recent
جديدنا

حكاية سنة من كوباني ... " Dîroka salekê "

الصفحة الرئيسية


د. مصطفى محمود / خاص سبا

الحلقة الثالثة 
                                                                 Kobanî di 1954 de- dîroka salekê » 3 » 

كان بئر الماء يسبب لنا من حين لآخر بعض المنغصات ونقاش حاد بين الوالدين . البئر الذي بذل فيه الحفار جهدأ مضنياً بأدوات يدوية بسيطة . فكلما حفر ذراعاً ( المقياس الطولي الشائع حينذاك ) يترك حفرتين مستطيلتين صغيرتين وبعمق /١٠/ سم تقريباً على جانبي جدار البئر لتكون موطئ قدميه حين النزول والصعود . بيد أنهاً كانت تتحول أحياناً إلى مرتع للعصافير التي تبني أعشاشها في تلك الحفر . فعندما تفقس بيوضها وتخرج صغارها للطيران والخروج من أعشاشها ، تصادف أن تقع إحداها في البئر طافية على وجه الماء ، فنعرف من استنفار أمهاتهن، ومن ملء جو فوهة البئر زقزقة وصخباً غير معتادة بأن إحدى صغارهن قد وقعت وكأنهن تنادينا بإنقاذها .
وأحياناً كانت صغيرة العصفور تخرج ميتة مع دلو الماء الممتلئ لدى سحبها من البئر . ها هنا تقع الطامة الكبرى حيث توسخ ماء البئر شرعاً ولم يعد حلالاً للشرب والاستعمال إلا بعد تنظيفه حسب الأصول الشرعية بسحب عدد معين من دلاء الماء . فحسب الوالدة ومذهبها الحنفي تكفي /١٥/ دلواً ليعود الماء حلالاً، بينما الوالد الذي تبنى المذهب الشافعي عقب مجيئه إلى تلك الحارة ، يأمرنا أن نسحب /٢٥/ دلواً ممتلئاً دون نقصان حسب المذهب الشافعي، وحسب ما أوصاه صديقه ملا بشير الشافعي النقشبندي . كانت الوالدة تتذمر وتشكو بصوت خافت من تصرفات زوجها الذي ترك التقاليد الدينية القروية السهلة والمتسامحة من خلال المذهب الكوردي الحنفي ( هكذا كانت تعتقد ) وأخذ بتشريعات المذهب الشافعي المدني العروبي القاسي ، فتخاطب الوالد متذمرة : - لقد أهلكتني وأهلكت الأولاد!. لماذا كل هذا الجهد المتعب، وهذا الإسراف بسبب عصفورة بحجم ذبابة !؟. لتكن /٢٠/ دلوا رحمة بنا وخاصة الأولاد !. - لن أخالف في الله أمراً ، ولن أحيد عن شريعته.

إنني أشفق وأتأسف، لكن ليس في اليد حيلة، يجيب الوالد متأسفاً . يجلس الوالد القرفصاء وقد لف سيجارة من التبغ المهرب يستلذ بها أيما لذة ، ويحضر دفتره ليسجل عليها أعداد الدلاء المسحوبة واحدة فواحدة لكي لا نغلط ولا نناور، إلى أن تبلغ عدد الدلاء /٢٥/ دلواً ( وكان يأمرنا أحياناً بزيادة العدد إلى /٢٦/ دلواً لتعويض ما قد أنسكب من المياه أثناء السحب ). بعد أن نطبق شرع الله ، ننطرح أرضاً من الإعياء ولا ننهض إلا بعد حين ( كنت مكلفاً بإيصال السطول الفارغة ). عندما كبرت ووصلت سن المراهقة ، تذكرت حادثة البئر فسألت بكل عفوية أحد أبناء الشيخ قائلاً : - ألا يجوز أن ينتمي المسلم إلى مذهبين بآن واحد ؟!. - لا يجوز قطعياً ... أجاب مستغرباً من هذا السؤال السخيف، مما تركني مذهولاً، أقول في نفسي : ما هذا التناقض الرهيب ؟!. المذاهب الأربعة معترفة بها إسلامياً !. ورغم ذلك عليك باختيار مذهب واحد فحسب، في حين كان الإسلام في عهد الرسول وما بعده إلى /١٥٠/ عاماً ، إسلاماً واحداً دون مذاهب ، ودون طرائق دينية ...

 الحلقة الرابعة 

Kobanî di 1954 de- dîroka salekê » 4 » 

أتخيلُ، بل أتذكر كوباني عام ١٩٥٤، لم تكن قرية ولم تكن مدينة ( قبل أن تنضم إليها : مرشد پينار - كانيا عربان - مكتلة ) . تحد غرب المدينة بساتين وحدائق غناء إلى ضفاف نبع مرشد ( مرشد پينار ) الذي تحول إلى بحيرة دائرية صغيرة ترتادها الأهالي صيفاً للتنزه والسباحة .
ومن ذلك النبع يتمدد نهير صغير كثعبان ضخم باتجاه الشرق يسقي البساتين والحدائق التي تتموضع على جانبي ضفتيه، حتى وصوله غرب سوق المدينة حيث ينحني إجلالاً للجسر المشيد فوقه، هذا الجسر الذي شيد بأمر من أول رئيس للبلدية منتصف الثلاثينيات من القرن المنصرم، وهو " بوزان شاهين بك .
عقب اجتيازه الجسر، يتدلل النهير بغنج لبلوغه فناء الجامع الكبير ( جامع مفتي المدينة الملا مسلم ) من الجهة الشمالية حيث يستفيد المصلون من مياهه الجارية النظيفة للتوضأ . لا يعرف هذا النهير التوقف أو الاستراحة حيث يسير بين المساحات الخضراء إلى حين وصوله ( بمحاذاة خط القطار التركي ) القرى الشرقية الشمالية حيث يوزع ما في جعبته من المياه بكرم باذخ ثم يتوقف وهو يسكب ما تبقى من دموعه في المساحات المجاورة، عن فرح ، وربما عن حزن . وقد أسس أحد الأرمن البيسيين ( عڤدو كوكو ) طاحونة مائية في موقع منحدر للنهير خارج المدينة وسط المساحات الخضراء ( في كوباني آنذاك ، عندما تجول أنظارك بين شمال المدينة وشرقها بالإضافة إلى غربها تصطدمك المساحات الخضراء بكل تفاصيلها ، وكأنها غوطة فيحاء ) عرف بين الأهالي بـ" طاحونة البقر "  غرباً تبدأ بعض المباني الحكومية المواجهة للبوابة التركية : المركز الثقافي ( الذي كان في بداية إنشاءه ، في الربع الأول من القرن المنصرم مرقصاً وملهاً ليلياً شيدها أحد الأرمن المهاجرين للترفيه عن الجنود الفرنسيين والميليشيات المحلية المرتبطة بهم ) . تعلو المركز الثقافي " مركز البريد والبرق والهاتف " . والى الشمال من هذه المراكز تظهر آثار قلعة طينية متهدمة ( وربما مرصد عسكري ) لم تبق منها سوى بعضاً من جدرانها السميكة . نتجه جنوباً فنصطدم بجامع طيني تهدم بعض جدرانها الخارجية والداخلية، بالكاد تصلح لأداء الصلاة فيه ، ورغم ذلك كان مرتاداً من بعض المصلين ( لإيمانهم بأنه يستحيل انهيار بيت الله فوق رؤوسهم ) إلى أن أنهارَ في إحدى أيام الشتاء حيث هطل المطر مدراراً لثلاثة أيام متتالية، فأصبح أثراً بعد عين ( عزا الأهالي انهيار الجامع إلى غضب الله لاقتراف المسلمين معاصي كثيرة )....



القطار قيد الإنشاء  –  مطلع القرن العشرين "كوباني"



الحلقة الخامسة 

                                                                 Kobanî di 1954 de- dîroka salekê » 5 » 

يجب أن نتذكر أطراف ذلك الجامع الطيني بساحته التي تشتهر بمياه بئرها الصافية، الباردة صيفاً والمعتدلة شتاءً ( يظهر أن الساحة ومبانيها التجارية والدينية بالإضافة إلى المباني الرسمية الواقعة على شمالها، كانت مركز اً للمدينة في بداية إنشاءها) ذلك البئر الذي يواجه محل الأقمشة العائدة للأرمني " كرابيت خجادوريان" الذي يبيع الأقمشة لأهالي المنطقة بأسعار أقل قليلا من أسعار زملاء المهنة مما أكسبه الشهرة وتزاحم الزبائن .
على هذه الساحة ، يقع فندقان طينيان ( لم أدخلهما )لمستثمران أرمنيان ، احدهما: فندق " الأمة" والآخر " الكواكب "، يتفرع من هذه الساحة باتجاه الشرق شارع مرصوف بالأحجار البازلتية مربعة الشكل، حيث يقابلنا في الزاوية الجنوبية للشارع مقهى الأرمني " گارمن "، النظيف والأنيق والمريح ، يمتاز بجنينته الصغيرة، وبوجبات الحمص ( التي لم تكن معروفة لدى معظم الأهالي حينذاك ) التي يقدمها الگرسون الأنيق " ساكو " للزبائن، وأحياناً يقدم البيرة الباردة حسب الطلب.
في مقابل هذا المقهى والى الشرق قليلاً تقع مقهى " فتاح " بكراسيها الخيزرانية وطاولاتها الخشبية الرديئة ، والذي تحول الى مرتع للقمار ( كان القمار شائعاً آنذاك)  
 إلى الشرق من هذا المقهى يقع مخزن الأرمني سركيس بوغوسيان، الأنيق بلباسه ومخزنه الذي يلبي احتياجات أصحاب الذوق الرفيع كـ: الساعات اليدوية، أقلام الحبر بشتى أنواعها ( أشهرها ماركتا ستيلو وپاركر التي تصل أسعارها إلى خمسة ليرات سورية )، العرق والبيرة، والويسكي الذي لم يكن معروفا لدى أغلب الأهالي، أوراق اللعب، مجوهرات تقليدية، مصوغات ذهبية، ألبسة داخلية...، كدت أن أنسى دار السينما الطيني الذي يقع شمال مقهى " فتاح " والذي كان يقدم في بدايته أفلاماً غير ملونة، عربية عاطفية، وأجنبية ( هرقل وما شابه)
  لقد تناوب على استثمار هذا الدار شخصيات مختلفة من الأرمن في البداية، ثم شخصيات محلية كـ : حسن مسلم- عبد القادر قطوان ،... كان أشهر من لفت نظري هو كادر هذا السينما، الأحدب طانوس ( لقبه وليس إسمه الحقيقي ) البيسكي حيث يحمل مع أحد مساعديه لوحات دعاية الأفلام يتجولان بها في سوق المدينة ، وأحياناً في أزقة وشوارع المدينة ( رغم عاهته ، كان يلعب مهاجماً ضمن إحدى الفرق المحلية ).
نسير في هذا الشارع شرقاً ، والذي تتموضع على جانبيه دكاكين متواضعة وأشهرها دكان القصاب الأرمني الملقب ب"ته ق توق " ومساعده أحمد البيسكي ( كان قصاباً ومطعماً في آن واحد رغم مساحتها التي لا تتجاوز /١٥/ م٢، بطاولة واحدة و/٤-٥/ كراسي وستارة قماشية تحجب الزبائن عن المارة ). 
ها قد وصلنا إلى محل السرياني سعيد قرياقوس الذي يقع في الزاوية الشرقية الجنوبية للشارع لم يكن طول الشارع يتجاوز ( ٥٥ - ٦٠) متراً ، والذي يمتاز بقطع الغيار للدراجات ، وببعض الخردوات ....  
google-playkhamsatmostaqltradent