير قميء، وتُوضع عليه كرتونة مكتوب عليها ) قاسم أو ناصر(  ولافتات مؤيدة وأخرى مضادّة ،  لم نكن نفقه لماذا كان الزعيمان المذكوران لهما هذا الحضور في الساحة السورية ؟ ولماذا تحوّلت هذه الساحة إلى مرمى لتراشقات حجارة العروبة أحدهما مصري والثاني عراقي ؟ ! أنا أفهم أن يكون هناك مؤيّد ومعارض لــ ( أكرم حوراني ) فهو سوري، أمّــــــــا أن يكون (ناصر وقاسم) عابرين لحدودنا، فهذا والله العبث بعينه وحَوَل سياسي غريب، هذا الحراك الذي تمخّض عن وليد مرعب هو ) الوحدة بين سوريا ومصر ) وسنواتها العجاف، وهي التي ستؤسّس فيما بعد لتفريخ أنظمة فتكت بكل ما هو نبيل من أحلام وصبوات في حياة شعوب المنطقة !

إنّ ما حصل وما كان يحصل هو أنّ هذه القضية النبيلة للشعب العربي قد تمّ التعامل معها بوسائل غير نبيلة من قبل فحول العسكريتاريا الأشاوس مخترعي براءات الانقلابات العسكرية !

كانت الوحدة سنوات حافلة بكل ما هو أليم حرّكت فينا قسراً المشاعر والقبضات الملوّحة المهدّدة في احتفالات الثاني والعشرين من شباط ذكرى قيام الوحدة والأناشيد التي رددناها " الله أكبر فوق كيد المعتدي"  و " من موسكي لسوق الحميدية"  و " فلسطين نادت فلبوا النداء " و " دع قنالي فقنالي مغرقه ، دع سمائي فسمائي محرقة"  ، وحتى نشيد الجزائر الوطني "قسماً بالنازلات الماحقات"

أولى تباشير الوحدة كانت تدفُّق المعلّمين المصريين إلى سورية من الإقليم الجنوبي إلى الإقليم الشمالي في بادرة شكلت بداية انحراف الوحدة عن مسارها وحماقة المصريين في التعامل مع الحالة الوطنية السورية الحسّاسة وشهوة المصريين للهيمنة على سوريا، هذه السياسة الخرقاء اصطدمت بالوطنية السورية العنيدة ؛ ممّا أدى إلى تفجُّر مشاعر العداء بين المعلّمين السوريين والمصريين.

في المدرسة كنّا نشاهد بوضوح شظايا الخلافات تتطاير ، ودخانها يتصاعد ، ونحن نسترقّ السمع والبصر إلى ما يجري في الإدارة مـــن مشاحنات وشجار بين المصريين ومدير المدرسة السوري  )  أحمد الخطيب ( ، يا لها من أيام وسنوات بقيت في ذاكرتنا خصبة حيّة !



google-playkhamsatmostaqltradent