كوباني لقطة... مشهد!

 


حسين محمد علي

 

لقطة

لا تتحرك الأحجار إلا ريثما يرحل الناس

إنني آتٍ من الموت الذي يأتي غداً .. آت من الموت البعيد

ومنه أختتم سيرتي لأبدأ من جديد

 

الذين رحلوا ما كانوا مجرّد صور وكتابات على الماء ! ما كانوا فقط أسماء ! ما كانوا فقط أعماراً انقضت ! بل كانوا أقداراً ومصائرَ، هم أدوار في مسرحية الحياة كما قال شكسبير قبل قرون أربعة. المسرحية التي لا تنتهي فصولاً ومشاهدة هي الدائرة التي لا بدء لها ولا نهاية لها، كل نقطة ككل نقطة، مملكة الموتى تغذيها مملكة الأحياء ! هذا هو قانون الوجود القاسي .

كلّ المقابر في هذا العالم تزداد سكاناً ويكثر نزلاؤها إلا مقبرة الأرمن هي أيضاً مطاردة بلعنة الرحيل من هجرة لأخرى في حركة عبثية وملهاة من الكوميديا السوداء، كأنما كُتب على هذا الشعب الممتحن بالألم والوجع أن يبني للخراب ويُولَد للموت في أصقاع هذا العالم؛ لينتهي إلى اليباب بكلمات الشاعر العربي ) أبو العتاهية( .

مقبرة الأرمن الأولى كانت تقع في موقع بيت ) مصطفى درويش (، شاهدت بقاياها، كنا نرتادها صغاراً، نقصد شجرة توت ضخمة في أبهائها لنتأرجح عليها، تحتها حجر كبير منحوت على شكل مكعب مستطيل منحوت عليه الصليب وحروف بالأرمنية حائلة ومتآكلة.

في الموقع عدد آخر من تلك الحجارة هي ما تبقّى منهم، لا أدري لماذا تُركت وأُهملت وهجرها الأرمن إلى مقبرة أخرى؟! كانت تقابل جنوباً المدرسة الريفية، حينها كنتُ وأقراني في المدرسة، يتبعنا الفضول إلى مشاهدة مراسم دفن موتاهم بكثير من الرهبة والخشوع والشدّة.  هذه المقبرة أصبحت بعد هجرة الأرمن 1965 نهباً من جوارها كبيت ( حج غني ومصطفى شكو وبيت عالدمر( . 

مقابر الأرمن كانت متميزة بالأبهة، وتبدو عليها علائم الترف، ولكل قبر حجر كبير منحوت عليه الصليب ومحفور عليه اسم الميت، كنا نعدو إليها من المدرسة حين يأتي الأرمن لتكريم موتاهم وأداء الصلوات لراحة أرواحهم ويحرقون البخور في طقس مهيب وسط  كآبة الشتاء وتمتمات القسيس الغريبة، ونحن ليس لنا إلا التأمل والانتظار وتوزيع كعك العيد الطيب وابتسامات خبيثة خجولة .

ولا أخفي أنهم كانوا مميزين عنّا بالمظاهر والطعام واللباس والكعك الأطيب من كعكنا القاسي؛ بسبب فقرنا وقلة خبرتنا وبخل أمهاتنا بالسمن. وحين أُزيلت المقبرة من الوجود بقي بعض الأرمن حائرين في دفن موتاهم ، ولم يبقَ لهم إلا التوجُّه لجبل مشته النور ؛ هناك قبور عزلاء تقف في مهبّ الريح والفراغ، وقد دُفن هناك خمسة مــن بيت )شهانو(  المعمرجي، وكان هو واحداً من المدفونين في ذاك العراء الموحش .

أمّا مقبرتنا نحن - الكرد - فكانت تطلّ من الجنوب على بحيرة الكولة ،  لم تكن مترفة باذخة، وكانت شواهدها منحوتةً بكلمة الفاتحة واسم المتوفّي بقلم رديء، ربما يعود الأمر إلى قناعات دينية تقول بعدم الاهتمام بالقبور، فخير القبور الدوارس كما في الحديث الشريف .

  أذكر من قيمنا الاجتماعية احترام الميت وحرمته؛ فحين تمرّ الجنازة كان الناس يقفون احتراماً مهما كان جنس المُتوفّى ودينه، والنعش يُحمل على الأكتاف سيراً على الأقدام، تلك المقبرة أُزِيلت أيضاً في حمَى التوسع السكاني، وحُدِّد موقع آخر لبعض الوقت على مدخل الطريق لــــ ( ميناس ) قريباً من مكتب الحبوب ، لكن الموقع أُبدِل بسبب قسوة الأرض وصخريتها ، فتحوّلت إلى موقع آخر إلى سهل رخوٍ هشٍّ ، هبةً من ( حج شكري من آل بوزان عزيز ) من قرية ( تيرمك بيجان. (


موقف

طوبى للرجال الذين امتشقوا مصابيح النور في وجه العتمة!

  في تلك السنين من منتصف الخمسينات كانت رحلتنا اليومية إلى المدرسة والبيوت والسوق عبر شوارع البلدة الموحلة المعتمة يلفُّها الظلام الثقيل، وحدهم حرّاس الحارات يعلنون عن وجودهم بسعالهم الجافّ وصفاراتهم المبحوحة . ومن الحرّاس أذكر منهم ( حمو جمه  وأسود وعبدكي عرب  ومصطفى . ( كان هؤلاء الحرّاس بثيابهم العسكرية السميكة يسهرون الليل، ويشرفون على إشعال مصابيح النفط  "الكاز " المثبتة على جدران بيوت الوجهــاء كالمصباح الذي رأيته على حائط بيت ( حبش زينه ) الذي كان عضواً في البلدية، وفي بحار الظلمة والطين كنا نحمل فوانيسنا الألمانية المضادّة للريح ، ونحن نتلمّس طريقنا ذاهبين أو عائدين من السهرات في بيوت المعارف الملأى بالدفء والطيبة وبأحاديث العشيات وفرقعة حبات الذرى وحكايا الجن والغِيلان التي لا تنتهي  .

 

  حينها كان للحزب الشيوعي حضوره في أوساط الأرمن وبعض المثقّفين الأكراد ممّن نالوا قسطاً من التعليم بمعايير ذلك العهد كشهادة " السرتفيكا"  ؛ أي المرحلة الابتدائية وكانت للصف الخامس ، ولم تكن الابتدائية قد أُحدثت بعدُ. وبمبادرة من الشيوعيين وفي إطار حملة جماهيرية حماسية دعا الحزب إلى تنظيم مظاهرة شعبية تطالب بتأمين الكهرباء للبلدة وتنويرها، وقاد الناسَ شخصية شعبية تميّزت بالشجاعة وحضور شعبي؛ هو الشيوعي المزمن ( عثمان شيخ خضر ) ابن قرية " قره حلنج"  إلى جانب ) أبي نهرو وسركيس كوسيان ( وغيرهم، وفي السوق طالبوا بإغلاق الدكاكين والخروج للسراي  قاصدين مدير المنطقة والحكومة، وكان يُسمّى قائم مقام. كانت المظاهرة حاشدة، وقلّة هم الذين لم يستجيبوا، منهم ) حبش إسماعيل ( وبعض المحسوبين على حزب الطاشناق كــ ( أدوست  وسركيس بوغصيان ( لا لشيء سوى لأن الشيوعيين هم وراء ذلك، وقد اندفع (عثمان شيخ خضر (في فورة الغضب، وأغلق باب الدكاكين عليهم وهم بداخلها!

 

  أمام السراي خرج ) القائم مقام(  متفهماً، وضمّ صوته إليهم، وكان المطلب هو ماذا تريدون ؟  نريد الكهرباء ….. وهكذا كان .

وعلى جناح السرعة استجابت الحكومة، وأُنشِئت محطّة الكهرباء، وجيء بمحركين إنكليزيين هائلين مع تجهيزات فنية وبناء وحوضين لتجميع المياه وأعمدة وأكبال، وأُنيرت كوباني ( عام 1957 م ) . وقد أشرف على المحطّة ( محمود قاسو ) ؛ وهي قائمة إلى اليوم رغم التغيّر الكبير الذي حصل للشبكة . والحق أنّ تمديد الكهرباء للبيوت كان بطيئاً نسبياً ؛ لأن الوعي المدني كان ضعيفاً . وفيما بعد تمّ تمديد شبكة المياه وأول خزّان للماء هو المقام اليوم أمام المخفر ، ولم يكن الإقبال كبيراً على مياه الشبكة ؛ لأن الآبار في البيوت كانت طافحة بالعذب الزلال .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملحمة فرهاد وشيرين

ما معنى الوجود يسبِق الماهية؟ وهل الإنسان حرٌّ في أفعاله؟

نظرية العقد الاجتماعي عند جون لوك