الدين بين الأسطورة والحقيقة: إضاءات على الفصول

  

جان بابیر

 

صدر كتاب الدين بين الأسطورة والحقيقة للكاتب محمد شيخو عن دار آفا للنشر والتوزيع، الكتاب يقع في 212 صفحة من القطع المتوسط، فيه أربعة عشر فصلا وعنوانا، يتناول كل عنوان فرعي للفصل موضوعاً بحد ذاته، يتشعب يضيق ويتسع حسب ما اقتضاه الكاتب من رؤية وتحليل ومقارنات.

 

كتابٌ بحثي لا يخلو من المجازفة والمغامرة، لكن الكاتب اجتهد ما استطاع من خلال اعتماده على أكثر من ستين مرجعاً ومصدراً، الكتاب يمجد العقل ويبحث بموضوعية مجردة من العاطفة في الأساطير الدينية،  خارجاً على الأطر الجاهزة والتفكير النمطي، ليحكم ويحاكم الدين والمطلق بالوعي.

 

بجرأة يطرق باب التابو والمحرم سائراً على درب من سبقوه في هذا المنوال، يخوض في حقل مسيج بالألغام والممنوعات كما الرصافي ، والقمني  وغيرهم، لكن ما يميز هذا الكتاب هو الرؤية الواضحة البعيدة عن التعقيدات الفلسفية والضبابية، وتنوع موضوعاته ، ورفضه للموروث الديني الذي يقيد العقل ويمنع عنه التفكير المنطقي.

 

بفكرٍ جريء يحاول الكاتب إيجاد تفسير للأسئلة الملحة التي كانت وما زالت تقتحم عقل كل إنسان مصاب بداء القلق النبيل، بغض النظر إن كنت تتماهى مع رؤية الكاتب أم تقف على الطرف النقيض سيضعك الكتاب أمام مفارقات تحرك المياه المقدسة التي يراها البعض ماء زلالاً  مطمئنين إلى الأديان السماوية.

 

في هذا الكتاب لا شيء سماوي، وإنما هو وضعي أسس له أناس مثلنا، وبناء عليه يحق لنا أن تكون لنا مقارباتنا المختلفة ما يشغل بال الكاتب حقا هو التاريخ وضرورة البحث فيه بجرأة وموضوعية بعيدة عن وهم القداسة المزعومة في محاولة منه إيقاظ الوعي والتفكير المنطقي، للوقوف بكل شجاعة أمام هذه المنظومة الدينية المتوارثة.

 

ينتقل الكاتب محمد شيخو من فصل لآخر برشاقة، يقف بعقل باحث على التشوهات والخرافات، لكي يأخذ العقل دوره المنسي، ويفكر باستقلالية بعيداً عن التناقل والتلقين والتوارث، ما دونه ليس بجديد فقد خاض باحثون كثر هذا المعترك، إن موضوع الدين موضوع شائك يثير الجدل وفيه آراء ورؤى مختلفة منها  الميثولوجي والعرفاني والفلسفي....

 

وهذا الكتاب يخضع ما تطرق إليه من مواضيع إلى حكمة العقل وحقيقة التاريخ. أنا هنا لا أقوم بدراسة نقدية لتشريح الكتاب وتفكيكه، بل أحاول أن أكتب قراءتي وانطباعي عنه، وأفتح مساحة للقراءة والتفكير لنخرج من جبة الأجداد الذين كانوا أقل وعياً ومعرفة وحضارة منا.

 

الفصل الأول: في البدء كان الحلم والخوف

افتتح كتابه بهذا العنوان ، وتطرق فيه إلى القاسم المشترك بين جميع الشعوب /الدين/، مستشهداً بمن سبقوه في هذا الحقل، عائداً للطفولة البشرية المبكرة التي لم تعرف في بدايتها الإله ولم تعبده ، وإنما عبدت النار والحيوانات المفترسة والمرأة.

 

الفصل الثاني: إضاءة نفسية على الدين والنبوة

في هذا الفصل استند الكاتب على الدراسات النفسية بشكل عام والتحليل النفسي بشكل خاص، وقسم العقل البشري إلى الشعور واللاشعور ، واستشهد بفرويد ويونغ  اللذين أكدا أن الدين اضطراب وعصاب  تعاني منه البشرية، ثم تناول شخصية النبي محمد بالتحليل النفسي.

 

الفصل الثالث: أنبياء آخرون ولكن!

لا شك أن الجزيرة العربية كان فيها كم لا يستهان به من  الأحناف الذين عاشوا قبل الإسلام بفترة وجيزة قرب الكعبة والتزموا بالصوم واختتنوا واغتسلوا من الجنابة وكانت القضايا التي يطرحونها تتقاطع وتتشابه إلى حد كبير مع نصوص القرآن، ومن أشهرهم زهير بن أبي سلمى وقس بن ساعدة الأيادي وأمية بن أبي الصلت القرشي.... في هذا الفصل إضاءة على استفادة الدعوة السماوية من هؤلاء الأرضيين.

 

الفصل الرابع: غسيل الدماغ والدين

في هذا الفصل يتطرق الكاتب إلى عملية غسل الدماغ عبر التاريخ ، ويورد أمثلة كثيرة عن المجموعات البشرية التي تعرضت لغسيل الدماغ، بهدف  السيطرة عليها وإبقائها خاضعة ومستعدة لتنفيذ الأوامر. ثم يربط الكاتب بين هذه الحقيقة وما يقوم به رجال الدين  من غسل لأدمغة الناس وتخديرهم بالنعيم والجنة الموعودة بغية إبقاء الناس خاضعين لسلطتهم .

 

الفصل الخامس: الإسلام بين مثالية السماء وواقعية الأرض

يبحث الكاتب في هذا الفصل في سياسة محمد في مكة يوم كان ضعيفا، وفي المدينة يوم أصبح قوياً، كما يدرس  الآيات المكية المنسوخة والمدنية الناسخة، وكيفية انتقال محمد من سياسة اللين في مكة إلى سياسة السيف في المدينة وأسباب ذلك الانتقال وظروفه ونتائجه.

 

الفصل السادس: الإسلام والتاريخ

هذا الفصل يتناول تاريخ الإسلام ويتحرى الحقائق، ويبين التشويه الذي طال التاريخ، يظهر في هذا الفصل المغالطات التاريخية في القرآن بشكل جلي، ويوضح المؤلف أسباب وقوع القرآن في هذه الأخطاء، كما يعدد المؤلف في هذا الفصل أيضا مصادر القرآن وكيفية اقتباسه من الأديان التي سبقته كالزرادشتية واليهودية والمسيحية.

 

الفصل السابع: العلم والدين وئام أم خصام

يتوقف المؤلف في هذا الفصل على الصراع القديم الجديد بين العلم والدين ، بين اللاهوت الغيبي والعلم التجريبي . 

 

الفصل الثامن: الدين في ميزان الأخلاق

يسلط هذا الفصل الضوء على العلاقة بين الدين والأخلاق، ويصل إلى نتيجة مفادها أن الأخلاق سبقت في ظهورها الأديان،وأن الأخلاق الدينية نفعية تنبع من الخوف من العقاب والطمع بالثواب، وبهذا تتجرد من السمو والنبل. وفي هذا الفصل أيضا دراسة أخلاقية لبعض الآيات القرآنية.

 

الفصل التاسع: اللغة العربية تستجوب القرآن

في هذا الفصل بيان لبعض الأخطاء اللغوية والضعف البلاغي في بعض نصوص القرآن، وكشفٌ لوهم الإعجاز الذي يدعيه رجال الدين.

 

الفصل العاشر: سياسة النسخ

هذا الفصل يتناول المؤلف الناسخ والمنسوخ والآيات التي تتعارض في ما بينها ، ويقف على القرآن ( المكي والمدني) والآيات التي طالها التحريف والتغيير.... كما يتناول أسباب النسخ ودوافعه الحقيقية.

 

الفصل الحادي عشر: فتح أم احتلال

يشير الكاتب في العناوين الفرعية المتفرقة في هذا الفصل إلى الغزو الإسلامي للبلدان الأخرى، وانطلاقة الجيوش الإسلامية  من شبه الجزيرة العربية بداية إلى الشام ومصر والعراق وبلاد فارس وبلاد الكرد حتى الوصول إلى السند وطاجيكستان، وما أسفرت عنه تلك الغزوات من نشوء إمبراطورية عربية عظمى، ولا ينسى الكاتب أن يشير إلى ما ارتكبه المسلمون الغزاة من جرائم بحق الشعوب المغلوبة.

 

الفصل الثاني عشر: ماذا قدم الدين للبشر؟

وفيه بيان لما نتج عن الدين من مساوئ وأضرار وحروب كانت وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا.

 

الفصل الثالث عشر: وقفة مع بعض الصحابة والخلفاء

في هذا الفصل وقفة موضوعية بعيدة عن العاطفة والتعصب الأعمى لشخصيات اعتبرناها عظيمة ومقدسة وما قامت به من تجاوزات وانتهاكات لا مبرر لها كخالد بن الوليد وعبد الله بن عباس وعائشة وعثمان.... والقائمة تطول.

 

الفصل الرابع عشر: الكرد والأديان

ينتهي الكتاب مع التوقف على تاريخ الكرد الديني .... وصولا إلى المحطة الأخيرة الإسلام ، ويبحث دون إطالة في حال الكرد تحت ظل الإسلام.. في العصر العباسي، العصر البويهي والسلجوقي ، في العهد الأيوبي ،  في العهد العثماني والصفوي. ويبرز الكاتب ما قدمه الكرد للإسلام وما جنوه منه.

 

في النهاية أتمنى أني استطعت أن القي الضوء على هذا الكتاب القيم الذي هو بحق ثورة واعية على  المعتقدات الموروثة المكتسبة بالتلقين والتكرار والخروج من دائرة الأساطير، ودعوة صريحة إلى إعادة النظر في التاريخ وما فيه من دروس وعبر.... وإيمان بقدرة الإنسان على صناعة غد أجمل، يحل فيه الوئام بدلا من الخصام، ويسود فيه العقل إماماً والخلق النبيل قائداً لسفينة البشر إلى بر الأمان.

 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملحمة فرهاد وشيرين

ما معنى الوجود يسبِق الماهية؟ وهل الإنسان حرٌّ في أفعاله؟

نظرية العقد الاجتماعي عند جون لوك