recent
جديدنا

مصطفى تاج الدين الموسى مغادراً القصّة القصيرة

الصفحة الرئيسية


جبر الشوفي

عن دار نون للطباعة والنشر صدرت المجموعة القصصية السادسة للكاتب مصطفى تاج الدين الموسى، بعنوان «ساعدونا على التخلص من الشعراء» وبلوحة غلاف رسمها الفنان التشكيلي عمر إبراهيم، وصمم غلافها خالد الوهب. تضمنت هذه المجموعة الضخمة 74 قصة وأقصوصة متباينة في أطوالها، وغنية بتنوع موضوعاتها، موزعة على 443 صفحة، وبلغ عدد كلماتها حوالي 74 ألف كلمة، علما بأن الكاتب كان قد نشر العديد من قصصها في مواقع إلكترونية. كما جرت ترجمة بعض قصصها إلى لغات عالمية.

لقد جاء نشر هذه المجموعة تتويجا لجرأة الكاتب وجده واجتهاده، خلال سبع سنوات من اقتحامه لهذا الميدان، في فترة طاله فيها الإهمال والتهميش، أمام زحف الرواية، حتى إذ اطمأن إلى أنه، قد أعاد إلى جنس القصة رواجه ورونقه وجدد ووسع دائرة المهتمين والمتابعين له، أعلن استقالته، طاويا نجاحات وفتوحات سردية تضمنتها مئات القصص وأكثر من ألف صفحة مطبوعة، بدءا بمجموعة «قبو رطب لثلاثة رسامين» 2012 وانتهاء بـ«ساعدونا على التخلّص من الشعراء» 2019 .

ربما يجد القراء في كم الإنتاج القصصي وسعة اهتمامات الكاتب وتعدد موضوعاته وما حققه اسمه من شهرة واستقطاب لعدد كبير من القراء والمتابعين في سوريا وبلدان عربية وأجنبية عديدة، تفسيرا لهذا الاكتفاء والهجران، وربما وجد بعضهم في جاذبية الرواية والمسرحية مبررا آخر له، وثمة سبب إضافي آخر، قد يكون هو الأهم، وقد يشاركني بعضهم فيه؛ وهو أن كاتبنا مصطفى، ومنذ بداياته يتخطّى عامدا التخوم المتداخلة بين القصة القصيرة والأجناس الأدبية الأخرى، وأن هذا المنحى التجريبي والتحديثي، تبلوّر وتعمّق في مجموعته الأخيرة، عبر استثماره لمرونة القصة القصيرة، وقابليتها لتقنية التخييل والإيهام، وطبيعة الخطاب المسرحي، وعبر إشباعه للحظة السردية، وحشدها بمزيد من الملفوظات والتعابير الشعرية التأملية، والصور الاستعارية والتشابيه، ومختلف المجازات اللغوية المكتنزة بالمشاعر والأحاسيس، مجسدا عبرها حضورا قويا وجليا للكاتب في نصه، فكرة وأسلوبا ومزاجا حريّفا، يزخم لغته بلذعة واخزة ونافذة إلى أبعادها الدلالية والرمزية المتعددة والعبثية الساخرة، حين يغدو العبث والسخرية ملكة جمالية لتعبئة الفراغ وعطالة الزمن واللاجدوى.

لقد غدا الكاتب أبرز الوجوه الأدبية الشابة، الذين تزامن حضورهم الأدبي وارتقاؤهم وذيوع أسمائهم مع تصاعد الحرب السورية المأساوية المستمرة، وعرف كأكثر القصاصيين الرافضين لها والغارمين منها، ولاسيما أنه ابن (إدلب الخضراء) التي تحولت إلى شبح مرعب، بخصوصية وضعها الأمني والحربي، وكل تعقيداتها الإضافية وحلولها المستعصية بإدارة اللاعبين الدوليين، من خلف نظام الإجرام الرسمي والشعبوي الفصائلي، فكان من الطبيعي ألا يظلّ شبح الحرب وعلاقاتها وأجواؤها وكل تداعياتها هاجسا مقلقا له فقط، بل أن تظلّ مسألة الحرية والصراع الوجودي مع ألة الموت المجرمة، هما فكريا ووجدانيا عميقا ومناخا عاما، تجري في ظلاله أحداث قصصه ويقع الكثير من أبطاله ضحاياها قتلا واعتقالا تعسفيا، أو تهجيرا، وأن يعيش من بقوا تحت ضغوطاتها النفسية المقلقة وظروفها اللاإنسانية وعبر التفاعل السلبي والإيجابي معها.

لقد أثرى الكاتب مصطفى تاج الدين الموسى المكتبة العربية بموضوعات قصصية مستنيرة بالمعارف الفلسفية، وعلم النفس والأنثروبولوجيا وزخمها، بروح الآداب العربية العالمية، وسجل اسما متميزا بين مثقفي التنوير والتغيير والكتّاب ذوي النزعة الإنسانية والشعبية، الذين يرفضون التنميط ويفكرون خارج السائد السياسي والاجتماعي والأخلاقي وينتهك التابوات الاجتماعية والسياسية والعقائدية، ويفضح المسكوت عنه، وفي استثمار لأقصى إمكانيات القصة القصيرة، وطّد علاقة رومانسية ميتافيزيقية مع العالم المحيط والأشياء والأشخاص، وظلّ يدفع بأبطاله وشخوصه المهمشين في طريق المواجهة والمصادمة مع العلاقات الاجتماعية والسياسية، ومختلف المفاهيم الجائرة في ظلّ قوانين السلعة والسوق المعولمة، للتعرف على ذواتهم واستقلالية شخوصهم، وليجددوا وسائل مواجهتهم، كلما نمت الأخطار وتطورت وسائل الاستغلال والهيمنة.

74 قصة بعناوين وموضوعات متنوعة، تخص الحرب والموت والنزوح والحبّ، والنقد الثقافي والاجتماعي السياسي والنفسي، وتتنوع أساليبها ويتداخل فيها الحس المأساوي بالفكاهي والسخرية بالتهريج والتهكم. وعبر المنحى التغريبي الصادم والمدهش، يأتي عنوان هذه المجموعة «ساعدونا على التخلص من الشعراء» المثير والمحرّض على معرفة أي الشعراء، ولماذا، وما مشكلة الكاتب معهم؟ ليجد جوابه في جلسة تهريج لأربعة سكارى، يطلقون ملفوظات وتعابير مفعمة بالهزء والسخرية من ظاهرة الشاعرية المريضة بالنرجسية، والادعاء والظهور بمظاهر وأزياء غريبة، بغية التغطية على الخواء الفكري وشحّ الموهبة، إنهم شعراء من «ذوي القبعات الغريبة، أولئك الذين لا تتجاوز ثقافتهم ثقافة معدهم السخيفة». وبسبب قصيدة من أحدهم غدا (اللازورد) طريح الفراش معصوب الرأس. وتتوالى التعليقات بقول الراوي: «عندما تشاهد شخصا على الرصيف لديه سحنة مجعلكة، ويرتدي ثيابا مجعلكة، هو حكما شاعر». وإضافته:
ــ إنهم يتكاثرون بشكل غريب، يا رجل، تنام ساعة في قيلولة الظهر لتكتشف أن عدد الشعراء ازداد خلال ساعة نومك، وكأنهم يتكاثرون بالانشطار.
ولذا يمكن ان نصنف مثل هذا المشهد السردي في أدب الصحبة والتفكه والإخوانيات، التي لا تمسّ الشعر، ولكنها تمازح نمطا من شعراء الجيل، الذين عقدوا صفقة مع الغيبيات والتعمية، وفي ظنهم أنهم يبهرون ويصدمون ويدهشون، فصاروا أغربة وغربانا، يهيمون وحدهم خارج المحيط والمجتمع، ويحشدون ملفوظات التعمية، التي تقول ولا تقول.

في الهم الثقافي والنقدي، تأتي قصة «تهريب أبطال دوستويفسكي من إدلب» الواقعة في إطار جزء من سيرة ذاتية للكاتب، يسترجع من خلالها مغامرة تهريبه إلى الريحانية في تركيا، ومن ثمّ تهريب روايات دستويفسكي، والإيهام بمعايشتهم له، حتى ليبدو أحد هؤلاء الأبطال، في ظل مشاعر الغربة والتشتت والضياع الشخصي والسوري العام.

وفي ظلّ ازدهار اقتصاد الحرب وظروفه وعلاقاته الشائهة، تغدو جثث الضحايا بضاعة تقدر قيمتها بمدى صلاحية أعضائها للبيع، لمافيات تجار الأعضاء البشرية، ومن أجل أرباحها الفاحشة، يلغي الابن فرصة خروجه مع أمه، هربا من مخاطر القصف والموت، إذ لم تعد الحرب، تعني له شيئا سوى ما تدره عليه من أرباح أنسته المخاطر المحيقة بأمه، حتى فوجئ بها جثة بين الجثث المعدة للبيع.

وفي توجه الكاتب لإدانة الحرب والدعوة إلى المحبة كمخلّص وحيد للسوريين، تغدو الجثث المتبادلة بين طرفي النزاع ذات قيمة استثنائية، حينما تُحمّل بالرسائل والمجوهرات، ويتوافق عليها طبيبان (شيعي وسني) كانا زميلين وصديقين، وحين فرض على كل منهما أن يلازم جماعته ويعمل من خلالها، توافقا على تبادل الانتفاع بما يمكن أن يحملوه للجثث من أموال ومجوهرات تحقق لهما الثراء، كما في قصة «أشياء لا تستطيع السماء أن تحكيها للبشر»، ولكن وحدها الجثث التي حملت رسائل حب انتعشت وعادت إلى الحياة في الجهتين المتقابلتين. ولا يستثني الكاتب من نقده وتعريته المناخ الثقافي، الذي ساد في ظلّ هيمنة الاستبداد السياسي وفروعه، وذلك في قصته الدرامية الجريئة المفعمة بمشاهد أيروسية وأخرى سيريالية «المسرح سبب رئيس لأوجاع النهدين» والفكاهية الساخرة «من تاريخ الحركة النقدية في مدينتنا».

وإذا كانت هذه الأمثلة غيضا من فيض الموضوعات والأفكار المهمة، فإن ما لا يقلّ عنها أهمية، أو ربما يزيد، سنجده في مواضع من لغة السرد وجمالياتها المبهرة، وتوالد مفرداتها وتعابيرها وصورها من ديناميات سردية لحظية نامية ومتجادلة أو متصادمة، وما يمكننا أن نشير إليه من أسلوب متقدم في رسم شخصيات قصصية بملامح أبطال روايات عالمية، يدخلها في مناخات سيريالية وأخرى دراماتيكية، عبر حوارية حيوية تجدل المتخيل بالعقلاني والميتافيزيقي بعناصر الواقع المعيش.

وفي الختام ومع تمنياتنا بالنجاح والتوفيق للكاتب الموهوب، أقول: لا يستقيل مصطفى تاج الدين الموسى من همّ الكتابة، لكنه يدعونا إلى ملاقاته في هموم سردية وأدبية أخرى واعدا بالمزيد وبكل جديد.

عن موقع «القدس العربي»

google-playkhamsatmostaqltradent