recent
جديدنا

مثل البداية

الصفحة الرئيسية

 


خديجة بلوش

 

-         إلى أين ستكون وجهتك هذا الصيف؟

أنظر إليه بكسل وأتجاوزه بنظراتي للبعيد.

أهمس كأنما أهمس لنفسي -إلى حيث تأخذني خيالاتي- أقترح عليك مدينة ساحلية صغيرة حيث يمكنك الاختلاء بذاتك بعيداً عن أعين الفضوليين.

- لم أعد أرغب في الابتعاد عن أعينهم.

-عجباً.

- لا تستغرب، تجاوزت كل العقد الصغيرة والمنغصات الباهتة، أستطيع الآن أن أخرج بدون تلك الأقنعة التي كنت مجبرة على ارتدائها.

يبتسم بتصنع ويغير الموضوع، في خضم أحاديثه الهامشية والسطحية يحاول أن يضع يده على يدي، أسحبها بهدوء وألوح بها في الهواء، أتخلص مما قد يكون علق بي من شخصيته التي لم أعد أطيقها. أطلق فجأة ضحكة هستيرية، ما أغباني، هذا الشخص الذي كنت أعشق تفاصيله الأكثر تفاهة، صرت أمقت اللحظات التي تجمعني به.

- ماذا يحدث لك؟

- استعدّت نفسي.

- تكرهينني؟

- أشفق عليك.

- كم أنت قاسية.

- كم أنت بليد.

أتركه فاغراً فاه كمن صعقه البرق. أتجه نحو الباب ليفهم أن لحظاته قد انتهت وأنه حان أوان رحيله بما تبقى لديه من كبرياء.

- سأزورك قريباً.

- لا تفعل. لن أكون هنا.

كانت البداية صعبة، كلما حاولت إقناع نفسي أن الشخص الذي أفترض أني أحبه ليس كما تخيلته وصدقت خيالي، أجدني أمام مفارقة غير عادلة، كل السنوات التي سبقت لقائي به. كانت فارغة ومؤلمة، انتظرت مطولاً قبل أن أرتبط، وحين فعلت، كنت عبدة لمزاجه النرجسي، كم كان يحب نفسه ويحب فرض ما يحب، لم يكلف نفسه يوماً عناء التعرف إليّ ليعلم ما أحب وما لا أحب، ما يستهويني وما لا يستوهيني، ما أكره وما لا أكره. كان كل شيء يدور حوله، كأنه إله من الأساطير القديمة. يحب أن تعبده المرأة، وأن تطيعه في كل شيء. حتى في أكثر الأمور حميمية. لم يكن لي خيار ولا رأي.

 كنت أسير مع تياراته النرجسية مع كل ما تسببه لي من أذى روحي وجسدي، لم أهتم للحظة بما يحدث لي، كنت سعيدة بوجوده، لا غير.

-         ما الذي تغير إذن؟

سؤال لا أجيب عنه بصوت مرتفع. أترك الإجابة لي وحدي، في لحظات التعقل التي أفرضها على نفسي. أبوح لي بما حدث، وأمنح لي فرصة للتخلص من شيء يجعلني أفقد احترامي لذاتي.

كان يعشق حمالات الصدر الزرقاء اللون. أتنهد وأنا أتذكر أنه فرض علي لوناً لا أطيقه. وماذا بعد؟

هل المرض اختيار؟ حتماً لا.

هو اختبار وأحياناً نقطة تحول للأحسن. فقدّت ثدياً وفقد اهتمامه بحمالات النهد الزرقاء. صار يشمئز من النظر إلى صدري.

واخترت أن أجلده بما فقد، وأستعيد نفسي وإن كنت سأبدو كمَن تنقصه لمسة صغيرة لتكتمل.

google-playkhamsatmostaqltradent