recent
جديدنا

رواية «فونوغراف» سليم بطّي: حكاية الفقد والحنين






مازن عرفة

  
أن تسافر ذات حلمٍ وتغامر باجتياز تخوم الزّمن إلى حنينٍ مُعتّقٍ بنبيذ الكلمات... أن تداعب ذكريات زمنك العتيق ذات صباحٍ ربيعيٍّ ماطرٍ تستحمّ به خضرة القلوب... أن تستمع إلى موسيقى كلماتٍ تداعب روحك حتى تلفّها سكينة أُلفةٍ... ما عليك إلّا أن تتلمّس بحبٍّ نصًّا لسليم بطّي. فهو دائمًا أشبه بلوحةٍ فنّيّةٍ لا تتعب من تأمّلها، أو بقطعةٍ موسيقيّةٍ تسافر معها ولا تعود، وذلك بقدر ما يثير لديك النصّ من حنينٍ مبهم المشاعر والعواطف، تتأجّج غيمة اشتعال،ٍ وتُمطِركَ أسئلةً عن ذاتك وعن الحياة.

للكلمات عند سليم بطّي رائحةٌ، وموسيقى، وألوان تشتعل بندى الحنين عندما يتفجّر في الروح، تتسلّل إليك في نشوةٍ صوفيّةٍ إن عرفت كيف توقظها وتداعبها، فلا تدري إن كنت تقرأ نفسك، أم تقرأه. ليس التشابه هنا وليد تقنيّةٍ ذكيّةٍ فقط، وإنما أيضًا نتيجة اختمار تجربةٍ إنسانيّة،ٍ تنقلك من وعي ذاتيّ إلى وعي جمعي، فتنمحي الحدود بين الخاص والعام. إنه وجعٌ إنسانيٌّ بوسع العالم، يتكرّر وإن التصق بمكانٍ يتأطّر في بلاد المشرق، فإنّه يتداعى إلى الغرب أيضًا نحو بريطانيا وألمانيا وكندا، لكنّ الزمن ينفلت. إنه حكاية من هجرهم دفء القلوب في ذات مكان، فيمضون باحثين عن دفءٍ جديدٍ في اللّامكان. فهل يجدونه، أم يشظّيهم الزمن الأسود أكثر بحروبه العبثيّة؟

ألا يمتلك الكثير منّا مثل هذه الحكاية ـ حكاية الفقد والحنين ـ وإن بتنويعاتٍ مختلفةٍ؟ "فونوغراف" حكايتنا نحن وتشكّل مع جزئها الأول لن أغادر منزلي روايةً واحدةً، فالأحداث تتداخل فيما بينهما، وتتقاطع، بلعبةٍ ذكيّةٍ، كما في مونتاج فيلم، أو في سرديات أحلام يقظةٍ؛ تتنقّل بين أزمنةٍ ماضيةٍ متعدّدةٍ وحاضرٍ ينفلت من بين الأصابع، كحفنة رمالٍ، لينضمّ سريعًا إلى الماضي. رابطهما الذكيّ ينجدل حول الأنا ـ الجمعيّ، وسيكتب بطّي الرواية الثالثة والرابعة في حكايةٍ واحدةٍ، حكاية الوجع الإنسانيّ الشامل. تثير الأولى كمًّا كبيرًا من التساؤلات، وتملأ الثانية الفجوات بالإجابات. لكن الأسئلة والأجوبة مفتوحةٌ بلا نهاياتٍ، بقدر النّفوس المعذّبة في الأرض، والحروب العبثيّة التي لا تنتهي.

وفي كلا النصّين تفتك بك اللغة بسحرها، تفترسك بموسيقاها المندغمة مع المعاني. وإن شكّلت اللغة في "لن أغادر منزلي" نوعًا من الرواية ـ القصيدة، يعلو ضجيج موسيقى الكلمات فيها على الحدث، فإنها في "فونوغراف" اقتربت من انسياب رواية سرديّة أكثر. وكأنّ الثانية تريد أن تغطّي فجوات القصيدة في الأولى بسرديّة الحكاية، بعد أن غادرناها متعطّشين لتساؤلاتها وصدماتها. وذلك من أحد أشكال التكامل بينهما عبر تقنيّة المونتاج وأحلام اليقظة، وهما من سمات عصرنا حيث الإنسان متوتّر بتسارع أحداث الحياة، التي تتحوّل إلى لقطاتٍ من هنا وهناك. ولكن بعد أن تقرأ الروايتين، عليك أن تلملم نفسك، كي تلملم الأحداث وتتشكّل سيرة حياةٍ مفهومةٍ تنتظر استمراريّتها في مستقبلٍ تالٍ.

تبدأ "فونوغراف" بحدثٍ هو مقدمّة للروايتين معًا، فالبطل ـ الإنسان يولد من ارتيابه في رحمٍ، التقطه نطفةٌ من جموعٍ متزاحمة، ليلفظه إلى ضجيج حروبٍ "رعاتها ساسة منابر توضّأوا بدماء الأبرياء وعاقروا السماء بالصلبان". وما أن يواجه الحياة حتى يبحث عن دفء قلوبٍ في "منجاة ٍعن الحور العين وأنهار الخمر الجارية" لإلهٍ تمّ إلباسه "بزّةً عسكريّةً وأنبتوا له لحيةً خشنةً". يولد الإنسان هنا وحمامة الروح القدس تغدو رصاصة، وسندس الجنان الأخضر سيفًا مسلولًا، فهم قرّروا لك ذلك دون خيارٍ آخر.. تفتك بك هنا اللغة فتصعقك بما لا تجرؤ أن تبوح به من وعيك ولاوعيك؛ أمّا جدار المحرّمات، وقد تحوّل كلّ فردٍ منّا إلى سيزيفٍ عربيٍّ معاصرٍ، يرغب بالنّجاة من الصخرة، التي ما أن يصل بها إلى القمّة حتى تسقط من جديد.. وعليه فوق عذابه أن يصمت.

ومع بعض التخصّص، يذهب بنا الحدث إلى نمذجة فردٍ لبنانيٍّ متشرذمٍ بين نزقه من جذوره هنا، في الشرق، الذي ينظر إليه كخراب، وتراكضه وراء رفاهية مخملية متخيّلةٍ هناك، في الغرب، الذي يتمّ التراكض إليه بشكلانيّةٍ حضاريّةٍ لا تتجاوز القشور. وحتّى تكتمل الحكاية، لا بدّ من عدوٍّ وهميٍّ تصبّ عليها النمذجة نزقها، فقد مضى زمن الفلسطينيّ بعد أن ذابت قضيّته في أروقة المفاوضات، وخفتت هجرة العراقيّين عبر بوابة لبنان بعد استقراره بين ميليشيات الطوائف، فليكن السوريّ الآن الهارب من حربٍ مدمّرةٍ في تهجيرٍ لا يرحم.... وإن كان هذا واضحاً في "لن أغادر منزلي" مع نموذج الوالدة اللبنانيّة ـ البريطانيّة باتريسيا، أكثر من "فونوغراف"، في دورٍ عابرٍ لزميلة عمل البطل ريتا.

مع "فونوغراف" ستتوسّع حكاية البطل ـ البيوغرافيا، لتغوص في ماضي طفولة قلوبٍ دافئةٍ في لبنان. ألا يمتلك الكثير منّا مثل هذه الحكاية ـ حكاية الفقد والحنين ـ وإن بتنويعاتٍ مختلفةٍ فتصبح الرواية حكايتنا؟

تبرز المأساة الشخصيّة لدى البطل ـ البيوغرافي في نصوص الروايتين، في واقع المشرق العربيّ الاستبداديّ. تندمج التأزّمات الشخصيّة والفرديّة مع الشروخ الدينيّة والطائفيّة والعشائريّة التي تمزّق بُناه الاجتماعيّة، وتنعكس على تمثيلاته السياسيّة ما قبل الحداثيّة المتعصّبة لكلّ ما هو متخلفٌ، وتلجأ إلى "العنف المقدّس".

لم تنتهِ رواية سليم بطّي، فما زالت هناك أجزاء أخرى عديدةً قادمةً، فهو من ذاك النوع من الروائيّين المبدعين الذين لا يكتبون الرواية، وإنّما يعيشونها، وكتابتها تحصيل حاصل فقط... وبقدر ما يعيش هذا الروائيّ سيبقى يكتب لآخر نفسٍ... أمّا نحن القُرّاء، الذين ترافقنا خيبات الحياة والأزمات الإنسانيّة والوجوديّة ما دمنا ننتمي إلى هذه البلاد، فهل ننهار أكثر ونحن نفقد أهلنا وأحبّائنا بالمعنى المادّيّ والروحيّ؟ ونحن نفقد الأمّ والأب والأخ والحبيب المعشوق؟ يبدو أن بطل سليم البيوغرافي ينفتح أكثر على الحياة، ويحاول إيجاد دفء القلب مع الشأن الإنسانيّ العامّ، عندما يتبنّى أوجاعهم، فتكتسب حياته المعنى أكثر فأكثر ما دام يدرك حقائق لعبة الموت والحياة في منطقتنا.
google-playkhamsatmostaqltradent