recent
جديدنا

حنين الصايغ لموقع سبا: الصمت هو العودة للذات (1)



حاورها: إدريس سالم

 

الكتابة حالة/ حاجة وجوديّة يخلقها الإنسان في داخله؛ ليكون إنساناً، يدرك/ يمارس إنسانيّته المطلقة والحقيقيّة، فاستخدم قديماً كينونة الطين، ووصلات جلود الحيوانات، ومن ثم الأوراق والأقلام والأحبار، وكان الجدار الطينيّ أو الرمليّ أو الصخريّ أو المعدنيّ أو الشجريّ، هو الصفحة التي يخطّه عليها حروف الكلام المكتوب والمدوّن عليها، لتغطّي جُلّ وجوده، الداخليّ والخارجيّ، الذاتيّ والموضوعيّ.

أما الكتابة بفعلها الأنثويّ هو تجربة حضاريّة وفكريّة عميقة، تتطلّب إصغاء؛ لدهشتها وحيرتها، وباعتبار المرأة/ الأنثى الصوت المغيب تاريخيّاً.

 

حنين الصايغ، شاعرة لبنانيّة، (مواليد جبل لبنان، 1986م)، حاصلة على إجازة في اللغة الإنكليزيّة وآدابها، وشهادة ماجستير في تدريس مناهج اللغة الإنكليزيّة من الجامعة الأميركيّة في بيروت. صدرت لها ثلاث مجموعات شعريّة: «فليكن – عن الدار العربيّة للعلوم ناشرون/ 2016م»، «روح قديمة – دار فضاءات للنشر والتوزيع/ 2018م»، و«منارات لتضليل الوقت» الصادرة حديثاً عن دار النهضة العربيّة في بيروت. تعمل الصايغ الحائزة على جائزة ناجي نعمان الأدبيّة عام 2018م عن مجموعتها «روح قديمة» في التدريس والترجمة الأدبية.

 

تتميّز «منارات لتضليل الوقت» بغرائبيّة خياليّة مشحونة بصور سرياليّة، وكأننا أمام مخلوقات، غير مألوفة بماهيّتها، إلا أنها غرائبيّة زاخرة بدهشتها وصادمة بدفقاتها الشعوريّة واللاشعوريّة، ووفيّة لحرّيّة تعبيرها، نحو رمزيّة سهلة وممتنعة في آن واحد، تطبع اللغة بصورها السامية ورؤيتها الشعريّة، لتنحت ملامحها الخاصّة كامرأة وشاعرة داخل متون الشعر، برغبة قويّة في توطين اللحظة الهاربة، أو توثيقها ببناء دلالات الصور وإشاراتها.

وحول مجموعتها الأخيرة، أجرى موقع «سبا» الثقافي معها هذا الحوار:

 

·       يقول فرانز كافكا: «إنني أكتب بطريقة مختلفة عمّا أتكلّم، وأتكلّم بطريقة مختلفة عمّا أفكّر، وأفكّر بطريقة مختلفة عمّا يجب أن أفكّر، وهذا كلّه يقود إلى قلب الظلمات يوميّاً».

ما الذي يثير/ يستفزّ كينونة حنين الصايغ، فيجعلها تمارس فعل الكتابة؟ وأين هي من كلام كافكا؟

التفكّك الذي يتحدّث عنه كافكا يضع الإنسان في صراع دائم مع الوجود. فالإنسان يتحدّث عن أهمية الحبّ والتسامح والرضا، ثم يحقد على زملائه، أو جيرانه، ويعلّم أولاده الحكم على الآخرين، ويحسد مَن هم أكثر منه ثراء، أو سعادة، فكيف بإمكاننا أن نفهم الحياة، ونتعامل معها ونحن مفكّكون ومتناقضون بهذا الشكل؟! إن حصار الانسان وسط هذه الثنائيّات هي الظلمات التي تحدّث عنها كافكا.

أنا أكتب، كما أفكّر، ولكن هذه الأنا متغيّرة. ما يمكن أن أكتبه اليوم على أنه أنا غداً قد يصبح شخصاً مرّ عليّ أو عرفته. لا أخجل من هذا الأمر؛ لأن التغيّر هو حقيقتنا الوحيدة، و كلّ مَن ينكره واهم.

أما عن سؤالك عمّا يستفزّني لأكتب، أكتب عندما تواجهني سحابة في داخلي، وأعجز عن فهم مصدرها. أكتب حين يزداد ثقل الحجر المتدلّي من قلبي.

 

·       كيف تكون الكتابة وسيلة للتعافي ومعبراً للتواصل الحقيقيّ بين كائنات اجتماعيّة قابعة خلف الرموز والإشارات والأرقام؟

الكتابة هي فعل مصارحة مع النفس، وإصغاء لاعتراف الطفل المكسور في دواخلنا. السماح لهذا الصوت المقموع المجروح القادم من اللاوعي أن يتواصل مع ذواتنا الواعية، عن طريق الكتابة، هو بحدّ ذاته وسيلة للتعافي. هذه المكاشفات تكون أسهل عند كتابة الشعر؛ لأن الشعر يبقي باب التأويل موارباً، ويسمح لنا بأن نتحايل على أنفسنا، ونتقلّب بين حقيقتنا وانعكاساتها المتعدّدة في مرآة الشعر.

 


·       لقد تساءلتِ في الفيس بوك، عندما أعلن، إزيو بوسو[1]، فقدان قدرته على العزف: «هل نعتبر أحراراً إن كنّا مسجونين في عالم المحسوس والملموس، في بعد واحد تحدّه حوّاسنا الخمسة؟ ماذا يحدث عندما يموت عاشق؟ أيموت الحبّ معه؟ ماذا لو كان الحبّ يأتينا على شكل عناقيد عنب، زهور أقحوان، أو ينبوع ماء؟ ماذا يحدث إن رحل شاعر ما؟ هل يذهب الشعر أيضاً، أم أن رحيل الشاعر لا يعني رحيل المصدر، الذي كان الشعر يأتي منه؟».

برأيك: إلى أيّ مدى يحتاج كلّ من الشعر والموسيقى إلى عوالمهما الخفيّة والشهيّة؟ هل الأخيرة تشعل الخيال وتنبته بالأفكار، وبالتالي تكون الموسيقى حلّة للشعر، وإن لم يلبسها طويت؟

أعتبر الشعر والموسيقى، وكذلك الفنون الأخرى: من رسم ونحت ورقص وغيرها، أدوات لمطاردة عالم غير محسوس مسجون خارج محدوديّة الحوّاس والعالم المرئيّ والملموس. لطالما اعتقدت أنه كان يجب أن يكون لنا حاسّة سادسة مع أداة التلقّي الخاصّة بها، ولكن الطبيعة اختارت أن تختبرنا بحرماننا هذه الأداة ولمعرفة إن كنّا قادرين – عبر التوق – أن نخترق ذاك البعد المحتجب.

يقول الفيلسوف البريطانيّ جايمس ألين: «الموسيقار، النحّات، الرسّام، الشاعر، الحكيم، هؤلاء هم صانعو العالم الآخر، و مهندسو الجنّة. العالم جميل؛ لأنهم عاشوا فيه. من دونهم كانتِ البشريّة الكادحة ستفنى».

أحبّ الموسيقى، ولكني لا أحتاجها لأكتب. كتابتي ليس لها طقوس، ولا تعتمد على فنجان قهوة، أو منظر جميل، أو كأس نبيذ، أو حتى مقطوعة  موسيقيّة جميلة.

 

·       يختار الناقد نصّاً/ كتاباً لتحليله بأساسيّات ممنهجة في دراسته النقديّة. أترين معي أن النقد يحاول أن يقتل إنتاج الأديب، ويكون بعيداً كلّ البعد عن الرؤية والحداثة للنصّ الأدبيّ؟ ولماذا بات مقتصراً على ولاءات ذاتيّة أو شخصيّة أو اجتماعيّة؟

لا نستطيع أن نتكلّم عن النقد بالمطلق. فالنقد كالشعر، له ناسه، وله المتطفّلون عليه. هناك نقّاد يضيفون للقصيدة، وهناك الذين يعاينون القصيدة، كما يعاين الميكانيكيّ سيّارة تدخل ورشته. ولكن لا شكّ أننا نشهد ركوداً في الحركة النقديّة؛ ربما لأن النقّاد فقدوا شغفهم بالشعر، وأصبحوا أكثر اهتماماً بالتصاق اسمهم باسم مَن سبقوهم إلى الشهرة أو المناصب الرفيعة في الصحف المرموقة. أصبح النقد محصوراً في فئة الكتّاب والنقّاد والصحافيين، الذين يكتبون عن بعضهم البعض.


·       أتحدّثيننا عن الفرق بين مجموعاتك الشعريّة الثلاثة: «فليكن»، و«روح قديمة»، وأخيراً «منارات لتضليل الوقت»، من حيث التجديد/ التمييز الشعريّ؟ وهل يقع على عاتق الشاعر أن يتكرّر شعراً وفكراً، أم أنها حالة خاصّة تتطلّب ترجمة كلّ ما هو مخبوء ومكبوت؟

الفرق بين المجموعات الثلاث هو أنا المتغيّرة. «فليكن» كان يشبه صرخة الوجود الأولى. أردت أن أقول بعد عمر من الصمت والاختباء: «أنا هنا». وقد قلت ذلك بانفعال لم يعد يشبهني.

«روح قديمة»، هو ديوان قدّمني إلى نفسي، وجعلني إلى حدّ ما أتصالح مع هذه النفس، التي ظلمتها كثيراً. ولكن كتابة ديوان «منارات لتضليل الوقت» كان يشبه قطف ثمرة في آخر مراحل النضج؛ هو الديوان الأنضج و الأكثر تطابقاً مع الإنسانة، التي هي أنا اليوم. لا بدّ أن أقول أن جميع كتاباتي وتجاربي وإخفاقاتي هي أنا. أتمسّك بكلّ منها بشراسة. التخلّي عن أيّ جزء من تجاربنا حتى أقساها هو بمثابة تزوير لبصمة الروح.

 

«تعلّمْتُ كيف أتغلّبُ

على الوقت بالغناء».

·       وما الثابت والراسخ للمشاعر، أمام هيبة وتفاعلية الزمن، لأحداث سريعة، لم يعد الفكر قادراً على التقاطها.

المشاعر الإنسانيّة ليست ثابتة، و لا حتى الأفكار والمشاعر والمعتقدات. كلّ منّا يتلقّى هذا الوجود من نافذة تجاربه وخبراته في الحياة... هناك مثلاً مَن يزعم أن الحبّ وَهْم؛ لأنه تعرّض للخيانة، أو لأنه لم يقدر على الإخلاص للحبيب، ولكن هل تجربة شخص أو عدّة أشخاص تصنع حقيقة وجود الحبّ من عدمه؟  الثابت هو الوجود بمعزل عن تأويلاتنا و تجاربنا. الثابت هو حقيقتنا الفرديّة التي نصنعها  بوعينا، ونقرّر أن نبقى عليها.


·       تسألين كشاعرة هادئة ومتمرّدة في قصيدتك «كلمات ودخان»:

«هل نكون أحراراً

حين نحتمي بالصمت؟

حين يبقى الكلام درباً للخروج عنه؟

حين نعتقد أن بإمكاننا أن نصف

الحبّ في قصيدة؟».

ماذا يعني لك الصمت حنين أمام قبح الواقع، الذي ينفجر غضباً، وسواد الأرواح، المنفجرة إلى شظايا مسنّنة؟ وكيف تجيبين أيضاً عن سؤالك ذاك؟

الصمت هو العودة للذات. الناس تستخدم الصمت؛ لإظهار قلّة الحيلة، وعدم القدرة على المواجهة، أو كوسيلة للتعبير عن عدم الرضا والزعل. ولكن الصمت بالنسبة لي هو إعادة البياض الأوّل للورقة، التي دوّنت عليها مئات الكلمات والمعادلات الحسابيّة. هي لحظة ولادة فوق بلاط أبيض وبارد وفرصة لاختراق ذلك البعد الذي تفصلنا عنه ضوضاء الكلمات والأفكار وتأويلاتها اللامتناهية.

كلّ ما نعرفه أتى من خلف الصمت. اخترعنا اللغة وحوّلنا الصمت إلى كلمات؛ لمشاركته مع الآخرين، ولكن عندما يصيبنا التواضع بحقيقة عجزنا عن تجسيد تجارب الإنسان ومشاعره بالكلمات، تجبرنا المعرفة إلى ضرورة العودة إلى  خلف الصمت. الصمت هو الحقيقة، قبل أن يعبث بها الإنسان.

اللوحة للفنّان التشكيليّ إياد زيني


«أنا هنا أيّها الحبّ

ثقيلة كثمرة في آخر مراحل النضج».

·       غياب الحبّ يقطع الحبال، التي تربط الوجود بإنسانيّتنا؛ فهو جواب على مشكلة الوجود الإنسانيّ كما يرى إريك فروم. هل فشلنا في الاعتراف بالجانب المتعلّق بمهارات وفنون الحبّ، وهو أحد أسباب إخفاقنا فيه، وجوديّاً وإنسانيّاً؟

الحبّ ليس غائباً. الحبّ حاضر بكلّ تفصيل في الإنسان والطبيعة، ولكن  الإنسان الذي فشل في فهم نفسه لن يدرك أبداً أن هذا الوجود بكلّيّته هو فعل حبّ. حتى الألم الذي يعتبره الجميع حجّة لتغييب الحبّ هو في جوهره حبّ. سأستعين هنا بتجربة الكاتب والشاعر أوسكار وايلد، الذي لم يكتشف الحبّ إلا وهو يكشط الأرض في زنزاته. كان وايلد قد اختبر مباهج الحياة وأمجادها و ملذّاتها، ولكن عندما سجن وخسر كلّ أمواله وسمعته ورفاهيته، أدرك أنه كان محبوساً في الجزء المضيء من الحياة، وأن الجزء ليس كلّ. المعاناة وهبتِ الشاعر الصورة الكاملة وحرّرته من  وهم الجزء الذي عاش فيه في شبابه. الحبّ حاضر في كلّ شيء، ولا يتحقّق حضوره بالكامل إلا بالمعاناة.

 

·       أنت انطوائيّة؛ إذ لمست في بعض قصائدك رغبة لصناعة عزلة خاصّة. ماذا تقولين عنها؟ أيعود الأمر لمسبّبات آنية وسرمديّة في ظلّ خراب العقل ودمار المدن، ومتأثّرة بسيكولوجيّات الإنسان الشرقيّ؟

الانطوائيّة كما عرفتها  هي ميل للعزلة، نولد بها وليس نتيجة لعدم رضانا عن مجتمعاتنا والظروف المحيطة بنا. من الضروريّ أن نميّز بين الانطوائيّة واضطراب القلق الاجتماعيّ، الذي يجبر صاحبه على العزلة القسريّة، لتجنّب التوتّر الناجم عن الاحتكاك بالآخرين، والأحكام التي قد تنجم عن هذا الاحتكاك.

انطوائيّتي ليست نتيجة لخيبة أمل، إنما رغبة في الصمت والانصراف إلى التأمّل والتفكير بأبسط الأمور وأعقدها. الانطوائيّة تشبه مساحة آمنة حرّة ومعقّمة وسط مساحات تعمها الحروب والأوبئة.

 

في معرض الشارقة الدولي للكتاب‏


 

يُتبع في جزء ثانٍ وأخير

 



[1] إزيو بوسو: مؤلّف وموسيقار إيطاليّ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent