صعيد الحلم:
بالرغم
من أن أحلامَ اليومِ للإنسان الحُرِّ قد تكون شرارات إبداعية له ولغيره في دنيا
الغد، إلا أني قيد التّصورِ بأن الشخص الحالِم إن لم يكن الخير العام جزءًا
رئيسيًا من مشاغله لما كان أثره كأثر السَّلف الصالح من الرُّسل والعلماء
والمخترعين، كما أنني أرى بأن من بنى أحلامه على تربة الآخرين دون موافقتهم، بل
وغرس قواعده فيها رغمًا عنهم، غالبًا ما كان إما من أنصار الظلم أو كان الانهيارُ
القيمي من نصيب بنائه، لذا فإن كان ولا بُد لك من الحلم العمراني، فابنِ حلمك على
صعيدك، وبناءً على ما تمتلكه من المقومات حتى لا تكون وبالًا على نفسك وعلى من هم
حولك.
أحلام الرعية والرعاة:
قطرات
الأحلام إن اجتمعت في درب التقدم استحالت جداول رقراقة تسقي التربة العطشى في
طريقها، وربما شكَّلت القطرات المتدفقة معًا نهرًا بهيًا قادرًا على تدوير
النواعير وتوليد الطاقة وتأمين الضياء لملايين البشر، وما أسعد بقعةٍ جغرافيةٍ
تلاقحت فيها الأحلام العظيمة للرعية مع أحلام رعاتها، وفي إطار النجاح في التلازم
بين أحلام القاعدة والقيادة، يطيب لنا إيراد جملةٍ أوردها محمد بن راشد آل مكتوم
في كتابه «قصتي» حيث يقول فيها: «تنجح الدول عندما يأتي قادة تكون أحلام شعوبهم
أكبر من أحلامهم الشخصية ومطامعهم الذاتية».
على أنقاض المحب:
بمقدورك
أيها الغارق في هواها أن تحبها بكل ما تمتلك وتكن لها من المشاعر، وبكل ما لديك من
قوّة الحبِ تستطيع متى ما وددت أن تحب، ولكن مَن قال إنك كمُحبٍ غائصٍ في يمها،
يحق لك تحقيق جُل أحلامك على أنقاض أحلام مَن تحب؟
المقيَّد وأحلامه الحرة:
من
مفارقات الحرية والاعتقال الجسدي في غياهب السجون، أن المُعتقل في الزنزانة، وبفضل
أجنحة الخيال المنطلق كالهواء العابرِ تخوم القضبان وفضاء الدول والقارات، تراه
مستمتعًا بأحلامه الحُرَّة أكثر منا نحن الطلقاء خارج أسوارها، حيث يشير الشاعر
الكردي محمد حمو في إحدى قصائده بأن أحلام السجن أكثر حرية من الأحلام خارج السجن،
خاصةً بالنسبة إلى المقيم بين ظهراني الأنظمة الاستبدادية، إذ يقول فيها:
"Li vî cihî, dijwarî xemla xwe girê
dide! xweşî biskên xwe dibirre!
li vir her tişt bindest e û
giriftar e! Lê xewnên vir xweş û serbest in, ne wek xewnên mal in!".
«في هذا المكان، الصعوبات تزيِّن نفسها،
وتفرض هيبتها، والسعادة والجمالية تقص جدائلها، هنا كل شيء خاضع وتعيس، ولكن بخلاف
أحلام البيت، فهنا الأحلامُ جميلة وحرة».
عشاق تفخيخ الذات:
لسنا
ضد أحلام أحدٍ من الناس إن خلت تبعات أحلامهم من العسف والأذيَّة، ولكن كم يليقُ
به الازدراء ذلك الذي يبني أحلامه السياسية أو الدينية أو الاقتصادية أو حتى
العاطفية بناءً على قهر الآخرين أو طمس أحلامهم.
عمومًا،
فبخلاف من يود أن يُحقق حلمه على أنقاض غيره، هناك من لديه الاستعداد ليتنازل عن
الكثير من أحلامه الدنيوية، فإن لم تتحقق فلا بأس بذلك لديه، إلا اللهم أحلام
الفردوس مع كل ما تتضمن من الإغراءات والمشوقات، فمن جانبٍ شخصي كثيرًا ما أرتجي
الغائبَ المسؤول عنها بأن لا يبقيها مجرَّد أحلامٍ لدى إخواننا التائقين إليها، بل
أن يعمل على تحقيقها في أقرب فرصةٍ ممكنة، لا منةً منهُ على المؤمنين بها ولا
إرضاءً لعشاق ملذاتها، إنما رأفةً بمن لا يسعى إليها ولا يقتنع بكل ما يتصل بها،
إذ عسانا وقتئذٍ نتخطى مخاطر الجموحِ لدى بعضَ طلابها وهم بكل حماسةٍ، بل
وبشراسةٍ، يتوجهون إلى مكان إقامتها بالرغم من جهلهم بكل ما يتصل بعنوانها، وذلك
حتى ينأى مَن تبقى مِن بني البشر من عواقب أحلامهم المهيأة للفتكِ كرمى الوصول
إليها، وكذلك الأمر ترتاح الحياة الأرضية برمتها من شظايا عشاق تفخيخ الذات فدوى
بلوغها.
