recent
جديدنا

ربع ساعة

الصفحة الرئيسية


نارين عمر 


  لمستَ ورقة غافية في جيب قميصكَ الأبيض، عطّرته ببعض من همساتك، دسّسته بين راحتيّ: “إذا متّ، فلتكوني بخير، أخبري أمّي أنّي كنت أحبّها”.
حتّى في مسألة الموت والحياة كنتَ تشبهني، الموت حقّ إن كانت الحياة تكتم علينا أنفاس شهيقها وزفيرها، لا خوف منه إن كان هو الزّائرُ الأخير والحتميّ لمنافذ روحنا.

  لازمك صمت وحيرة والباب المنبسط على شقّه الأيسر يرسم لقاء جُبِل من غبار غياب طال مداه:
أما زلت تعصرني غنيمة في عمق الخطايا؟
أما تزال تصوّب رشّاش نقمتك صوب شموع ذكرياتنا المحفورة في ذهن شعوري المسعود؟ لا، لا ربّما هو فكري المعتلّ بهوس التّشويش؟

نعم، هو القدر المنبثق من قبّة السّماء يرسم خطّين متلازمين يصلان بصيرة قلبك ببصيرتي، ولّدا لقاءً صيّر صمتكَ إلى حديث مغموس في دنّ خمر توارثه النّاس من عهد العشق البدائيّ.

حديثك المهووس جعل “أناهيتا” تلبسني تاج عشقها الذي لم تهبه لأحد:
“دعينا نهجر خيمة العتاب! دعينا نسرح مفردات بيضاء في مرعى الصّراحة، نروي قانوناً هادئاً في رغبة الأنا. تعالي نساهم في رفرفة هلال توحدّنا، وبدرُنا يحتفي بالمدعوين  على شرف التّوحّد”.
  أنت تشبهني في خطوط الحياة الطّوليّة والعرضيّة، في أنفاس العمر العاموديّة والأفقيّة تشابهاً يصبّ في منبع التّطابق البهيّ الذي لا انحراف فيه ولا ميَلان.

في تلك المكتبة الطّويلة كبالك، الضيّقة عرضاً كقرارنا الآتي من وكر النّدم الذي جعلنا ألحان ندم يدندنها التّائهون مثلنا في دروب توبة لم تعد صالحة الاستخدام. أتلفت كلمات كعادتك في إتلاف الكلام في دنّ البسمة لتكون جواز َمرورك إلى خانة صداقة الآخرين:
“إذاً اخترت القسم الذي لا يلجه إلا المغضوبين عليهم؟ بعد سنوات عشر مضافاً إليها سنة أو أكثر كبيسة قد يتراءى لك طيف التّخرّج الذي قد لا يكون في نهايته إلا سراباً مفتول العضلات”. قلتها لي دون أن تدري أنّك حسناً فعلت في انتقاء تلك الطّلقات الرّشاشة من منطقك الرّشاش في هيئة ابتسامات تتبنّى وليد السّخريّة، ذلك المولود الذي ودّع رحم شفتيك، ليخلّفَ في نفسيَ توءمه المسمّى فيما بعد “العناد” يصول ويجول في الرّحم، وفيه يُلهَم ببشارة التّخرّج التي لم تتجاوز سنواتها الخمس.

في كلّ زيارة لنا كنت تدير رادار ابتسامتك في اتجاه معيّن:
“مكوثي هنا في مدينتِكم عمره ساعة واحدة، ربع ساعة هبة لك لوجه صداقتنا”، وأنت القرويّ الخجول، البسيط إلى حدّ السّذاجة، الواضح كإشراقة لقاءاتنا في نضارة الشّباب.  تعتلي جناحي سيّارة وحيدة تقلّكم من طرقات قريتكم النّائية، المتعرّجة في دروب بعيدة المنال والمدى، تمهلكم إلى وقت الظّهيرة لتعودوا إليها محمّلين بما تنضح به المدينة من بضائعها الزّاهية كزهو طموحاتنا.

ربع ساعة كانت تسترسل في زمنها، تتجاوز الزّمان بأضعافٍ، تنظر إلى ساعتك، تجد تناوب عقاربها قد تجاوز الأربع ساعات، تتظاهر بالتّأخير، تتحايل على العقارب لتريك الرّبع، أشاطرك ابتسامة من خمّ بسمتك تهزّ الرّأس إيذاناً بالصّمت.
  ما أزال أستبدل أقلاماً ودفاتر بأخرى، أمهر عليها كلّ العمليّاتِ الحسابيّة عن أسبابِ ثقتي بصداقتك التي جعلتني أراك الصّديق الصّدوق، بل أدحض يقينَ مَنْ جعل “الخلّ الوفيّ” لقيطاً عُثِر عليه في غياهب المستحيلات.

كنت أغزل من قرويّتك خصلات البساطة أداوي بها عقد الحاضر ومن خجلك الطّاغي على جرأة تحاول تثبيت دعائمها أحيك رداء يقيني قشعريرة الزّمن، ومن مجرّة طموحي كنت ألهمك نجوماً تنير دروب طموحِك إلى غد نريده نيّراً.
  كانت تلك الحافلات الكبيرة تستأنس بحديثنا القوس قزحيّ الهامس كلّما كانت الامتحانات تقبّل جبين الجامعة، فتتراءى لها الطّرقات الرّابطة بين مدينتي والعاصمة بمئات الكيلومترات كطريق مزركش ببساط أحمر يتأهّب لاستقبال زعماء العالم في احتفال كرنفاليّ الحسّ والفكر.

مرّة كادت العجلات تخون إحداها حين أفلتت منها كما تفلت الرّوح من الجسد في غفلة منّا لولا حنكة السّائق الذي أبهر الملك، فكافأه ووهبنا أنفاس حياة متجدّدة بها نعلّق خيطان أمانينا في شجرة الأمنيات التي تتباهى بحضورها في مكان يتبع مدينتنا بقبلات. كلّ مَنْ في الحافلةِ تمتم بصلوات الخلاص، هلّل، كبّر، صلّب وصرخاتهم مشفوعة بالتّرجي والتّوسّل وكأنّ يوم الحشر ينفخ في مزاميره. وحدك وأنا بقينا ننثر كلماتنا في ذاكرة حديث لا تتلذّذ له النّهايات وكأنّنا لا ننتمي إلى هؤلاء! كأنّ حافلة غيرها تجرّنا على أقدامها، ما حدا ببعض الرّكاب إلى التّساؤل الموبوء بالدّهشة: “هل أصابكم صمم، أم بكم عمى بصر وسمع؟”
  ينبتُ الشّبه الأكثر خصوبة بيننا في سهول الكلمة والفكر حين يعطّرهما القلم برضابه المنبثق من الحسّ والوجدان والذي لا رضاب يشبهه في الدّال والمدلول. القلم الذي كنت أستلذّه توءمك الصّديق الصّدوق، فكنّا ثلاثيّاً لا يُربَّع؛ صديق ما يزال ينعشني بنسغ عمر يتأثّرُ بظلام الوجود وظلاميّته حيناً على الرّغم من هجرك لقدسيّة ثالوثنا إلى دروب ظننت فيها اكسير السّعد والسّعاد، لكنّها أنهكتك في تعرّجاتها ومستنقعاتها الغافية في متاهات لا صوت فيها، وما تزال تلفّ في زوبعة “دونكيشوت” تنثر على ضجيج طواحينه أحلامك وأمجادك الهوائيّة.

google-playkhamsatmostaqltradent