recent
جديدنا

باص أخضر يغادر حلب: وقوع في فخّ الرواية السوريّة والتكرار وخطابات التعاطف

الصفحة الرئيسية


سليم بطي / لبنان


عندما قرأتُ الفصل الأوّل من الرواية شعرتُ أنّني على موعد مع رواية مختلفة، وإن كانت تحكي عن المأساة السوريّة لكنّها ستكون مميّزة. ولكنّني مع مرور الفصول بدأت أشعر بالضجر. ربّما بسبب الروايات الكثيرة التي قرأتها عن تلك الحرب؟ لا أعلم.

بداية أحبّ أن أنوّه أنّ لغة «جان دوست» فوق الممتازة، لغة عذبة وسلسلة وأدبيّة، يتمخّض عنها تعبيرات وجُمل وصور بلاغيّة أكثر من رائعة وهذا يُحسب له بالطبع.
عندما كان الكاتب يتحدّث عن الجدّ الذي دخل الباص الأخضر بانتظار مغادرة حلب وكيف كان يتابع حركة السابلة بمشهديّة البلدة المدمّرة وكيف عاد بذاكرته إلى حادث حفيدته ميسون، شعرتُ أنّ هذه الرواية ستأخذني إلى عوالم رائعة، لكنّني وللأسف خاب ظنّي.

تقريبًا بعد الفصل الثالث تحوّلت الرواية إلى منشور معلّق إلى حائط، أو خبر صحافيّ مكرّر. لا يمكننا، من وجهة نظري، كتابة رواية عن الحرب بأسلوب نعي طوال الوقت حتّى لو كانت الرواية تحاكي مأساة الضحايا. لماذا جرت الحرب؟ ما هي أبعادها على الحياة اليوميّة؟ كيف كانت الحياة قبل وبعد تلك الحرب؟ كيف عاش أبناء هذا الرجل؟ كلّها أشياء مرّ عليها الكاتب مرورًا خجولًا دون أن يرضي فضولي.

هنا أودّ أن أقول إنّ جان دوست إنسان رائع لأنّه لم يهاجم فيلقًا واحدًا ولم يتّهم ويشنّع جبهة دون سواها من الجبهات المتحاربة كما فعل كلّ كتّاب سورية، بل لام الجميع... السلطة والجيش الحرّ وداعش والنصرة وجميع الفيالق المتحاربة، أميركا وروسيا والغرب برمّته وهذا موقف بطل لا بدّ من الإشادة به.

بالعودة إلى الرواية، لم أقتنع أبدًا بالطريقة التي مات بها أبناء بطل العمل، فواحد ترك سورية متّجهًا إلى اليونان عن طريق البحر، ورغم كلّ الأخطار التي يتكبّدها هؤلاء النازحون، قرّر الكاتب أن يقتل الشخصيّة بطريقة أضحكتني! صعد إلى ظهرالسفينة، داخ وسقط في البحر وغرق! وشقيقه ذهب ليقاتل في لبنان في معمعة الحرب الأهليّة ومذابح صبرا وشاتيلا كان جالسًا في الشرفة وأتته رصاصة طائشة وقتلته! أعلم تمامًا أنّ الحرب عبثيّة وأنّ هذه الامور قد تحصل، لكنّها رواية ونحن بحاجة لحدث... لتفاعل... برأيي كان هذا استسهال للتخلّص من الشخصيّات دون بذل جهد في رسمها بشكلٍ معقّد أكثر.

حتّى الفصل الذي يحكي به عن داعش وعن القاضي الداعشيّ الذي طلب من فرهاد أن يعاود قراره بخصوص نكص مبايعته للأمير الداعشي أتتني رتيبة. هل فعلًا سيتحدّث قاضي داعشي إلى مرتدّ ويطلب منه التراجع عن قراره؟ لا أعتقد.
 

سليم بطي – روائي لبناني

ثمّة بعض الأخطاء التاريخيّة في الرواية في ما يخصّ التدريب الشتوي في سورية ومستشفى القدس ومقتل أبو القعقاع عام 2007م وليس عام 2005م كما ذكرت الرواية.
لم أشعر أنّ الشخصيّات تطوّرت، ولم يكن ثمّة تفاعل حقيقي بينهم ولا صعود وهبوط في المسلك الروائيّ للعمل ما زاده جمودًا.

الفصل الأخير لم يعجبني أبدًا. كان مملّ ورتيب والمشهديّة التي قرّر الكاتب رسمها كانت ضعيفة جدًّا. وضع العائلة كلّها في باص وهمي وبدأ الأفراد الواحد بعد الآخر الجلوس عن يسار الأب وسرد ما مرّ بهم في خلال رحلاتهم إلى الموت! لا أعلم لكنّني لم أكن مستمتعًا بهذا الفصل ولم أشعر بقساوته. 

المأساة السوريّة أصبحت مُستهلَكة جدًّا والحديث عن معاناتهم لم يعد له تأثرًا كبيرًا كما في السابق.
أنهي مراجعتي بالقول إنّ جان دوست كاتب مميّز لكنّه وقع في فخّ الرواية السوريّة والتكرار وخطابات التعاطف التي ترثو ولا تعالج.

google-playkhamsatmostaqltradent