recent
جديدنا

سيرة الموت

الصفحة الرئيسية


آية الأتاسي



أي عينين واسعتين لك أيها الموت؟
التحديق في عين الموت يعني أن تضيق الحياة ولا يبقى فيها متسع إلا لخروج الروح من كوة الزمان الضيقة، حينها يغمض الأموات عيونهم وكأنهم نيام، وعندما يحاولون فتحها ولا يستطيعون، يعرفون أنه صارت للموت عينان واسعتان كعيونهم. وعلى الضفة الأخرى يبحثون عن ثقب في جدار الموت، لينظروا من خلاله إلى الحياة كيف تمضي في غيابهم. هي العيون نافذة الروح والروح لا تفنى.
كتبت الشاعرة سيلفيا بلاث:
أغمض عينيّ ليموت العالم بأكمله
أفتح عينيّ ليولد مجدداً.
ماتت بلاث فيما بعد منتحرة.
لا مزاح مع الموت.

تاريخان على قطعة الرخام

الحياة أنثى ومن رحمها تولد الكلمات، والموت ذكر يروي سيرتها من فم التراب…
وكأن التراب هو الحد الفاصل بين من يطأون وجهه أحياء، ومن يبنون تحته مدنهم ويبكون من وحشة المكان. ولكي نفهم معنى الحياة علينا نحن الأحياء أن نمضي وقتاً أكثر في المقبرة، فليس كل ما في المقبرة موتاً. فذلك الرخام الأبيض الذي يسقف الأموات به بيوتهم، ليس حجراً، ولا الأرقام المسجلة عليه مجرد تواريخ عابرة، فبين تاريخ الولادة وتاريخ الموت فاصلة… فاصلة هي الحياة كاملة.

ساعة الرمل
الحياة تنتهي مع سقوط الكلمة الأخيرة، التي هي أيضاً ذرة الرمل الأخيرة في الساعة.
وهكذا تمضي بنا الحياة مع الرمل، والموت يقضم أيامنا، وكأننا محكومون بالنقصان منذ البداية، أو كأن الحياة ما هي إلا طريق يأخذنا إلى موتنا. أما زمن الموت فلا يعرفه إلا الله، وحين يأتي، تسقط ورقة من شجرة تحت العرش فوق رأس من جاء دوره، وتكون ساعته قد حانت. كتب الشاعر أمل دنقل:
وريقة وريقة يسقط عمري من نتيجة الحائط
والورق الساقط يطفو على بحيرة الذكرى
فتلتوي دوائر
وتختفي دائرة فدائرة.

أن نرى الموت نوماً فهذا هو الشعر

الموت يحدث كل ليلة ونسميه نوماً.
كتب الشاعر بسام حجار:
«الموت له كنية الحلم، لكننا نجهل هذه الكنية».

    لا شيء يؤرق عيون الموتى إلا حزن أحبتهم عليهم، كتب محمود درويش الذي أخذته الغيبوبة إلى الموت وأعاده بكاء الحبيبة إلى الحياة.

قد يكون النوم هو تمريننا اليومي على الموت، لكن الحلم هو الخيط الرفيع الذي يبقينا على قيد الحياة. وكثيراً ما يضرب لنا الحلم موعداً مع الموتى، الذين قد ينسون أنهم ماتوا، فيعبرون الحلم وكأنهم يلقون تحية مسائية، ثم يعودون أدراجهم إلى منازل الآخرة من جديد. وقد ينسى الأحياء أيضاً موت الأحبة ويخالونهم نياماً، كما كتب الشاعر أمل دنقل:
أنسى أنها ماتت
أقول ربما نامت
أدور في الغرف.

في حين أن السياب يرى في الموت اكتمالاً للحياة:
نود لو ننام من جديد
نود لو نموت من جديد
فنومنا براعم انتباه
وموتنا يخبئ الحياة.

أما بالنسبة للمعري فالحياة هي أرق يسبق النوم الطويل والنهائي:
ضجعة الموت رقدة يستريح
الجسم فيها والعيش مثل السهاد.
ولا شيء يؤرق عيون الموتى إلا حزن أحبتهم عليهم، كتب محمود درويش الذي أخذته الغيبوبة إلى الموت وأعاده بكاء الحبيبة إلى الحياة:
«ما أهدأ الموت لولا بكاؤك».
ففي الغيبوبة تتعطل الحواس جميعها إلا حاسة السمع، ويغدو الإنسان جنيناً في رحم أمه، يبصر العالم من خلال أذنيه. وليس عبثاً تسمية هذا الموت القصير بالغيبوبة، فهي غياب طارئ عن الحياة يزور فيها المرء موته ويمسح الغبار عن كفنه، ثم يضع الزهور على القبر المسجل باسمه، ويعود أدراجه من جديد. كتبت الشاعرة السورية دعد حداد:
«أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها
وتبكي من شدة الشعر».

الزهور التي تحمل اسم قاتلها

الشاعر المصري أمل دنقل، كتب أجمل قصائده وهو ينتظر الموت في مستشفى الأورام السرطانية في الغرفة رقم 8، لم يرث نفسه بل فتح حواراً مطولاً مع عوالم المرض والموت… بداية مع أسرّة المستشفى التي لا تستريح إلى جسد دون آخر، فهي دائمة وأجساد المرضى عابرة… ثم مع الزهور التي يحملها الزوار إلى غرفته، وهي كما الشاعر تحاول التنفس في غرف العناية المشددة:
«كيف جاءت إليّ، وأحزانها الملكية ترفع أعناقها الخضر
كي تتمنى لي العمر، وهي تجود بأنفاسها الأخيرة
كل باقة تتنفس مثلي بالكاد ثانية ثانية
وعلى صدرها حملت راضية اسم قاتلها في بطاقة».
ولأن الأبيض في المشافي هو لون الأسرة وتيجان الممرضات وحبة الدواء، يستحضر دنقل الكفن الأبيض ويكتب:
«هذا البياض يذكرني بالكفن
فلماذا إذا مت يأتي المعزون متشحين بشارات لون الحداد
هل لأن السواد هو لون النجاة من الموت
لون التميمة ضد الزمن».
أما سيلفيا بلاث الشاعرة التي اختارت الزمن الذي تلامس به جذور الأشجار، فكتبت:
«أنا عمودية، لكنني كنت أحب لو كنت أفقية
يشبهني أكثر أن أستلقي، وأخوض مع السماء محادثة مفتوحة
وسأكون مفيدة في نومي النهائي
عندئذ قد تلمسني الأشجار مرة، وتجد الأزهار بعض الوقت لي».
ارتاحت بلاث من عبء الوقوف وهي لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، فوحدها الأشجار تموت واقفة.

أنا لا أحبك يا موت ولكنني لا أخافك

كتب الشاعر سميح القاسم بكل شجاعة، وهو على فراش الموت:
«أنا لا أحبك يا موت ولكنني لا أخافك
وأدرك أن سريرك جسمي وروحي لحافك
وأدرك أني تضيق عليَّ ضفافك».
لا شيء يحكم علاقتنا بالموت أكثر من الخوف، لأن الموت هو لغز الحياة الأكبر، وكل ما يجهله الإنسان يهابه.
في رواية «اسمي أحمر» لأورهان باموك، يفشل النقاش الشاب في رسم الموت، لأنه لا يستطيع رسم ما لا يعرف، عندها يقترح عليه أستاذه العجوز بأن يرسم خوفه من الموت، فكلنا نهاب الموت وإن لم نعرفه. الرسم والكتابة قد يكونان تميمة الإنسان للتحايل على الخوف من الموت، أو قد تكون السينما «التميمة» والكاميرا «سلاح المنازلة»، كما في فيلم «الختم السابع» للمخرج السينمائي برغمان، حيث لعب الموت دوراً سينمائياً وظهر على شكل ساحر يلعب الشطرنج مع البطل، الذي يقف في المربع الأخير من الحياة، محاولاً مراوغة الموت. برغمان ابن القس البروتستانتي اعترف أنه كان مسكوناً بالخوف من الموت منذ صغره، ولكنه عندما سخر من خوفه انتصر على الخوف، من دون أن ينتصر على الموت، حيث لا مفر من الموت.
وفي نهاية المطاف الموت رحمة، فالحياة المستمرة بلا نهاية، مهمة صعبة وشاقة، ولهذا عندما سئل الكاتب بورخيس إن كان يخاف من الموت، أجاب:
لا أخاف الموت، بل أخاف أن ينساني الموت.

    الموت لا يؤلم الموتى بل الباقين على قيد الحياة… فغياب الأحبة في الحياة يشبه غياب الألوان عن الصورة، وعندما يكون الغياب فراقاً بلا عودة، تغيب الخطوط أيضاً، ويفتك الشوق بقلوب من كتبت عليهم الحياة في حضرة الغياب.

وحيداً أمام الموت والحب

كما أمام الحب، يكون الإنسان أمام الموت وحيداً ومجرداً من كل أقنعته وأسلحته، وكثيراً ما يموت المرء من شدة الحب. كتب مالرو:» وحيداً يكون الإنسان أمام الحب كما أمام الموت». والحقيقة أن الموت والحب متشابهان، فهما ذروتان واحدة مؤقتة والأخرى مؤجلة، ومع ذلك كثيراً ما ينتصر الحب على الموت، ولكن شهوة الحياة تبقى هي الأقوى. كما كتب محمود درويش:
«قيل قوي هو الحب كالموت
قلت: ولكن شهوتنا للحياة ولو خذلتنا البراهين أقوى من الحب والموت.
فلننه طقس جنازتنا كي نشارك جيراننا في الغناء
الحياة بديهية وحقيقية كالهباء».

تفسير الأب وسيرة الموت

الموت لا يؤلم الموتى بل الباقين على قيد الحياة… فغياب الأحبة في الحياة يشبه غياب الألوان عن الصورة، وعندما يكون الغياب فراقاً بلا عودة، تغيب الخطوط أيضاً، ويفتك الشوق بقلوب من كتبت عليهم الحياة في حضرة الغياب. وتأتي الكتابة كمحاولة لمخاطبة الغياب، واستقراءً للحزن المطمور بعيداً في الروح. وفي أعماق روحي أنا، ثمة فجوة، فجوة اسمها أبي. ولدتني أمي، وأنجبني أبي، بل أنجبني جدي وأبوه، وسلسلة طويلة من الآباء الغائبين، فالموتى ينجبون أيضا، وفي الطب يسمونه علم الوراثة، وفي الأمثال الشعبية يقولون: «من خلف ما مات». لكن أبي مات… ومات جدي معه وأبوه، فلا يموت الإنسان وحده تماماً، بل يأخذ معه سيرة الجينات إلى التراب. وفي ما بعد ماتت عمتي وعمي، فمات أبي من جديد. وموتهم جميعاً يتبع الخريطة الجينية نفسها وإن اختلفت أشكاله، فغالباً ما نموت كما يموت أقرباؤنا، نرث شكل الموت كما نرث شكل الوجه. مضى زمن طويل على موت أبي، وما زلت أبحث عن معنى الموت؟ ما الموت؟ أسأل نفسي كثيراً… «الموت ليس سوى صديق طيب، يختار أجملنا ونطلب أجمله»، يكتب أحمد بخيت.
ما الموت؟
أجيب نفسي «الموت» مجرد كلمة وتعني فراقاً بلا عودة، ولا دواء للاشتياق.
واليتم كلمة أيضاً، وتعني أن الفراق جرح مفتوح على الملأ، والبنت اليتيمة لم تعد فتاة عادية… كتبت سيلفيا بلاث، التي فقدت والدها وهي طفلة:
«مرة كنت فتاة عادية
أجلس تحت شجرة ابي وألتهم أنامل الحكمة
الطيور صنعت لي حليباً
وحين هبت العاصفة اختبأت تحت حجر
بت أكبر من أعود إلى الوراء
صار حليب الطيور ريشاَ».
أما أنا يا أبي، ورغم كل أنامل الحكمة التي التهمتها، ما زالت أناملي عاجزة عن أن تغلق الباب وراءك، الباب المفتوح على مصراعيه للألم والحنين.
يا أبي الفارع الألم والقامة، هل هناك تفسير للأب؟
هل لرنين الإزميل في التراب صدى؟
هل للموت بقية يا أبي؟

عن صحيفة القدس العربي

google-playkhamsatmostaqltradent