بدار سالم
عودة إلى كتاب «العصور الوسطى الجديدة» لنيكولاي بيرديايف
هل نعيش عصوراً وسطى
جديدة؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى مبالغاً فيه، وربما مستفزاً. فالعصورُ الوسطى،
في المخيلة العامة، زمنُ ظلامٍ وجهلٍ وخرافة، ونحن ظاهرياً على الأقل، نعيش عصر
التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والسرعة والعلم. لكن ماذا لو لم يكن التشابه في
الأدوات، بل في المزاج العام؟ ماذا لو كنا نعيش لحظة تاريخية يتراجع فيها الإيمان
بالعقل ويعود فيها البشر، أفراداً وجماعات، إلى البحث عن المعنى واليقين؟ إشاراتُ
هذا التحول كثيرة، وربما من الصعب تجاهلها.
قبل قرن تقريباً، صاغ
الفيلسوف الروسي نيكولاي بيرديايف هذه الفكرة في كتابه العصور الوسطى الجديدة
(1924)، مُتخيِّلاً عالماً تتآكلُ فيه الثقة المطلقة بالحداثة والعقل والتقدّم،
وتعود الأسئلة الروحية والأخلاقية إلى قلب الحياة العامة، ليس بوصفها بقايا من
الماضي، بل كاستجابة لأزمة حديثة. لا يحدث هذا التحوُّلُ من خلال فرض نظام ديني بل
من خلال ضرورة داخلية: «انعطافٌ حرّ للروح الإنسانية» نحو الأسئلة الروحية
الجوهرية من قبل أفراد ومجتمعات اختبرت الحداثة ووجدتها فارغة أو مفلسة روحياً،
حتى وإن كانت ناجحة تقنياً ومادياً.
بعد قرابة قرن، تبدو
رؤية بيرديايف راهنةً بشكل ما. في الشرق الأوسط شكّلَ التوتر بين الحداثة
العلمانية والنهضة الدينية ملامح الحياة السياسية والثقافية خلال خمسة عقود ماضية
على الأقل. لم يكن الصراع مجرد نقاش فكري-نظري، بل تجربة مُعاشَة، تداخلت فيها
الدولة والدين والعنف والهوية والهزائم المتراكمة.
غابت شمس
العقل
توقَّعَ بيرديايف أن
العصور الوسطى الجديدة لن تكون زمنَ انسجام، بل زمن صراع روحي حاد: الإيمان في
مواجهة الكفر، المُقدّس في مواجهة الدنيوي، الحرية في مواجهة الهيمنة. ستنقسمُ
البشرية إلى رؤى عالمية متنافسة، لكل منها أخلاقها وسردياتها ومُطلقَاتها. هذا
الصراع، في نظره، ليس عارضاً، بل علامة على نهاية مرحلة تاريخية كاملة.
في كتابه يتنبأ
بيرديايف – دون أيّ رثاء أو أيّ نوع من الحنين – بنهاية الديمقراطية الليبرالية،
مصحوبة بانهيار فكرة «التقدم» ذاتها. لكنه لا يقترح بديلاً قومياً ولا يدعو إلى
دولة دينية. تصوره لا يقترح نظاماً جاهزاً بقدر ما يُقدم تشخيصاً، كما يوضح فادي
أبو ديب، المتخصص في الفلسفات الدينية لـ بيرديايف، في مقالٍ له بعنوان تحرير
العصور الوسطى الجديدة لبيرديايف من الدوجينية. تَصوُّرُ بيرديايف لعالمِ ما بعد
الحداثة «مُبتكَر ومنفتح إلى حدّ ما، وهو في المقام الأول عمل نبوي أكثر منه
بياناً سياسياً. يستلهم موقفاً غير ثوري، شبه نقابي، يمزج بين التسلسل الهرمي
والراديكالية الاجتماعية، بل ويقترب أحياناً من حسّ فوضوي أخلاقي».
التاريخ، بحسب
بيرديايف، لا يتقدم بشكل خطي بل يتحرك في دورات ولكل حقبة منظومتها الفكرية
والأخلاقية التي تُولد، تزدهر، ثم تستنفدُ نفسها. ضمن هذه النظرية، فالحداثة
الممتدة تقريباً من عصر النهضة إلى أوائل القرن العشرين، بوصفها مرحلة تاريخية
قامت على مجموعة من المُسلَّمات، شكّلت ما يُعرَف بالإجماع الحداثي modern
consensus، غير أن هذه المسلّمات، في رأيه، فقدت قدرتها على تفسير العالم أو
منحه معنى. تأسست الحداثة على الإيمان بالتقدم العقلاني بوصفه مساراً حتمياً نحو
التنوير والتحسين، وعلى الثقة بالعلم كحكم نهائي للحقيقة، وعلى فكرة كرامة إنسان
عالمية موحدة، إلى جانب تفضيل الرفاه المادي كغايةٍ عليا، وافتراضِ أن الدين شأنٌ
خاص يجب فصله عن المجال العام المحايد أخلاقياً.
رأى بيرديايف أن هذه
الأركان كانت تتداعى واحداً تلو الآخر، فالحداثة رغم ما وفرته من راحة مادية غير
مسبوقة، لكنها أيضاً ولَّدت اغتراباً وفقداناً للمعنى وفراغاً روحياً، ولم تُقدّم
إجابة عن استمرار المعاناة، ولا غاية عليا تتجاوز الاستهلاك، ولا أفقاً أوسع يتعدى
مجرد البقاء.
مع تَصدُّع هذه الأسس
دون ظهور أي بديل آخر، يدخل التاريخ في مرحلة انتقالية مضطربة، مرحلة غسقٍ لا
نهارَ فيها بعد. بالنسبة لـ بيرديايف كان هذا إيذاناً بنهاية العصر الحديث، كما
يكتب: «لقد تلاشت الأسس الروحية للتاريخ الحديث، واستُنفدت قواه الروحية. يوشك يوم
التاريخ الحديث العقلاني على الانتهاء، وتغرب شمسه، ويحلّ الغسق، ونحن نقترب من
الليل». يربط بيرديايف نهايةَ العصر الحديث، أو حلولَ «الليل» في تاريخ البشرية،
بعمليات أعمق تتجاوز القومية الضيقة وتسعى إلى أشكال جديدة من الوحدة الإنسانية.
وهو يذكّر بأن العصور الوسطى الأوروبية لم تكن مجرد زمن تعصب ديني وجهل علمي، بل
كانت أيضاً «عصر كثافة روحية وإنسانية» وتَطلُّعٍ إلى مثال أعلى مشترك. من هذا
المخزون الروحي، يرى بيرديايف، وُلدَ عصر النهضة أو بداية «النهار» الأوروبي، بما
يشمل مبادئ تحرير الإنسان واستقلاله عن الطبيعة والسلطة الموروثة، ثم تعميقها
لاحقاً في الكلاسيكية وعصر التنوير. لكن هذا النهار، بدوره، استُنفد.
وصلَ بيرديايف إلى هذا
الاستنتاج من قراءته الخاصة للتصدُّعات التي رآها تظهر في قلب الحداثة. ففي نظره،
كشفت الحرب العالمية الأولى، ثم الثورات الشمولية في أوروبا وروسيا، أن العقلانية
التي بشّرت بها الحداثة لم تؤدِ إلى التحرّر، بل إلى أشكال جديدة من العنف
والاغتراب والاستغلال. التقدّم التقني بنظره لم يُرافقه تَقدُّم أخلاقي، ولم تتحول
الحريات القانونية إلى إحساس بالمسؤولية، تفككت الروابط الدينية، والجماعية،
والرمزية التقليدية من دون أن تُستَبدل بأطرٍ معنوية أخرى. ما كان يُفترَض أن يكون
عصرَ عقل ونور، تجلى بحسب نظرته كعصرٍ بلا بوصلة روحية.
الشرق
الأوسط كمختبر للأطروحة
لو كان بيرديايف حياً
اليوم، لربما وجدَ أدلته الأقوى في العالم العربي وليس في أوروبا أو روسيا. فالشرق
الأوسط، بكل تناقضاته وانفجاراته، قد يكون مُختبَراً حياً لاختبار نبوءاته، وإن
كانت النتائج بالعادة كارثية.
بين خمسينيات
وسبعينيات القرن الماضي، شهدت المنطقة تجربتها الهجينة في التحديث العلماني، حيث
سعت مشاريع قومية واشتراكية، من الناصرية إلى البعث، إلى بناء فضاءات سياسية
«محايدة» تتجاوز الطائفة والقبيلة والدين. لكن هذه المشاريع فشلت، إلى حد كبير، في
إزاحة الولاءات الأعمق، والهويات القديمة (طائفة، قبيلة، عشيرة، انتماء ديني). تحت
وطأة الضغوط الاقتصادية والهزيمة العسكرية والقمع السياسي، بدأت حدود مشروع الدولة
العلمانية تُظهر علامات الفشل خلال عقد أو عقدين فقط، تصدّعت القشرة الحداثية
وعادت الولاءات القديمة إلى الواجهة. لم يكن هذا ارتداداً إلى الماضي، بل انكشافاً
لما كان كامناً تحت خطاب الدولة القومية منذ البداية. فالدولة «المحايدة» لم تكن
محايدة حقاً، بل فرضت «وحدتها» بالقوة، و«التعددية» بالقمع وليس بالتمثيل.
جاءت انتفاضات الربيع
العربي عام 2011 لتُؤكد ذلك بوضوح. ما بدأ كمطالب بالوظائف والكرامة والإصلاح
السياسي (تطلعات ليبرالية حديثة) تحوَّل لاحقاً إلى تساؤلات وجودية حول الهوية
الوطنية والنظام السياسي والأخلاقي، وحول نوع المجتمع الذي نريد أن نكونه؟ لم يكن
السؤال «من يحكم؟» فقط، بل «ما هي مصر مثلاً؟»؛ هل هي فرعونية، أم إسلامية، أم
عربية، قبطية أم أفريقية؟ هل نريد دولة مدنية؟ هل الإسلام حلٌّ أم مشكلة؟ هل يُمكن
للحركات الإسلامية التعايش مع الليبرالية العلمانية؟ لم تكن هذه نقاشات سياسية
عقلانية، بل أسئلة تتعلق بالهوية والمعنى والمبادئ الأخلاقية التي تحكم الحياة
العامة، بالضبط كما في العصور الوسطى، حين كانت الخلافات اللاهوتية تدور حول تفسير
المُقدّس وفهم الخير والشر وغيرها.
افترضت الأطر والأفكار
الحداثية أن تلبية الحاجات المادية ورفع مستوى المعيشة، وتوسيع الحريات ومنح الناس
صوتاً سياسياً، أمورٌ كفيلة بتخفيف الصراعات الأيديولوجية. لكن الربيع العربي
والحروب الأهلية التي تبعته في عدد من الدول كشفت أن المظالم السياسية والاقتصادية
تحمل كذلك تطلعات روحية، لم يكن الناس يريدون حكماً أفضل سياسياً أو إصلاحات
إدارية فقط، بل حُكماً يعكس تَصوُّرَهم لما هو عادل. السياسة لم تتحرر من المعنى،
بل عادت لتغرق فيه.
بنظرة سريعة على كيفية
عمل السياسة المعاصرة في الشرق الأوسط، يتضح في الواقع أن العلمنة لم تُحقَّق، لم
تُنتِج فضاءً محايداً كما وعدت، لم يختفِ المُقدّس من المجال العام، بل أُعيدَ
تشكيله داخل السياسة نفسها. ما تَحقَّقَ هو هياكل سياسية تؤدي وظائف دينية كاملة،
تمنح الهوية، وتُحدِّد الخير والشر، وتُنتِج سرديات الخلاص والتضحية. سواءً في
خطاب حزب الله عن المقاومة الإلهية، أو مشروع الخلافة لتنظيم الدولة الإسلامية، أو
الشعارات المقدسة للقضية الفلسطينية، أو استعادة الدولة الأموية في سوريا، تعمل
السياسة من داخل السياقات الدينية حتى عندما تكون اللغة قوميةً أو وطنية، طبعاً مع
غياب دور الدولة التقليدية في ضبط هذه المعايير.
تتشابه هذه الهياكل
السياسية في الواقع مع العصور الوسطى، فهناك بنية شبه لاهوتية مشابهة مثلاً:
– خطايا أصلية لا تُنسى:
الاستعمار، التدخل الغربي، والهزائم المؤسِّسة التي تُستدعى باستمرار لتفسير كل
معاناة.
– مُسلَّمات أخلاقية:
المقاومة، والسيادة، والحق.
– لغة لاهوتية: شعارات
خلاصية، وروايات الاستشهاد والجهاد والفداء.
– كما تُنتِجُ أشكالها
الخاصة من التكفير السياسي: اتهامات بالخيانة، أو التطبيع، أو التفريط بالقضية.
ولا تخلو من روايات نهاية العالم: المواجهة الأخيرة، العودة-الرجعة، يوم الحساب.
هذه ليست استعارات بلاغية، بل تعريفات تأسيسية للهوية والمعنى، يجب تذكرها والثأر
لها باستمرار.
أمّا حركات الإسلام
السياسي اليوم فقد «أنهت دورة كاملة وعادت إلى جذورها في القرن التاسع عشر»،
مُستعيدة البنية اللاهوتية القديمة بينما تعمل كطليعة ثورية حديثة، تهتم بالسلطة
والهيمنة أكثر من اهتمامها بالتقوى والخلاص. هذه الحركات تؤدي الأدوار الاجتماعية
والنفسية التي كان الدين يقوم بها تاريخياً، لكنها تفعل ذلك لخدمة أهداف سياسية
مباشرة. تُطالب هذه الحركات أتباعها بالتزام كامل، لكنها لا تُنتِجُ متصوفة أو
قدّيسين، بل ناشطين وشهداء، إنها ديانات عملية، لا تأملية، تعود في بنيتها إلى
العصور الوسطى، لكنها «حديثة» في جوهرها.
تأثير
العولمة والتكنولوجيا
على الرغم من بُعد
نظره، لم يكن كتاب العصور الوسطى الجديدة نبوءة بالمعنى الدقيق. فقد شخّصَ
بيرديايف تيارات حضارية عميقة، لكنه قلّلَ من شأن القوى التي ستُشكّل ملامح العالم
الحديث من العولمة والتأثير الشامل للتكنولوجيا الرقمية. توقَّعَ هيمنة إيديولوجية
ومؤسسية، لكنه لم يتخيّل ما يُمكن وصفه بـ «هيمنة الخوارزمية/ algorithmic
domination». الانتباه والمعنى والذاكرة لم تعد تتشكّل بالدرجة الأولى من
قِبل المسجد أو الدولة. أصبحت منصات التواصل الاجتماعي محركاً أساسياً: ساحات
معارك للتعبئة الطائفية، ونشر نظريات المؤامرة، وصناعة الهويات المغلقة. لم تكتفِ
التكنولوجيا بإزاحة الدين، بل اختطفت/فككت وظائفه.
تشكّلت مخيلة بيرديايف
التاريخية داخل أفق أوروبي-روسي، ولم يكن ليتخيل عصوراً وسطى جديدة مُعولَمة
بالكامل، تتداخل فيها الصراعات الروحية والترابط الاقتصادي والتشرذم الثقافي على
نطاق عالمي. كان العالم في العصور الوسطى محلياً، لكل منطقة حكامها وعاداتها
ومعتقداتها، التواصل بطيء، والصراعات محصورة. أمّا اليوم، فنعيش في عالم مُتعدِّد
ومترابط بشكل مفرط. الحرب السورية مثال واحد على ذلك، فقد ضمت: قوات النظام
السوري، فصائل معارضة متعددة، داعش، وحزب الله، وروسيا، وتركيا، والولايات المتحدة
وقوات التحالف ودول الخليج، وآلاف المقاتلين الأجانب من أكثر من 80 دولة. هذه ليست
فقط حرباً أهلية بالمعنى التقليدي، بل حرب داخلية وحرب بالوكالة، بأبعاد طائفية
وأبعاد مُعولَمة في آن واحد.
كان للعصور الوسطى،
رغم ظلاميتها ومحدوديتها، قيودٌ مُؤسَّسية على المُعتقَد والمعنى. أمّا اليوم، فقد
اختفت هذه القيود. المُقدَّس مُتاح بلا وسيط ولا حدود: يُمكن لأي شخص إعلان الجهاد
وإلباسُ القتلِ قضية أخلاقية أو دينية، أو الادعاء بالوصول المباشر إلى الحقيقة
المُطلقة، دون علم، أو مُساءَلة أو تقاليد دينية أو أخلاقية واضحة. هذا ليس
عُمقاً، بل تضخّمٌ روحي.
إنهاكُ
الذات
كتبَ بيرديايف في لحظة
انهيار حضاري، واعتقدَ أن الليبرالية قد انتهت. لكن الليبرالية لم تمت، بل أصبحت
في سياقات مختلفة أشبه بـ إيديولوجية زومبي: حيّة من الناحية التقنية، وفعّالة
إجرائياً، لكنها مُنهَكة روحياً. أصبحَ كل شيء له دلالة ما، ومُطلَق وغير قابل
للنقاش. لا شيء سياسي فقط، ولا اقتصادي فقط، ولا شخصي فقط، وعندما يُصبح كل شيء
مُقدّساً يفقد المُقدّس معناه. عندما تتطلب كل قضية استشهاداً، يُصبح الاستشهاد
رخيصاً. وعندما يُشيطَن كل خصم، يفقد مفهوم الشر جوهره.
ولكن ربما كان أعمق
آمال بيرديايف – وخطؤه في الوقت نفسه – اعتقاده بأنّ الحقبة الروحية القادمة ستكون
مُتجذِّرة في الحرية. فعلى الرغم من تحذيره المستمر من الاستبداد، قلّلَ من
استعداد الناس للتخلي عن حريتهم مقابل الانتماء واليقين والوضوح الأخلاقي. في
واقعنا الراهن، لا يخضع الأفراد للأنظمة الإيديولوجية لأنهم مُكرَهون بالضرورة، بل
لأن هذه الأنظمة تُخفِّف من قلقهم الوجودي وتُوفِّر لهم هوية-انتماء وتُعفيهم من
عبء الاختيار. كما يقول إريك فروم في الهروب من الحرية: «الإنسان المعاصر، رغم كل
حرياته الظاهرة، لا يزال إنساناً قلقاً وغالباً ما يُغريه التخلي عن حريته
للدكتاتوريين من كل نوع، أو أن يفقدها بمحض إرادته حين يُحوّل نفسه إلى تُرسٍ صغير
في آلة، لديه طعام ولباس، لكنه لم يَعد إنساناً حراً، بل آلة».
الكاتب يوجين
فودولازكين يُضيفُ بُعداً آخر لمفارقة الحرية الحديثة مقارنة بالعصور الوسطى: «في
العصر الحديث، اعتُبر الإنسان مقياس كل شيء. في العصور الوسطى كان الأمر مشابهاً،
لكن فقط إذا كان هذا المقياس مُستمَداً من الله. بدون هذا الشرط، تُصبح النزعة
الإنسانية بلا إنسانية. ومع تزايد الحقوق الفردية، تتحول الحرية أحياناً إلى أداة
للتدمير الذاتي، ويُصبح الحق في الانتحار أسمى مثال على حريتنا».
أمّا الفيلسوف الكوري
بيونغ تشول هان فهو يرى أن الصراع الداخلي قد تحوّل إلى استنزاف: فما نعيشه اليوم
ليس جوعاً روحياً، بل إنهاكاً متواصلاً. في كتابه الشهير Burnout Society
يُجادل بأننا لا نعيش زمن القمع المباشر (معظمنا على أي حال)، بل زمن الاستغلال
الذاتي. لم نعد بحاجة إلى رؤساء يستغلوننا، لأننا تعلمنا كيف نستغل أنفسنا. نحن
نظن أننا بتحويل أنفسنا إلى آلات إنتاج وتحسين ذاتي نُمارس حريتنا الفردية
المُطلقة، ولكننا في الحقيقة، نتخلّى عن الحرية نفسها. ليست المشكلة، إذن، نقصاً
في المعنى بل اختلالاً في التوازن الداخلي والقدرة على أخذ مسافة نقدية من الواقع.
لن تُعالجَ إضافةُ مزيدٍ من التشدد الأخلاقي هذا الإنهاك بل على الأغلب ستُسرِّع
من تفاقمه، وهو ما يجعل الحرية الحديثة مُعقدة أكثر من أيّ فترة سابقة.
في النهاية، ربما كان
بيرديايف مُحقاً بشأن عودة الحماس الأخلاقي والمعتقدات شبه الدينية إلى قلب الحياة
العامة. لكن اعتباره هذه العودة حتمية، أو الأسوأ من ذلك ضرورية، يظلُّ موضع خلاف.
العصور الوسطى الجديدة ليست حلاً لأزمة الحداثة، بل قد تكون أحدَ أعراضها. ما
نشهده اليوم ليس إحياءً للمُقدّس، بل انهياراً للأُطر المشتركة التي تنظّم الحكم
والمعنى معاً.

