recent
جديدنا

سليم بركات الابتعاد بمسافات ضوئية عن المعتاد



واسيني الأعرج

تبدو تجربة سليم بركات المقيم في السويد متفردة جداً، أي أنها شبيهة نفسها ولا أعتقد أنها سهلة التصنيف، لكن الكل يجمع على خصوصيتها اللغوية التي تذكرنا بالعظام الذين صنعوا ذاكرة اللغة العربية على الرغم من أنهم وفدوا من لغات أخرى، مثل كاتب ياسين (جزائري)، والطاهر بن جلون (مغربي)، وأمين معلوف (لبناني)، وعتيق رحيمي (أفغاني)، وغيرهم من الذين برعوا في اللغة الفرنسية، والحسيني الإيراني الذي تميز بالإنكليزية. سليم بركات من طينة هؤلاء، فهو كردي؛ أي أن اللغة العربية خيار فرضه التاريخ.

من الطبيعي أن يكتب سليم بالكردية، يقول كلاماً جميلاً في هذا الصدد وفي التسامح اللغوي. الخصوصية الكردية ماثلة في نصوصه، ولكنه يتجاوزها ببراعة الكاتب الإنساني. الخلفية العربية حاضرة بقوة، لكنه يتخطاها أيضاً ويضعها ضمن إنسانية واسعة تتحدد بالنظام الشمولي الذي لا يقهر اللغة فقط، ولكن الإنسان أيضاً. وهو ما عالجه في روايته الأخيرة التي تعد جزءاً حيوياً من صرح يكبر في الصمت والعزلة: ماذا عن اليهودية راحيل؟ التي أقصتها لجنة البوكر من قائمتها القصيرة، مفضلة عليها نصوصاً أخرى وفق مقاييس، اللجنة وحدها تعرفها. صدرت هذه الرواية الضخمة (566 صفحة) عن الدار المميزة «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

وعلى الرغم مما قيل عنها بأنها تختلف عن بقية رواياته، فهي في عمق همومه المركزية منذ أعماله الأولى، المتعلقة بشعبه والضغوط المسلطة عليه، والجرائم المرتكبة في حقه، وجرائم الديكتاتورية التي تستعمل كل وسائل التدمير والتفرقة. من هذه الناحية، الرواية أقرب إلى المشاهدات الطفولية التي تقرب النص من السيرة. سيرة حي يهودي في مدينة القامشلي، من خلال قصة حب إنسانية مسكونة بالأسئلة الغامضة التي تمنع الإنسان من التعبير عن كيانه ولغته ودينه، كيفما كانت الأسباب المتخفية من وراء ذلك، بالخصوص بعد هزيمة 67 حيث انصب الحقد على القوميات الأخرى الكردية والأرمينية واليهودية تحديداً. لأنها الحلقات الأضعف، لم يعد يكفي كونها سورية ومنسجمة مع حياته ونظمه. وضع معقد شجع على ما كان يمنع، جهراً، الهجرة اليهودية. الترحيل ليس فقط قراراً يتخذه المسؤول البعثي الذي يسيطر على كل قنوات الحياة كما تقول الرواية، ولكنه أيضاً وضع يخلق ليدفع بالآخرين من المشبوهين، الممنوعين من لغاتهم ودياناتهم، إلى الخروج بعيداً إلى تركيا ولبنان وقبرص، ومن هناك دخل الكثيرون إلى فلسطين، وآخرون دفعوا بمغامرة الرحيل إلى أكثر من ذلك، نيويورك، بالضبط إلى بروكلين. وكأن وجودهم في البلد كان خطأ وجب تصحيحه.

الرواية بهذا المعنى فضاء مفتوح ومتسع، ليس فقط على الشابين لينا اليهودية وكيهات الكردي، ولكنه يشمل مدينة القامشلي كلها وما كانت تزخر به من قوميات ومجموعات بشرية محكومة بالظاهرة وأيضاً بثقافاتها ولغاتها الممنوعة من التعبير. 1967 التي كان يفترض أن تكون لحظة تفكير في المصائر التي أكلتها الخيبة، والهزيمة القاسية غير المنتظرة، تحولت إلى سنة انتقام حقيقية، يتم فيها قهر القوميات الأضعف وكأنها السبب في الهزيمة. ترتسم المأساة بلغة حية وصادمة ترسم حجم المأساة الطفولية الذي سيكبر داخل مناخ قمعي لا حق فيه للآخر السوري المختلف في التعبير عن خصوصيته: «لا أكتب رسائل إلى أمي بالعبرية ليجدها أحد. ليس عندنا بالعبرية إلا التوراة في البيت»، ردت لينا. «نحن أيضاً ليس عندنا شيء مكتوب بالكردية، يا لينا»، قال كيهات… «لا كتابة بالكردية. لا قراءة بالكردية، لا كلام بالكردية في غرف المدرسة». حب كبير يقمعه التاريخ، وتنهكه اليقينيات.

الموضوعات التي يعالجها سليم بركات ليست عربية فقط أو كردية، ولكنها تتخطاها لأنها في جوهرها إنسانية. من يقرأه لا يشعر أبداً بضيق أفقها. لهذا يقول إن أرضه هي اللغة التي تحمل نصوصه. لهذا كان جهده دوماً في اللغة، لأنها مصدر الكتابة ومنتهاه، ومن دونها لا محمول. هذا الخروج عن المألوف كثيراً ما حوله في النقد الكلاسيكي إلى مادة غير مريحة، بل ومخيفة للدارس، فيتم وضعها في البراد في انتظار زمن آخر. طبعاً هناك نقاد كثيرون وكتاب يعرفون جيداً قيمة سليم بركات، ولهذا وضعوه في أفق التمايز في مقارنة غير مخطئة مع مارسيل بروست من حيث الخصوصية وخروجها عن المألوف المحفوظي الكلاسيكي. ربما كان الروائي النادر الذي أحدث هذه القطيعة البروستية. لقد عانى مارسيل بروست كثيراً من ظلم الجوائز سواء الفرنسية أو الأوروبية. بالصدفة فاز بالغونكور في 1919 برواية: «في ظل الفتيات المزهرات»، الجزء الثاني من رواية «في البحث عن الزمن الضائع»، في الوقت الذي كان ينتظر فوز خصمه تيري لاجيت. نوبل، من جانبها، لم تكن أفضل من غيرها معه، ولكنها فعلت ذلك مع كبار الكتاب العالميين: جيمس جويس، كافكا، فيرجينيا وولف، كزانتزاكي، وغيرهم. فقد ظل نصه العظيم «في البحث عن الزمن الضائع» خارج الدائرة المعتادة، وخارج منطق الجوائز. السبب ليس قيمة النص، ولكن التخشب الذي بدل أن يعيد النظر في تصوراته الأدبية التي ترهلت، يقتل النص بوصفه نصاً مغلقاً؟

طبيعي، لا يمكن لأدوات نقدية من المستحثات والترسبات القديمة أن تفتح نصاً إشكاليا لا يوجد أمامه المعيار النقدي المناسب. هو معيار نفسه لأنه صنع الفجوة بينه وبين السرد البالزاكي والزولي وغيرهما. واحتاجت المؤسسة النقدية زمناً طويلاً ونشوء جيل جديد لتدرك كم أن هذا الأدب كان كبيراً ومستحيل الإدراك. ذهب كثير من الذين فازوا بنوبل وانقرضوا، بينما بقيت رواية «في البحث عن الزمن الضائع» علامة أدبية عن القطعية التي سمحت للرواية الفرنسية بأن تحقق قفزة نوعية مميزة وشامخة، سمحت للحداثة الروائية بأن تجد طريقها الواسع. سليم بركات، بلا مبالغة، ليس بعيداً عن هذا وعن هذه الحالة، سيكبر نصه مع الزمن ويتسع جمهوره وتذهب فكرة النص المغلق عندما يتهاوى العقل المغلف وينفتح على فكرة أن الإبداع دائرة متحركة في الزمن والمكان ولا مركز لها أبداً. يوم يكون لها مركز تسقط وتموت في التكرار.

نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة سليم بركات وفهمه وفق مقتضيات الإبداع الجديد وخارج يقينيات النقد الكلاسيكي. ليس إخراجه من القائمة القصيرة والفوز باستحقاق في جائزة البوكر إلا جزءاً من هذه الآلة الطاحنة التي تقتل الخلق والإبداع والتمايز في لحظة عنفوانه. أعتقد أن الجائزة خسرت موعداً آخر مع تجربة فوق المعتاد بسنوات ضوئية، وهي من الناحية الرمزية خسارة؛ لأنها نفي لمسار كبير كان يمكن أن تسلكه الجائزة.

عن موقع القدس العربي

google-playkhamsatmostaqltradent