سؤال المقالة بسيط في
ظاهره، لكنه صعب ومعقّد وغامض في أبعاده؛ فهو سؤال أخلاقي وفلسفي يحتمل كل
الاحتمالات والتناقضات. فللوهلة الأولى، تُعتبر زيارة المرضى من أسمى السلوكيات
الإنسانية والاجتماعية، تحمل في طيّاتها أبعاداً نفسية ومعنوية عميقة، كتقديم
الدعم المعنوي، وتعزيز الروابط الاجتماعية، والأهم من ذلك؛ تخفيف الأعباء عن
المريض وأهله.
لم تكن الزيارة يوماً
مجرّد واجب اجتماعي يُؤدّى ثم يُنسى، ولا محطّة عابرة تُسجَّل في دفتر المجاملات،
لأنها في أصلها فعل إنساني خالص، يذهب فيه المرء إلى الآخر ليقول له دون كلام:
«لست وحدك». لكن ما يحدث اليوم، يجعلنا نتساءل بمرارة: هل نزور المرضى فعلاً، أم
نزور هواتفنا أمامهم؟
يأتي بعض الزوّار،
وكأنهم قرّروا مسبقاً ألا يخفّفوا عن المريض وطأة الألم، بقدر ما يضيفون إليه
شعوراً بالتجاهل. يجلسون قربه وكأنهم في مقهى؛ يضحكون بصوت مرتفع، ويتنقّلون بين
التطبيقات والمنشورات، ويتصرّفون كأشخاص لا يعرفون قيمة الصمت. هذا الانشغال
الفاضح ليس إلا فقراً في الوعي الاجتماعي، وقساوة مغلّفة باللامبالاة؛ إنها رسالة
غير منطوقة تقول للمريض: «وجودك ليس مهمّاً بما يكفي لأرفع رأسي عن الشاشة»، وما
أقسى هذه الرسالة حين تأتي في لحظة الضعف.
إن هذه الزيارة، بدل
أن تكون بلسماً، تتحوّل إلى عبء وفوضى أخلاقية؛ فالمريض يحتاج إلى مَن يملأ قلبه
بالطمأنينة والأحاديث المثمرة، أو حتى إلى جلوس محترم يترك أثراً من الحنان. إن
جوهر الزيارة يكمن في صدق الحضور لا في طول الوقت، وفي حسْن الإصغاء لا كثرة
الكلام، وفي اختيار نبرة تليق بمكان يتألّم فيه إنسان. قد تكون الزيارة خمس دقائق،
لكنها بوقارها تساوي ساعات من الجلوس البارد الخالي من الشعور.
مواساة المريض تبدأ من الشعور بأن حضوره أغلى من أيّ محتوى رقمي
إننا أمام حالة من
«الغياب الحاضر»؛ حيث يتواجد الشخص بجسده، بينما ينغمس عقله في عالم افتراضي، مما
يشعر المريض بالوحدة رغم الزحام. وللمرض قدسية مهيبة تفرض جَلال الهدوء، فأن تنشغل
بعبث الشاشات أو الضحك التافه أمام شخص يكافح الوجع، يُعدّ استهانة صريحة بلحظاته
المصيرية، وانتهاكاً صارخاً لحرمته الإنسانية في أضعف حالاتها؛ إذ إن مواساة
المريض تبدأ من الشعور بأن حضوره أغلى من أيّ محتوى رقمي.
يُصنّف هذا السلوك ضمن
ظاهرة «تسطيح العلاقات» و«الاغتراب السلوكي»، حيث تفرغ الزيارة من محتواها
الوجداني، لتتحوّل إلى مجرّد إجراء شكلي لإسقاط الواجب، أو لقطة عابرة تُستعرض على
منصّات التواصل الاجتماعي. لقد انزلقنا نحو ثقافة تجعل من وجع الآخر مجرّد «مادّة
خام» لصناعة محتوى رقمي، فنرتكب جريمة قتل المعنى بدم بارد، تحت بريق الإعجابات
المزيّفة، مفضّلين الصورة على الأصل.
إن الشخص الذي ينصرف
إلى لهوه، يبرهن على افتقار حادّ للقدرة على قراءة مشاعر الآخرين والتماهي معها.
فالمريض في عزلته الاضطرارية يبني «توقّعات عاطفية عالية»، منتظراً لحظة اللقاء
ليرمّم انكساره النفسي، وعندما يصطدم ببرودة انشغالك بهاتفك، يغتال هذا السلوك
انتظاره الجميل، فتصبح المسافة بينكما أبعد من حدود الغرفة، ويتحوّل الأمل في
المواساة إلى خيبة مضاعفة.
لذا، علينا أن ندرك أن
أسمى مراتب الحضور هي في «قوّة الصمت الواعي»؛ ذلك الصمت الذي يتخلى فيه الزائر عن
ضجيج التكنولوجيا، ليكون بكامل كيانه في حضرة المتألّم. المريض لا يحتاج دائماً
إلى كلمات معلّبة أو نصائح طبّية، هو يحتاج إلى «رفقة صامتة» تشعره بأن وجوده وحده
يكفي ليكون محور الاهتمام؛ ففي اللحظة التي تترك فيها هاتفك وتصغي بعينيك لأناته،
فإنك تمنحه اعترافاً بكرامته الإنسانية، التي يخدشها العالم الافتراضي.
ربما لا نحتاج إلى
تعلّم آداب الزيارة من كتب التراث فقط، وإنما من ضمائرنا؛ فالاحترام امتحان
أخلاقي، يفرض علينا أن نعرف كيف نكون بشراً حين يتألّم الآخرون. فإذا كان الهاتف
أهمّ من المريض، فالأجدر ألا نزوره، لأن الزيارة التي لا تحمل رحمة، ليست زيارة،
وإنما إهانة مؤدّبة.
نحن لا نزور المريض
لنطمئنّ عليه فحسب، نحن نزوره لنرمّم إنسانيتنا، التي تآكلت خلف الشاشات؛ فإما أن
نكون هناك بكلّ جوارحنا، أو لنعترف بأننا فقدنا القدرة على الحضور.
