recent
جديدنا

بين لاكان ويونغ: هل نعرف أنفسنا حقّاً أم نتوهّمها؟

الصفحة الرئيسية


 

محاولة في فهم النفاق الاجتماعي

فيان دلي – ألمانيا

 

مَن منا لم يسمع بمقولة رينيه ديكارت الشهيرة «أنا أفكر إذاً أنا موجود»، أي أن التفكير هو دليل الوجود. مفترضاً ذاتاً متطابقة مع نفسها. إلا أن جاك لاكان قدّم رأياً مغايراً، إذ يرى أن خطابنا عن أنفسنا لا يتطابق مع تجربتنا الفعلية. كما يظهر في العبارة التي تُنسب إليه وتختصر رؤيته عن انقسام الذات: «أنا أفكر حيث لا أكون، وأنا موجود حيث لا أفكر».

فمعرفتنا بذواتنا عند لاكان ليست معرفة حقيقية، وإنما مبنية في أساسها على سوء الفهم. أي أننا من وجهة نظره كائنات لا تعرف نفسها بالفعل، لكنها تعيش ضمن تصورات متخيلة تبنيها عن نفسها وتتماهى معها. وهكذا يتشكل القناع، ولا تكمن وظيفة القناع هنا في إخفاء الحقيقة، لكنه في الواقع يصنع ذاتاً وهمية وصورة مثالية، ترضينا لنظهر بها أمام العالم.

يمكن قراءة هذه الفكرة كمحاولة لفهم ما نسمّيه في حياتنا اليومية بالنفاق الاجتماعي. فما يبدو لنا نفاقاً، هو عند لاكان صورة وهمية عن النفس، تتشكل بوصفها خللاً بنيوياً بين القول والفعل. حيث الهروب من المواجهة الذاتية والتظاهر بما يقبل به المجتمع ويرضيه بدلاً من الاعتراف بالعيوب والفجوات الداخلية. فنخلق بذلك انقساماً بين صورتنا المتخيلة عن أنفسنا وواقعنا الشخصي، وهوّة بين ما نحن عليه في الحقيقة وبين ما نقوله ونصدّره عن أنفسنا للآخرين.

قد نرى هذا الانقسام بوضوح لدى أشخاص يتبنون خطاباً تحررياً، ويُعرّفون أنفسهم من خلاله. كمَن يقدم نفسه في صورة مناصرة وداعمة للآخرين. ولكن حين يواجه آخراً يمتلك حضوراً وإمكانيات لافتة. ينكشف الانفصال الذاتي ليعبر عن نفسه بالفعل الصامت لا في القول الظاهر. كالممارسات الكيدية أو التشكيك المبطن. وهنا يفشل القناع عن احتواء الانقسام فيتصدع كاشفاً فجوات لم تعالج بعد بين الصورة المتخيلة عن النفس ورغبات أو نواقص لم يتم الاعتراف بها. فما هو مكبوت لا بد أن يظهر ويعبر عن نفسه بشكل ما.  أو مثلاً مَن يقدم صورة مثالية عن نفسه وقيمه الإنسانية، التي كثيراً ما تتهاوى أمام مواقف حياتية، تكشف تناقضات واضطرابات العالم النفسي. كمَن يدعي الخير ولكن يؤذي الآخر عن سابق قصد. أو مَن يجاهر بالفضيلة ولكنه يمارس السلوكيات الذميمة في الخفاء. 

ينكشف الانفصال الذاتي ليعبر عن نفسه بالفعل الصامت لا في القول الظاهر

من المهم الإشارة هنا، أن هذا الفعل المتناقض مع القول والصورة الظاهرة، ليس بالضرورة أن يظهر كانهيار أخلاقي أو بدافع الخداع والخبث، لكنه قد ينتج عن كبت أو جرح باطني غير واعي، أو ربما صدمات عالقة وطفل داخلي غير معافى، أي أنه كثيراً ما يظهر كانعكاس للحقيقة البشرية، الناقصة والضعيفة. إلا أنه بحسب مبدأ لاكان عن الرغبة واستحالة إشباعها، أي الرغبة بالكمال، بملء النقص الذاتي، البحث عن شيء ما مفقود من الأعماق، والإغراء بالوصول للكمال المستحيل، والاقتراب من سد النقص، والفراغ عبر النفاق والقناع الاجتماعي، الذي هو بطبيعة الحال انفصال عن الذات، والذي كثيراً ما يصبح ضرورة يومية كي ينال الفرد الإعجاب والقبول الاجتماعي. لكن النقص مستحيل سده ولا الكمال يمكن بلوغه، فندور في حلقة مفرغة لا خلاص منها.

كارل يونغ كان أكثر تفاؤلاً؛ إذ وصف هذه العملية بالتربية الذاتية الاعتباطية والعنيفة، أي كما في قوله: «على الشخص أن يضحي بالكثير من مكوناته الإنسانية، لصالح صورة مثالية عن نفسه، يرغب أن يقتدي بها». والقناع عند يونغ حاجة إنسانية طبيعية نحتاجها لتأدية أدوارنا المتعددة في المجتمع، فنحن نختلف في كل دور نؤديه، وكأننا مجموعة شخصيات في شخصية واحدة. فكل شخصية تتطلب منا قناعاً جديداً يناسبها. كما أننا كثيراً ما نكون مع أنفسنا بشكل مختلف كلياً مما نكون عليه مع الآخرين، فلا أحد قادر على الظهور بذاته الحقيقية في كل مكان. ولكن بحسب يونغ فإن المشكلة تكمن في التماهي مع القناع، أي عندما تظن أن قناعك هو حقيقتك قامعاً هويتك الأصلية في أعمق أعماقك، إلا أن ذاتك المقموعة تظهر رغم ذلك بشكل غير واعٍ على شكل مشاكل واضطرابات نفسية تنعكس على أفعالك وواقعك.

يونغ حاول تحليل هذا القناع بقوله: «أن ما يبدو فردياً هو جماعي في العمق، أي ليس القناع إلا قناع إذعان عام لسلوك النفس الجماعية». جاك لاكان أيضاً طرح فكرة «الآخر الكبير» المتحكم برغباتنا، والذي يتمثل بالسلطة، القانون، الدين والمجتمع. وسواءً كنا مع طرح لاكان أو يونغ، فالمجتمع ليس بريئاً، المجتمع هو «النفس الجماعية»، هو «الآخر الكبير»،  هو مَن يقوم بصناعة الوجوه المُقنّعة. فلا أحد يريد مواجهة عيوبه، الكل يبحث في وجه الآخر عن صورة مثالية لنفسه. الكل يبحث في الآخر عن قناع يناسب قناعه هو.

القناع نجده يظهر بوضوح أكبر في واقعنا الافتراضي، أو ما نسميه بالسوشيال ميديا. حيث الجميع يرسم لنفسه صورة مثالية يرغب أن يكونها، يخفي عيوبه وراء الشاشات، يفلتر الوجوه كما الكلمات

وبهذا يصبح واقعنا اليومي مسرح دمى، كلنا متورطون فيه بشكل أو بآخر، وبنسب متفاوتة، فالكل يرتدي قناعاً ربما لا يشبهه، ويمثل دوراً يرغب به، ولكن قد لا يكونه في الحقيقة. وكلما تشابهت الأقنعة بيننا وتطابقت الأدوار تصاعدت الشعبية. ومتى ما ظهر وجه بلا قناع بدى غريباً مثيراً للاشمئزاز.

ليس واقعنا اليومي وحده هو المتورط في هذه الحفلة التنكرية، فالقناع نجده يظهر بوضوح أكبر في واقعنا الافتراضي، أو ما نسميه بالسوشيال ميديا. حيث الجميع يرسم لنفسه صورة مثالية يرغب أن يكونها، يخفي عيوبه وراء الشاشات، يفلتر الوجوه كما الكلمات. صارت الأقنعة مختبئة في أشكال الحسابات، فكل حساب يؤدي وظيفة قناع ما.

هو فضاء، صارت الخوارزميات فيه آلهة من نوع حديث، إنها «آخر كبير» جديد، هي النفس الجماعية الافتراضية، التي تزداد سطوة مع كل تفاعل وكل لا تفاعل. فيتماشى الأفراد الافتراضيون مع قواعده، ويرضخون لممنوعاته، ليحصدوا انتشاراً أكبر وشعبية أوسع. فالقيمة في العالم الافتراضي كما هي في العالم الواقعي تقاس بدرجة الرواج والشعبية، بدرجة التماهي مع الخوارزميات أو «الآخر الكبير». ومتى ما ابتعدت عن رضاه لتُرضي ذاتك أنت، بدوت مملّاً، لا تثير الاهتمام.

وكي لا نكون دمى يحركها المجتمع افتراضياً كان أم واقعياً، يمكننا فهم الكشف الذي قدمه لاكان عن الانقسام ووهم الذات، كدعوة إلى التصالح مع عيوبنا بدل تغطيها بالأقنعة، وأن نعي استحالة الكمال والمثالية. أما يونغ دعانا إلى تحقيق الموازنة والتكامل بين الأقنعة والذات الحقيقية.

العزلة قد تفتح لنا مساحة لترميم العيوب، إعادة الاتصال بالذات، وتحريرنا قدر الإمكان من الأقنعة

أما من وجهة نظري، أرى أن مَن يسعى لمعرفة نفسه وملامسة عالمه النفسي الحقيقي، مَن يواجه فراغه الداخلي، ويحدق في عمق عيوبه، ليصلحها، ويحاول أن يبقى حقيقياً لا مثالياً، كثيراً ما يصبح مزعجاً، غير مرغوب به، لأنه يتحول إلى مرآة يبصر الآخرون من خلاله عيوبهم هم، فيهربون منه ويمقتونه. فالصدق مع الذات ومواجهتها ليس انتصار يصفق له الجمهور، بقدر ما هو عمل شاق، يعيدنا إلى حقيقتنا، ويحررنا من وهم الكمال.

إلا أنه قد يؤدي بنا إلى العزلة. والعزلة ليس بالضرورة أن تكون مؤلمة، فأحياناً كثيرة قد تفتح لنا مساحة لترميم العيوب، إعادة الاتصال بالذات، وتحريرنا قدر الإمكان من الأقنعة.

 

google-playkhamsatmostaqltradent