recent
جديدنا

عزيزي الأحمق

الصفحة الرئيسية

جان بابير

 

مرت خمس سنوات بحركة رتيبة، وأخرى سريعة مليئة بالمنغصات، وأشياء لم تكن في الحسبان تسير في أوقاتنا وتُسيّرنا معها لنبدأ بالمحطة الأولى:

كنت تنتظرني في موقف الحافلات، أتيت إليّ كأنك قادم من خلف الزمن، لا تشبه إلا نفسك، تحمل لي باقة من الورود والليلك.

كان طولك جميلاً ويناسب طولي، تعانقنا، كان قلبي يدق بسرعة، وابتسامتك تنثر الشغف والشوق في عينيّ. آه...! هكذا أعود في وحدتي إليك وأنتظر المحطة. عزيزي الطويل، ها أنا أجمع مزق صور لقاءاتنا التي تشتعل في ذاكرتي قناديلَ، وأقطف منها الحنين. لا أريد أن أتفلسف أيها الغالي، يا سكرة وجودي. أتحدث عن السبب: كانت رغبتنا والمسبب أي المحصلة هي اللقاء. عزيزي ابتعدت عما وددت قوله، إذا الأسباب كانت ما نود الوصول إليه، أي الغاية من أجل ما وُجدنا عليه.

ألقينا ببذارنا وحصدنا سنابلنا من حضن قيظ اللقاء. آه، أظنني لا أستطيع الابتعاد عن فلسفة الأشياء من حولي. كما قلت؛ ابتعدت عن ما أردت قوله. بعيداً عن كل هذه الأقاويل التي لا طائل منها، كان صمتك يدهشني، لا تنطق إلا بجمل رصينة كأنها حكم. قلت لي: لا أحب التخطيط في الحب، دعي علاقتنا تجري كنهر إلى غاياته بعفوية، دعي الأطر، الأطر تخنق العلاقة وتقيد حريتنا، هناك كلمات كثيرة لك أتذكرها بحب وأرددها بيني وبين نفسي. مثلاً: صباح الخير يا أنا.

 

ولتكن المحطة الثانية:

صفّر القطار، كنت أرى صورتك ترتسم على بلوره. بصمت وهدوء همت بي وقبلتني على شفتَي مباشرة، وأنا كذلك النهر سرت خلف مجراي وراء لذة القبلة. آه لو تعلم ماذا فعلت بي تلك القبلة، كنت أنقاد إليك شبه مخمورة، شبه واعية، وثملة بك حد العطش.

كنا كما تماس سلكين لم يصدرا الشرارة. نزلنا من القطار، تركنا عناقنا على الكرسي وصورتينا على البلور لتسافرا عنا، رقصت في خطواتنا الشوارع التي توصلنا إلى ذلك. البيت لأول مرة؛ جدران غرفة وسقفها يجمعني بك، ولأول مرة أشعر أن القبلة تجعل الأرض تدور بي وأرى أشياء لم أرَها من قبل. أن تحتضن ظلالي ظلال جسدك، أن تلقى أنفاسي حتفها على رقبتك، أن تتأبط أوقاتي حزمة قُبل وضحكات عريضة، أن تمتزج أنفاسنا وسجائرنا ورائحة جسدينا في منفضة الوقت اشتعلت بك وانتصر الحب وسقطنا متهالكين كل واحد منا على طرف السرير، واستوطنت السعادة في الأغاني وابتسامتك، حتى تجاعيد وجهك كانت جميلة كخطوط محراث الفلاح غر متمايلة كان للوقت وقته، أن يمتلئ الكأس إلى شفاهه بقبلة الوداع، ونشيعه بعيوننا التي انكسرت بالحزن، ما زالت في جعبة ذاكرتي الكثير من الأحلام هنا وهناك، النابتة فوق أطراف الطرق التي تحبو على موائد المقاهي، التي تتسول تذكرة حافلة أو قطار للوصول، وتنتظر رحلة لم تبدأ بعد.

أيها الأهبل الطويل، لم تكن شاعراً لتكتب عني قصيدة، أو فناناً تنشدني بأغنية خالدة، كنت كالموج تتقدم إلى شاطئي تأكلني موجة موجة، وأنا أعد خيباتي معك كطفلة تحصي عرائسها، لم تكن سوى قاطع حجارة. من أين أتيت بكل هذه الحكمة والحب؟ من أي خيال تستمد شغفك الذي يجعلني بلا قوة وأتهدم كجدار فوق بعضي؟ حينما تجتاحني صورك أتشظى أكثر.

في المرة الأخيرة وعدتني أن تشرب معي النبيذ، وأن أشرب معك في اليوم الثاني العرق. كلانا ينتمي لمشروبه وكلانا ينتمي إلينا. ابتسمت قائلاً: أحب هذه الندية فيك

أيها الأحمق، أين أتجه تحاصرني كمستعمر يحتلني بكل تفاصيلي التي أصبحت جميلة معك وبك، ولم تفلح كل المدة في أن تبرد جذوة نارك في قلبي، بل في المرة الأخيرة اكتشفت أنك بدأت تحبني من جديد كأننا التقينا لأول مرة.

أحياناً تكون ساذجاً وطيباً، أوبخك فتعتذر بصدق قائلاً: لا أريد أن أظلمك لأننا ظُلمنا كثيراً. أصمت وكأنني في خشوع. أيها الأحمق، ماذا فعلت بي؟

على مرمى قبلة منك أتوجع كأنك لم تقبلني، وعناق آخر أشتعل بك من جديد كمراهقة، لست بشاعر لكنك تحشو جملك بصور غريبة مكتنزة بالحب، في عش كلماتك تسكن العصافير وتحلق القبرات، منذ العناق الأخير ورياح الوحدة تعصف بي، أضع رأسك بين ثديي وأسهر على الليل أجلبك من البعيد. اللعنة عليك كم أنا وحيدة بدونك. يطرق الصباح باب غرفتي، أنتعل وقتي وأمضي إلى العمل، أنظر إلى الوجوه لعلي أرى من يشبهك، ولا مواعيد تحمل كفنا للفراق.

 

المحطة الثالثة:

أفتقدك بشدة عزيزي كأم تنتظر قدوم ولدها الجندي من خطوط الجبهة

كراقصة تنتظر إيقاع الطبال لأرقص على أشلائي أعيش وحدتي بحماس لأشتم رائحة جسدك الغائب، أرقص وأرقص لأتعرق بك من جديد

هاتفي يختزن صورنا المشتركة وعناقنا

تمشي كل تلك الصور في ذاكرتي الحبلى بك.

 

المحطة الرابعة:

في العمل كل واحدة من زميلاتي تتحدث عن الحبيب، إلا أنا لا أستطيع البوح باسمك لهن. أنت ملكية خاصة لذا أتجنب ذكر اسمك ولكنتك في الكلام أمام أمي لأنهم يمقتون حبنا. لماذا كنت تقول لي: أنت أمي التي أنجبتني، لماذا كنت أريدك في رحمي وأنت لا تفارقني؟ أيها الأحمق، أنت تعلم أنني ترعرعت على يديك ومنك تعلمت مذاق القبلة، أنت بدايتي وخاتمتي.

 

المحطة الخامسة:

قبل ليلة من عمر حكايتنا كنت حبلى بك قبل أن أحيض، كمحاربة أمازونية قطعت ثديي لأحمل الترس وأحارب من أجل حبك.

فقدت أناي في أنت، حملت وعودك وكلماتك في حقيبتي الظهرية ولم أشكُ من حملها وأنا أرتجف كلما مضيت. ما زلت أمزق كلمة الفراق وأتسلح بالانتظار. هل أنت قادم أيها الأبله؟

عزيزي، أحب أن أشتمك وألعنك، أحب عيوبك أكثر من حسناتك يا حبيبي

أنظر نحو الباب، ولا شيء ينتشلني من وحدتي، فتهمس لي الجدران أنك قادم، وأنتظر حتى آخر شهقة.

google-playkhamsatmostaqltradent