recent
جديدنا

«هيمن» الرواية المطحونة بقمح الشعر، وماء اللغة، وملح الجرح



سربند حبيب / خاص سبا



في عمله الروائي الأخير، الكاتب والمخرج السينمائي «جان بابيير» يتحفنا بنتاج أدبي رائع، الذي صُدر عن داري نشر، الأول «مقام» العربي المصري، والثاني «آڨا» الكردي السوري. الكتاب من قطع الوسط، يقع في (695) صفحة، معنونة بمائة وثلاثة عشر فصلاً، من الحب والكره... الحرب والسلم... اليأس والأمل... من الحزن والفرح...

يؤرشف لنا مأساة وطن عبر فصوله الشيقة لحب استوى في أتون الحرب اللعينة، فالكاتب هنا يتحدى القدر ويتمرد على عبثية الموت، بالرغم من أنف الخراب ورائحة الموت المبعثرة، يُخلّد الحب ويبقى ترياقاً يقاوم رائحة البارود وأزيز الرصاص والدمار.

بين طيات الكتاب ثمة حب كبير ودم مارق في أروقته، حيث يخلق لنا «جان» عالماً روائياً متكاملاً، يضخ بالحياة والحركة، عالماً من البشر، الأحياء فيه ليسوا تجريدات ولا رموزاً بل من لحم ودم وأفكار ومشاعر ورؤى وأحلام وهواجس وهلوسات.




فيقول في العتبة:
«شخوص الرواية: من لحم الملكية وحبر المشاع، تدور أحداث الرواية على هذه الأرض المتفجّرة؛ لتصل شظاياها إلى أماكن أخرى أبعد. وحول هذه المدينة التي تهدّمت ومعها انهارت جدران الروح، إلّا أنّني كنتُ أبني كوباني لبنة، لبنة، جداراً، جداراً؛ لآوي الفارّ من الحرب بين دفّتي الكتاب، كما كنت أرمّم روحي من الداخل، وأتعمّد بالفاجعة. أكتبُ سطراً، أعبّدُ شارعاً، أظلّلُ حيّاً، أروي نصّاً؛ لأروي حيواتهم الفارّة من وباء الطاعون، وأسرد فصول القيظ والتشرّد، وأرتّب بين الفاصلة والتعجّب جمل الحب، وأجزم أنّ الحب نبتة عنيدة تقاوم شظف العيش في أقصى البيئات المطاردة، وتنمو بين الدم والخرائب».

يهدي الكاتب الرواية إلى «كوباني» مسقط رأسه، والمدينة التي تحولت إلى رمز المقاومة بدمارها: «لها، لامرأة زاحفة بترياقها على سموم جسدي، لمدينةٍ بنتْ مجد رمادها على أنقاضِ دمي».

فكرة الرواية تدور في مداراتها العامة حول «مانو» الشاب الذي وقع في حب «هيمن»، الفتاة التي استبدت به وسيطرت على كامل فكره، يعيشان معاً أياماً من العمر في دمشق ومن أجواء تلك اللقاءات:
-        أواصل العبور معكَ، مع ظلّ الصباحات، أواصل الخطا، الحوار، أواصل التعثر بك، في الكتب والأرصفة والعطل والمحاضرات، وأنفي كلّ احتمالات الهرب منك يا لعنتي!
-        أنا أصطدم بكِ في كلّ شيء، المتّة، الخمرة، ما يكتبه الشعراء. كيف أنحني لظلّ الغياب؟! كيف لا يصفعني الولع ولا تلاحقني مفارز التساؤلات؟!
قبّلتْ رؤوس أصابعي، وهمست في أذني قائلة:
-        هرب سريرك منّي، تأخر حضني عنك، تعال، تعالَ إلى حضني أيّها المشاعيّ، تعالَ، إنّي مذعورةٌ من الوحدة، مذعورةٌ بوجودك، بازدحامك».

ولكن هذه اللقاءات لا تطول فبعد عودتهما إلى كوباني، تلك المدينة المنسية على تخوم الرب، تحكمها عادات وتقاليد ذكورية بالية، يلتقيان أحياناً وبشكل سري، فيعيشان على قيد قُبل حُفرت في الجسد ورائحة عُتقت في الروح، والماسنجر هو صلة الوصل «لا زلتُ أحتفظ بقبلاتك مؤونةً لعشرين شتاءٍ قادم، لا زلتُ أحتفظ برائحة بودرتكِ الطفوليّة لسبعين فصلٍ من الحنين، بعطركِ النسائيّ المشاغب لأربعين حزنٍ على هيئة نكهتك الشهيّة، تعالي، لا تطيلي عمر الانتظار، نمرودتي فها أنا أخيراً وقد تعب التّعبُ منّي ولم يبقَ بيننا شيء إلاّ أن نتواصل على الأنترنت؛ حتّى يتوقّف القصف بين جبهة بوزان وأحمو كنك».

يفترقان لثلاث سنوات ويلتقيان مجدداً، ولكن لم يدم اللقاء؛ بسبب هجوم  داعش على المدينة، فيجبران على الرحيل كما عامة الناس إلى تركيا، يفترقان ثانية، فيبحث مانو  عنها  في مدينة «رها»، ويشقى كثيراً حتى يلتقي بها صدفة، ويلتقيان بين الحين والآخر «تعالي لنفضح همسنا ولقاءاتنا السرّية على الورق، تعالي لنعيد إلى صدورنا العارية ألقها وبريقها، ونتبادل ثانيةً السجائر والقُبَل!!».

بعد تحرير كوباني من رجس تنظيم داعش يقرران العودة، في ليلة هادئة يتسللان خلصة عبر الحدود، فيصبحان شواهد حقيقية على مجزرة مروعة راح ضحيتها الكثير من الأبرياء «لا أستطيع النظر إلى الجثث وأعدادهم وتناثر الدم واللحم، رائحة البارود تخنقني وأصوات الرصاص تصيبني بالجنون، إنّني أذوب وأتشظّى في هذا المشهد، كيف لي أن أرسم صوراً للبشر الذين كانوا في الليلة الماضية حيوات تتنفّس؟». (ص 355).

يصيبهما الجنون من تلك المشاهد الدموية وخاصة بعد قتل عائلة هيمن، لا يحتملان البقاء فيعودان ثانية إلى تركيا، ويقرر مانو الهجرة إلى أوروبا بشكل غير شرعي عبر بحر ايجة بالبلم «في تركيا كان المهرّبون يصرخون فينا ويشتموننا كما أجهزة الأمن السوريّة، وهم يدفعون بنا إلى البلم، وما إن تحرّكنا ارتفع الموج ثائراً كأنّه كان يعلم أنّنا لسنا شرعيّين وقلبي يدقُّ من الخوف، وابتللتُ بالماء الذي كان يأتي من الأمواج، هذا البحر سيوصلنا إلى الحرّيّة؛ هي نفس الكلمة (آزادي) التي كنّا نهتف بها في المظاهرات، لكن لم أكن أعلم إلى أين ستوصلنا هذه الكلمة؟ بعد شهر وثلاثة أيّام من القتل الجماعيّ في كوباني، كنت ككيس بطاطا في بلم يحملني إلى أحد الجزر اليونانيّة والخوف يحيط بنا، إنّها حرب من نوع آخر، معركة بلا أسلحة، وكلّما كان يرتفع الموج كنت أحضن جفان أكثر، وأشعر بضربات قلبها الملتصقة بصدري، ولم تفارقني صورتكِ هيمن، كانت كالهواء ترتطم بي وبالموج، لا شكّ أنّكِ كنتِ حوريّة ماء تدفعني إلى البرّ أو ملاكاً في السماء يرشدني ويحرسني». (ص 557).

وبعد معاناة طويلة ومشقة الطريق ينتهي به المطاف في النمسا، ويصبح رقماً في سجلات اللاجئين، ويعيش على أمل اللقاء بهيمن، بقلب اهتراه الحنين، لا عمل له سوى الكتابة والانتظار لرؤيتها، بعد أن طلب يدها للزواج، وتنتهي الرواية بلقائهما المفعم بالحب والشوق «تعال أيّها الغجريّ! تعال يا وغدي الجميل أنا لك! جلبتني الريح إليك، الشياطين، الحبّ... كلّ شي جلبنا إلينا؛ لنتوه في جحيمنا اللذيذ، الحبّ لا يعيش فقط في الروايات والأفلام، بل يعيش في داخلنا، إنّه نحن، أينما ذهبنا نتعثّر بنا». (ص 689).

تتنوع شخوص الرواية من حيث حركتها وكمونها، ولكن يبقى مانو وهيمن الشخصيتان المحوريتان الأكثر تحركاً في مضمار السرد والأكثر تأثيراً في قفزات الحدث الحكائي، من حيث النمو والتطور مع بقية الأشخاص الثانويين الذين يكملون الدراما في الرواية.

في هذا العمل نحن أمام رواية اللغة، حيث شعرية النص القائم على جمال التراكيب وتزاحم الصور بشكل يجعل أي قارئ لها يقف ويرتبك أمام هذا الزخم الفني من الجمالية الأسلوبية المكتنزة العبارات بالبلاغة والصور، التي تجعلنا نقرر بأننا أمام نص نثري وبلاغي بجدارة «ثمّة مَن يأتي ويقف أمام نصٍّ مفتوحٍ ككفّ الله بدون تشديد، هو أنا عندما نادتني عيناكِ، فَسالَ صبري على جدران الكتابة، ورائحة نهار جسدك المهيمن، من يردُّني إليّ؟ وصوتها وصورتها ينهضان فيّ، من ينقذني منّي؟ في غابةٍ تشتهي حضوري، أنا رؤيةٌ خرقاء خلف زجاج المحن، وأقوم (ببروفا) أخيرة للحبّ كآخر ثوريٍّ في النقاء، وأضع كل أرصدتي هناك، هناك تحت إبطي امرأةٍ ترتدي الأسود، الغثيان يؤرّق مائدة الصفاء حول كسرات انهماراتك المبتورة في صفحات استمرت في بياضها أو تعتُّقها المقزّز بكلماتٍ تُريق حصانتك الموّقرة، والمكنون المرصود بتعاويذ الالتزام، وانتفاضات الرحم المضنيّة المتوغّلة في تقادم الأيّام، تجاذب، تقاسي الحنين وتكفنها، تردف الشوق بسيول الكبت المسجون في أرصفةٍ اعتدتُ سكونها، ونقلتها إلى حدود السرير الذي يحوّلك إلى أحد مخادع شهريار». (ص 253).
 

القاصّ سربند حبيب

إن الزمان في الرواية واضحٌ جداً ويظهر جلياً من خلال تلك الأحداث التي يعيشها مانو وهيمن من الثورة السورية إلى مجزرة كوباني والهجرة، وجميعها مؤرخة بتواريخ حية. وقد باحت الرواية أيضاً بمكانها بشكل مباشر من خلال أسماء المدن من دمشق – كوباني – تركياً إلى أن يستقر  القدر ببطلي الرواية في أوروبا.

من التقنيات التي وظفها «جان» في سياق النص تقنية الاسترجاع أو الخطف خلفاً «FLASH BACK» مستفيداً من خبرته في مجال السينما، حيث يُرجع بمانو إلى فترة مراهقته بهدف تعريفنا بشخصيته وتجسيداً لمواقفه مستقبلاً.

تعتبر رواية «هيمن تكنسين ظلالك» من النصوص الأدبية التي استفادت من تقنية العولمة، حيث استخدم الكاتب الكتابة الافتراضية (واتس آب – ماسنجر)  في كثير من الحوارات والمحادثات  بين بطلي الرواية.

وثق «جان» الكثير من الأحداث، وخاصة تلك المجزرة المروعة في مدينته كوباني، وبشواهد حية من أشخاص نفضوا بأعجوبة من الموت «كان يوماً ينتظره الناس لحصد مواسمهم، في هكذا أوقات من كلّ عام بصبر يحصون الشهور والأيّام؛ لجني مواسمهم الزراعيّة، لكن في صبيحة هذا اليوم كانت تقترب مناجل الموت؛ لتحصد أرواح الكوبانيّين.
كان موعد اللقاء دامياً في حضرة قبور المدينة، وهي تحتضن كوبانيّاً تلو كوباني، إنّها المذبحة الكبرى، الانتكاسة الكوبانيّة الثانية». (ص 408).

تراجيدية واقعية، تحاكي ألمنا ومأساتنا، وتبوح بأسرار شعب ذاق ويلات الحرب، تشبه ذات صاحبها وأناه الإشكالي الخاص وهو يستقي من الدم حبراً ويكتب الموت بحرفية، نعم إنه عمل يستحق القراءة والتأمل في أبعاده الفكرية الفلسفية والسياسية.


google-playkhamsatmostaqltradent