ميران أحمد
ليست كل الكتب التي
تتحدث عن الحزن كتباً حزينة، كما أن الدموع ليست دائماً علامة انكسار؛ ثمة دموع
تولد من الفقد، وأخرى من الشوق، وثالثة من فرط الامتلاء بالحياة، ومن هذا التصور
الإنساني العميق تنطلق المجموعة الشعرية «الدموع حين تغدو ألعاباً» للكاتبة جيهان
سامي أبو خلف، الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت، إذ تتحول الدموع فيها من
أثر للألم إلى وسيلة لفهم الذات والعالم، ومن لحظة ضعف عابرة إلى ضرب من ضروب
المقاومة.
منذ الصفحات الأولى
يبدو جلياً أن الكاتبة لا تكتب من خارج التجربة وإنما تكتب من أعماقها وتنهل من
جمرها المتوقد، غير أنها في الوقت نفسه لا تسجن نصوصها داخل إطار السيرة الذاتية
الضيق إذ تفتحها على مساحة إنسانية رحبة تجعل القارئ قادراً على رؤية نفسه داخل كل
نص تقريباً، فالأم ليست أماً واحدة والحبيب ليس شخصاً بعينه والفقد ليس حادثة
فردية، فالخبرة الإنسانية المشتركة تتبدل وجوهها، وتظل حقيقتها واحدة.
تتنقل المجموعة بين
موضوعات متعددة كالحب، الفقد، الوطن، الطفولة، الهوية، الكتابة، والأسئلة الوجودية
الكبرى، والخيط الخفي الذي يربط هذه العوالم كلها هو البحث المستمر عن المعنى وسط
الخراب والتطلع إلى الضوء في عمق العتمة والتشبث بالحياة حتى في أكثر لحظاتها
هشاشة وانكشافاً.
من أكثر النصوص
تأثيراً في المجموعة قصيدة «أمست حرّة»، التي ترثي فيها الكاتبة والدتها بلغة
شفافة صافية كالماء، بعيدة عن زيف المبالغة، تبدأ القصيدة بصورة البيت الآمن الذي
كان يحمي الأرواح ويحتضنها بسقفه العالي وجدرانه الصلبة كالنخيل ثم ينهار ذلك
العالم المرتجى دفعة واحدة، وليس نحو خيام غزة أو الضاحية الجنوبية بل نحو بيت
دافئ في ضاحية مثقلة بالزيتون، مما يمنح القصيدة بُعداً مزدوجاً، بُعد الرثاء
الشخصي العميق وبُعد الجرح الجماعي المشترك وبعد رحيل الأم تكتب:
«أما
نحن،
فلم
يبقَ لنا
إلا
هذا الكون المظلم
وكثير،
كثير من عناء الفقد والحرمان».
هذه الجملة ليست مجرد
رثاء للأم، إنها اعتراف إنساني شامل بحقيقة الغياب، فحين يرحل الأحبة لا نفقد
أشخاصاً فحسب بل نفقد معهم أجزاء من العالم الذي كان يبدو أكثر دفئاً وضياء
بوجودهم، وهنا تكمن قوة جيهان سامي أبو خلف؛ إذ لا تصف الحزن من بعيد بل تضع
القارئ في قلبه حتى يشعر بثقله على صدره، ومع ذلك فإن المجموعة لا تستسلم لهذا الحزن
ولا تقيم فيه، ففي أكثر من موضع نجد الكاتبة تعود إلى فكرة النهوض والتجدد، ويتجلى
ذلك بوضوح في قصيدة «طائري فينيق» حين تقول:
«نموت
في رماد
اشتعال
أرواحنا مرة واحدة
ونولد
مراراً ومراراً».
إنها رؤية فلسفية
عميقة ترى الإنسان كائناً قادراً على إعادة بناء نفسه بعد كل خسارة، الموت مرحلة
ضمن دورة متجددة من السقوط والنهوض من الرماد والولادة، ولذلك يخرج القارئ بقناعة
راسخة أن الكاتبة لا تؤمن بالهزيمة الأبدية مهما بلغت قسوة التجربة ووطأتها.
أما الحب في المجموعة
فهو يحضر في تجليه كقوة وجودية تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار وتحمل الوجود،
الحب عند جيهان سامي هو أحد أسباب احتمالها والتمسك بها، ومن أجمل ما يرد في هذا
السياق قولها:
«لأجل
هذا وذاك،
وأقنعة
قبيحة أحطّمها فقط بقربك،
أحبّك».
عبارة واحدة تختصر
رؤية كاملة للحب وجوهره؛ فالمحبوب ليس الشخص الذي نرتدي أمامه أجمل الأقنعة
وأبهاها إنما هو الشخص الذي يمنحنا الشجاعة والأمان لنخلعها جميعاً ونقف أمامه
عراة من الزيف، ولهذا تبدو الجملة أقرب إلى اعتراف بالثقة والأمان منها إلى مجرد
إقرار بالحب.
وتبلغ النصوص العاطفية
ذروة جمالها وسحرها في قصائد مثل «رقصة على موسيقى اللهب» و«أقحوانة» و«سحر لطيف»،
حيث تمتزج الرغبة بالشوق والحنين بالافتتان، دون أن تقع الكاتبة في فخ المباشرة أو
الوصف السطحي المبتذل، فهي تترك للصورة الشعرية أن تقوم بدورها كاملاً فتغدو
الرموش والضوء واللون الأحمر والأقحوانة الصفراء وسائل للتعبير عن عوالم كاملة من
المشاعر، التي تعجز عنها الكلمة المباشرة، إذ تكتب في قصيدة «أقحوانة»:
«من
قال إن الاكتمال فقط يُرى؟
أنا
أيضاً… رغم هشاشة أعوادي
أراني
أقحوانة حسناء».
وربما تمثل هذه
العبارة جوهر التجربة كلها وخلاصتها، فالهشاشة عند جيهان سامي ليست نقيض القوة
إنها جزء لا يتجزأ منها، والإنسان لا يغدو جميلاً لأنه بلا جراح ولا ندوب وإنما
يغدو كذلك لأنه يواصل الحياة رغمها ويزهر في الشقوق التي خلفتها فيه.
ومن أجمل ما يلفت
الانتباه في هذه المجموعة حضور الكتابة نفسها كموضوع شعري متكامل، فالكاتبة لا
تنظر إلى الكتابة كترف ثقافي أو هواية تقتنى في أوقات الفراغ، هي وسيلتها لفهم
الذات وسلاحها في مقاومة الفناء، وهذا ما تعلنه دون مواربة في قصيدة «مقاومة»:
«أقاوم
الموت بالفكرة التي أحياها
لذا،
نعم، أنا أبحث عن حضوري في هذه الحياة
حضور
يجعلني أبدية بعد فنائي
حضور
يعيد إليّ اكتمالي بعد اهترائي
حضور
لعلّه ينصفني...
ولو
في غيابي».
الكتابة هنا ليست مهنة
ولا مشروعاً أدبياً يبنى للشهرة والتداول، هي محاولة يومية دؤوبة لصناعة المعنى من
فوضى الوجود، وإثبات الحضور في وجه الغياب والانتصار على الزوال بما يبقى من كلمات
الكاتبة تريد أن تكون أن تظل موجودة حتى بعد أن يبتلعها الصمت.
«الدموع حين تغدو
ألعاباً» ليست مجموعة عن الحزن بقدر ما هي مجموعة عن النجاة منه، وعن إعادة تشكيل
الذات من شظاياه، ليست عن الهشاشة وإنما عن تحويل الهشاشة إلى ينبوع قوة لا ينضب. هي
تجربة شعرية نادرة تجمع بين صدق الشعور وجمال اللغة وعمق التأمل، لتمنح القارئ
نصوصاً تظل تسكنه طويلاً بعد إغلاق الصفحة الأخيرة كأنها ولدت في داخله لا في حبر
الكاتبة.
إنها كتابة تؤمن
إيماناً راسخاً أن الإنسان يستطيع أن يكون مكسوراً وقوياً في آن واحد، حزيناً وممتلئاً بالأمل في اللحظة
نفسها، وأن الدموع ليست نهاية الحكاية بل قد تكون بكل ما تحمله من صدق وألم ومحبة
بدايتها الحقيقية.
قصيدة «لأكون»:
«بلا
سيرةٍ ذاتية ولا إنجازاتٍ تستدعي المدح والتصفيق...
ما
أنا إلّا جوهرٌ كثيف،
لا
يُشبه أحداً، ولا يشبهني أحد.
طفولتي
أعمدة من صمت،
بنيت
فوقها براكين من نورٍ وشجون.
ذاكرتي
متعبة، أروّضُ قُبحَها بسلامِ يغزو المكان...
ظننتُ
العنفوان حُبّاً ونوراً،
فإذا
به ظلامٌ يُضيء الحُمق؛ فنبذته، واتخذتُ مكاناً قصيّاً.
ولدتُ
من جديد قبل أربع سنين،
حين
صافحتْني أنوار نفسي، وأبلغتني من أبي السلام.
قالت
لي:
حرّيتُكِ...
على قدر وعيكِ
فكنتُ
جيهان.
وما
زلتُ أكتب لأكون».

