recent
جديدنا

فيلم جيان : في مهرجان لندن الدولي الــــ 12 عشر للأفلام الكردية

 


 

نالي بابير

   تنوعت الأفلام المشاركة على المنصة بين أفلام روائية طويلة وافلام قصيرة وكذلك وثائقية 

رغم تأخر نمو السينما الكردية لأسباب معروفة لدى الجميع ، لعدم وجود كليات ومعاهد لتدريس الفن السابع   وليس للكرد دولة مستقلة ،اذ ان المخرج او الممثل الكردي كان مجبرا للعمل  لدى مؤسسات وشركات انتاج تابعة للدول التي تستعمر كردستان ويضطر للتحدث بلغته ، وحتى هذه السلبية دخلت الى المجتمع الكردي ، الذي تخرج من معاهد الدول الاستعمارية وعمل في افلامهم ومسلسلاتهم ، اصبح ذا شأن وقيمة أكر من اقرانهم الذين تعلموا بجهود ذاتية او في معاهد خاصة في الشتات والدول الأخرى ، والامكانيات الشحيحة ،  وعدم وجود شركات انتاج الا ان اغلبية المخرجين الكرد انتجوا افلامهم بجهود فردية وذاتية وصنعوا أفلام  بميزانية محدودة، أما البحث  لإيجاد منتج ، واذا وجود يجب ان تكون شباك التذاكر هو الفيصل، وبما ان السينما في المجتمع الكردي حديثة وضعيفة ، الحديث الدارج بين الكرد  للتندر هو:"أصبحنا سينما أو صرنا فيلم " للانتقاص من هذا الفن، أي ان ثقافة السينما ليست بالمكانة المطلوبة ، لكن لفت انتباهي  ما ورد  في أرشيف جمعية خويبون إذ  نجد احد البنود فيها تقول :"يجب ان نطور السينما الكردية لنعرف العالم بالقضية الكردية من خلالها" ورغم ان الجمعية تأسست في عام ، 1927  مع كل هذه العوائق  استطاعوا  المخرجين الكرد ان يأخذوا أماكن لهم في المهرجانات الدولية  وحصلوا على جوائز عدة، في هذا الوقت  وقبل ذلك، المواضيع  التي تتناولها السينما الكردية متشابهة وتتقاطع فيها، والظلم والاستبداد الذي يطال الكرد من حرمانهم من اللغة الام والحرية ، هي نفسها المواضيع التي تبنى عليها الحبكة والقصة في الفيلم الكردي ، لا يوجد اطار زمني أو تاريخي محدد لصناعة الأفلام ، لكل مخرج رؤيته الاخراجية أن تأثر أحدهم بالأخر وهذا شيء طبيعي للبحث والوصول في النهاية الى ملامحه الخاصة  لكن كثافة المواضيع المتشابهة تضع الضباب  يحجب الشاشة الحقيقية واللقطة السينمائية،  نجد أكثر من فيلم يطرح مذبحة ديرسم أو الأنفال أو حلبجة  والشيء المشترك بين اغلبية الأفلام التي شاهدتها على منصة مهرجان لندن الدولي الأغاني الحزينة والناي والموجع والاستناد الى الموروث الملحمي لقصص الفروسية والحب استخدامها كموسيقى تصويرية ، كما في فيلمي "زير" و"اغنية من اجل امي"  و"ذكريات الحصان الأسود "،  و"الغراب الأسود "، وفيلم "جيان" الذي سأتناوله بقراءة ، حتما أن تخلق فيلم ابداعي ليس حكرا على أحد   وكيف تكتب السيناريو وتأخذ زوايا الكاميرا وبناء اللقطة بين طويلة ومتوسطة وقصيرة هذا ما يظهر أخيرا على الشاشة وهي مسؤولية المخرج أولا واخيرا ، وما يؤمن به في عملية الخلق اليوم قد يرفضه في الغد   لأننا في حركة دائمة ،كثير من الأفلام التي شاهدتها والتي تجاوزت الخمسين فيلما وجدت في بعضها المفقود الي كنت ابحث عنه وأشعرتني بالدهشة   وأفلام أخرى فيها  من الابتذال والجنوح نحو الرمزية المفرطة والابتعاد عن الوقائع، كما في "ذكريات الحصان الأسود"،  لا عطر في  ولا حياة في هكذا أفلام تضيع ساعات طويلة ، لتشعر في النهاية بخيبة أمل، وحدها  وبأفكار مبتكرة وقصص تمسنا تبقى الذاكرة  تحتفظ بتلك المشاهد والحوارات التي لا تنسى ،  لأنها كانت في سياقها الطبيعي  وخطها التصاعدي دون خلق مصادفات اعتباطية مفتعلة  وايصال رسائل للمشاهد ، مع حبس الانفاس لنلاحق  المعنى  في الخط التصاعدي للقصة وهذا ما يحسب للأفلام الناجحة ومن ناحية أخرى عدم رسم الكاركترات وسلوك  الشخصيات يسقط المشاهد في الفراغ، وتندم على كل ذلك الوقت الذي منحته للمشاهدة .

وتواجدت على المنصة أفلام قديمة ليلماز غوني" سيد خان "و"القطيع" و"الطريق "ولبهمن قبادي "السلاحف تطير" ، وافلام حديثة لمخرجين ومخرجات وضعوا نصب اعينهم السينما والهم الكردي ، وما شد انتباهي هي الأفلام الكردية من شمال الوطن اذ كانت اللغة التركية طاغية ، ولم اجد مبرر لممثلين اكراد يتحدثون بلغة غير لغتهم  مثال وليس حصر في فيلم "باهوز" لكاظم أوز اغلب الحوارات كانت بالتركية ،  وحتى الحوارات القليلة بالكردية كانت ممتزجة بالتركية ولغة كردية ركيكة  مع ان المخرج اجتهد كثيرا في  الــــ(وان شوت  ) وكانت لديه لقطات ناجحة  وصرف من اجلها عمل وطاقة كبيرة  .

رؤيتي  وقراءتي لفيلم "جيان "للصديق المخرج جانو روج بياني وستكون لنا حلقات أخرى لأفلام ثانية، وهذا الفيلم  جذبني  مع الكثير من الأفلام الواقعية الجميلة التي تستحق الثناء والمشاهدة .

 

فيلم جيان  إنتاج 2013

المخرج: جانو روج بياني

سيناريو وإخراج جانو روج بياني

بطولة كوردو كلالي

انور شيخاني

والطفلين بيشنك برزنجي

وجومان هورامي وهما من سكان حلبجة

اغلبية الممثلين لأول مرة يقفون امام الكاميرا وهذا يحسب للمخرج و تفانيه في العمل و قدرته على توجيه الممثلين ومراقبة ملامحهم وانفعالاتهم مع الدور ( والري اكشن)

يفتتح الفيلم بلقطة كبيرة لطفلة  تتأرجح على مرجوحة معلقة على شجرة ، بالقرب من الطريق العام ، سيارة قادمة من  يقف بالقرب منها ويظهر شاب في الثلاثينات من العمر ، ويسألها ما اسمك لكن الفتاة لا تجيبه  ويعطيها عدة اسماء لكنها تكتفي بالنظر دون اجابة ،خط سير القصة يسير بشكل جميل كقصة محورية،  وهي عودة دياري للوطن بمثابة العودة الى الطفولة والاحلام رغم اننا من خلال لقطات سريعة نتعرف ، ان  الفيلم يخفي جوانب  ومأساوية من خلال رؤية القذائف الفارغة التي زرعت فيها النباتات،  نشاهد جثث التلاميذ في المدرسة من خلال عيني دياري ،  أي عودته الى القهر والذاكرة ،نتعرف من خلال الفيلم ان الأستاذ دياري هو من "قلعة دزة "ومدرسته تعرضت للقصف من قبل قوات صدام ، وراح فيها العشرات من التلاميذ نتيجة القصف ، وبعد انهيار اتفاقية الحكم الذاتي  يغادر وهو الطفل دياري الى أمريكا وهناك يدرس ويتعلم ، لكن بعض تعرض حلبجة للقصف الكيماوي يقرر العودة اليها وبناء ميتم   الذي يحمل في النهاية اسم جيان الطفلة ، بعد لقائه بجيان على الطريق يلتقي بالطفل شيركو  ابن عم جيان الناجيان الوحيدان من عائلتهما،  وهو يعمل ماسح للأحذية، يسأل عن بيتت سالار يعرض عليه شيركو ايصاله الى هناك ، وهكذا تتشابك الاحداث ويتصاعد خط الفيلم بواقعية دون خلق مصادفات، هو دائما يتحاشى الذهاب الى المشفى لكيلا تعود اليه طفولته وصورها الأليمة التي تلاحقه ،لكنه يضطر أن يأخذ في النهاية  الفتاة الجارة التي عشقته ،  وبعد أن أوضح لها انها من خلال رسالة أرسلها مع جيان انه يحب زوجته ولديه طفلتين ويتمنى لها السعادة ، فتحاول الانتحار بتناولها لكمية كبيرة من الحبوب، فيحملها الى المشفى  اختار المخرج الممثلين بعناية ودقة ، الاعمار ، الوجوه ، الكاركترات ، واستخدم الكثير من اللقطات الكبيرة والبعيدة ليعطيها بعد ثالث ،وعمق من زاوية الكاميرا لتبدو اللقطات لوحات فيديو وحتى اختار الكومبارس من الناجين من القصف الكيماوي والحرب، وجوه مشوهة ، اقدام مبتورة ،شخصيات كفيفة ،وملامح تحكي قصص الحرب ، وحينما يجد كل هذه التشوهات في الاقدام والوجوه واثار الكيماوي يصاب دياري  بالصدمة ويقع مغمى عليه،  وهناك خط اخر للفيلم عشق شاب وفتاة أخرى وحينما يتواعدان يلتقيان خلف الجدار واستخدم هنا المخرج الجدر برمزيته الفاصلة بين العاشقين ليلقي الشاب الشعر وفي الجهة الأخرى تسمع الفتاة لواعج قلب حبيبها  في هذه الجهة ،وحينما تأتي لحظة الزواج يقول احد لحضور:

- يجب ان يتزوجوا وكل امرأة عليها أن تنجب الاطفال لنعوض الخسائر الجسيمة في الاعداد التي فقدناها نتيجة القصف الكيماوي والحرب التي راح ضحيتها أكثر من خمسة الاف وفي الانفال ما يزيد عن مائة وثمانون الف.

 ويظهر ذلك التشوه على خد الفتاة جيان والتي تحمل اسم الفيلم ،وهو الشخصية الرئيسة في العمل ،  وحينما يقبلها شيركو لجيان قبلة خاطفة يرمز بها الى الحب واستمرارية الحياة رغ كل الويلات وهكذا يبدأ الاستاذ دياري ببناء المدرسة لبنة ،لبنة ، يعمل فيها المعاقين من الحرب ، الرسالة من الفيلم حقيقة كانت هناك عدة رسائل ، ان الكرد مثل جميع الشعوب يعشقون ويحبون الحياة لكن هذه الأنظمة الدكتاتورية المسلطة عليهم لا تمنحهم حق الحياة وإظهار المأساة الحقيقية لضحايا حلبجة ، والحوار الذي دار بين أنور شيخاني (سالار) وكوردو جلالي (دياري ) حول الزردشتية ، وصراع اهريمان واهورامزدا ، يظهر الجانب المثقف والواعي في المجتمع ، كما تناولهما لكتاب نيتشه ،

اقتباسات

من حورات الفيلم

دياري يقول لشيركو :

-عندما تكبر ماذا ستعمل؟

شيركو:

-سوف أصبح طيارا

-لماذا؟

-لأقصف بغداد بالكيماوي

-ما ذنب الناس الابرياء

-الم نكن نحن اناس مدنيين ايضا يا استاذ

عازف الشمشال (الناي )  الذي فقد كل عائلته ملا رستم يعتلي سطح البيت ليلا ونهارا ويعزف على الناي دون ان يتحدث بكلمة

حج محمد دائما يزعجه، قائلا له:

- الموسيقى حرام وكفر

جاله المرأة الجارة التي تعتني بملا رستم وتقدم له الطعام، تنهر حج محمد حينما يتطاول على ملا رستم ويرميه بالحجارة، تحمل المكنسة وتضرب حج محمد قائلة:

-  هذه كردستان وليست أفغانستان ان كانت الموسيقى حرام فانا لست كردية ايضا.

مجموعة من الناس في المقهى يتضحكون على حج محمد  وما فعلت به المرأة  فيلم يحمل كل المقومات الفنية والتقنية فيها من لقطات طريفة بكوميديا خفيفة وفيها من الحزن الكم الكبير .

google-playkhamsatmostaqltradent