الطريق إلى حلب

بقلم: صدر الدين كنو


استيقظت مبكراً هذا اليوم، على غير عادتي، ينتظرني نهار طويل للسفر إلى حلب والعودة منها، كان ذلك في شتاء قبل اثني عشرة عاماً أو أكثر، ذاكرتي لا تسعفني في طلب التفاصيل. نهضت من السرير متكاسلاً فلا شيء يغريك لتتصارع مع الوقت، فثمة مجال لتنجز كل شيء في هذا اليوم الممتد، أفتح باب غرفتي وأنظر إلى البيت الذي ولدت فيه، كل شيء فيه لم يتغير منذ سنوات طويلة، فأشجار الزيتون في أماكنها منذ أن اقتلع والدي أشجار الرمان ليزرع مكانها الأشجار ذات الثمار المرة. العشب البري يغطي مساحات من المنزل، شجيرات تتسلق الجدران باستحياء، تتنظر أوانها لتفتح براعمها في هدوء الطبيعة.. المشاهد المتكررة لا تثير الذاكرة أبداً فخلال ساعات ستعود للتعايش مع تلك المشاهد بذات الرتابة.... تتعارك الأحداث فجأة، تختلط الأزمنة، مشاهد من القيامة، وتفاصيل خاوية على عروشها، جثث لغرباء احتلوا المكان والزمان والذاكرة. كل شيء بدا عبثياً، قطعة حديد أسقطها طيار كانت كافية لتعلمنا أن المكان ليس حيز من المادة المجردة، بل هو ألم ممتد، آلة حادة تجرح فصول عمرك المختلفة، تجعل الذاكرة تنزف إلى حد العجز، نحن أبناء الماضي.

أخرج إلى الشارع المقفر والموحل، وعلى ناصية الشارع الرئيسي أنتظر (فوكساً) يقلني، أزقة مهجورة إلا من طلبة المدارس والرجال القادمين من القرى على الدرجات النارية، هذه المدينة لا تستيقظ مبكرا، فليس لديها صراع مع الزمن والأرقام والشركات والبورصة. أتأمل الشارع المقفر، وحفر المياه المتجمدة. يتوقف بجانب الشارع فوكس ويفتح السائق النافذة: حلب، أهز رأسي بالموافقة وأدخل.. فقط لفة وسننطلق باتجاه حلب ابن العم، يجاوبني السائق دون أسأله، ربما كان متعوداً على أسئلة الركاب، بينما التزمت الصمت، لدي متسع من الوقت لكل شيء.. يدور بنا السائق في شوارع كوباني بحثا عن ركاب من أمثالي، تلك المدينة التي تتثاءب متأخرة، شوارع مهجورة إلا من الذكريات، مدينة لا يعرف تفاصيلها إلا أبناؤها المنسيون في زحمة التاريخ والجغرافيا والأفكار والحياة العصرية، لا تحتل مشاهدها إلا شاشات ذاكرتنا... كانت الطائرات تزاحم أسراب الحمام التائهة، منذ أن أعلن العالم الحرب في كوباني، الوجوه المنهكة غادرت إلى ما بعد السياج، القذائف تنهال على الغرباء وآلياتهم، ذات الشوارع المنسية شهدت الحرب بكل تجلياتها، الحروب تعملنا أن السماء ليس لعبة إحصاء النجوم أو انتظار المطر، تعلمنا أن نودع التفاصيل قبل الغروب، تعملنا قبل أن نعود، أو قد لا نعود، علينا اتقان لغة النسيان.
الأجرة من فضلكم، أريد تعبئة الوقود في محطة خليل إبرايمِ ريسم، يختلط صوت السائق الأربعيني الأشيب مع صوت فيروز، ندفع الأجرة ونعود لحالتنا الأولى، يجلس بجانبي شاب يضع نظارة سميكة، ويبدو من هيئته أنه أحد المدرسين العرب الذين انتدبوا لخدمة الريف من قبل وزارة التربية، كانت تفوح منه روائح عطور رخيصة، بينما يحمل في يده رزمة من الأوراق، بقي صامتا وربما كان يلعن في سره حظه الذي رماه في هذه المدينة أو في إحدى القرى المتناثرة حولها، خلفي تجلس إمرأة تحمل رضيعها، وبجانبها زوجها الذي يلبس سترة من الجلد المهترئ، كان يدور بينهما حوار خافت عن موعد الطبيب والتكاليف واستياء الزوجة من تصرفات حماتها، وإلى جوار السائق كان يجلس أحد الطلبة الجامعيين قد صفف شعره بعناية وبقي صامتا طوال الرحلة ومنكبا على دراسة بعض المحاضرات. 
ينطلق بنا السائق باتجاه حلب، أجول ببصري من خلف النافذة وأتأمل كل شيء، ثمة مقبرة على يسار الطريق، كانت تتوسع ببطء منذ أن تبرع بها أحد أثرياء المدينة. هذه المقبرة الصغيرة كانت تسترخي بين خدوش الأرض والعلامات التي تميز الراقدين فيها. كنا نعتقد أن الموت هو استثناء لسرمدية الحياة، وأننا حاصرناه في حيز من المكان والدعاء، الموتى هم فصل من التاريخ، لا يموتون ولا يختفون خلف الضباب والسور، تزين صورهم الجدران والحياة وقصص الذاكرة.... في السنوات الخمس الأخيرة توسعت المقبرة، توسعت لتحاصر كل شيء، الحياة استثناء طارئ وظل غيمة في تحولات الفصول، هكذا تقول أم تجثو على قبر ابنها. هي لا تفهم صراع الهويات، ولا أحلام اليسار.. الأم هي الأم، مفردة متجاوزة لكل شيء... تبكي على فقد ابنها بذات الحرقة على جثة غريب بين خرائب دارها، تقول ربما لديه أم تستفقده الآن... تتوسع المقبرة لتأكل من ذاتنا وأطراف الحياة.. كلما اتسعت المقبرة ضاق الكون، واختنقت الرؤية. 
مازالت حلب بعيدة، طريق معبد بالإسفلت الأسود يشق الحقول الخضراء، قرى متناثرة كعقد فرط من السماء، ووجوه كالحة لم تفلح وداعة الشمس في الشتاء إعادة النضارة إليها، بشر منسيون من اقتباسات التاريخ، لا يعرفون الدروب الوعرة إلى جغرافية الُشقر عند سقف العالم، لا يعرفون الجوب سنتر ولا السوسيال ولا دورات اللغات القصيرة، لا يعرفون البنوك والمواعيد وأسئلة المترجم عن الدروب التي سلكوها، كانوا يعدون النهار بامتلاء السنابل المحنية.. على تخوم الحدود جثا العجوز على ركبتيه ذات نزوح، وقال: لا تنسى مفاتيح البيت يا بني، أريد الموت هنا على هذه التراب ثم أدركته غفوة أبدية..
نقترب من مفرق صرين، يسيطر عليّ رغبة ملحة في التدخين في محاولة لقتل الوقت، الشمس ترتفع نحو السماء خلال الغيوم المتناثرة، صمت مطبق، إلا من الحوار الخافت خلفي عن هواجس الزوجة ذات الوجه الشاحب، ثمة نساء على جانب الطريق يرتدين ثياباً مزركشة على عادة العشائر في سهل سروج، وعلى مسافة قصيرة كان هناك نساء أخريات بلباس مائل للسواد، جغرافيا أقل وحشية، وهويات قاتلة، لا حدود لنقف عليها، فقط لباس النسوة يحدد كل شيء. يستبدل السائق شريط فيروز بشريط لمحمد شيخو، يردد كلماته بلذة مبهمة، يرفع المعلم العربي الجالس بجنبي رأسه ويعدل نظارته، ثم يقلب الأوراق التي بين يديه برتابة.. يمكنك مشاهدة زرقة الفرات من بعيد، الجبال الجرداء على ضفته الغربية، مشهد لا ينتمي للذاكرة إلا تجاوزاً.. تختلط المشاهد أكثر وأكثر، تتقاطع فيما بينها، تتلاشى المسافات الزمنية بانحناءات سوريالية وعبثية، طيور النورس، طائرات التحالف، الحافلات المحملة بالبضائع، نعوش الشهداء الذين قتلوا في معارك الغرباء، الهجانة، عربات الأمريكية المصفحة، وجوه تناسل سمارها من الشمس، منسيون في هوامش الوجود، يساريون وإمبرياليون، رفاق قدماء، أحفاد حسن صبّاح، عثمانيون جدد، غاضبون من عبء الأسطورة والقيامة... أحاول ترتيب الذاكرة، لا توجد قضية كبرى، ثمة قضايا صغرى تتناوب فيما بينها ثوب النسيان، ستنسى كأنك لم تكن، ستتذكر أن خلف هذه الجبال مدناً لا تتذوق خبز الحروب ولا توسع مقابرنا الصغيرة... نتجاوز جسر قراقوزاق الجديد، يدور بين السائق والطالب الجامعي حوار يومي مبتذل، يكتفي المعلم العربي بالنظر إلى ساعته، بينما أسمع حديث صاحب السترة المهترئة لزوجته عن انخفاض مستوى مياه النهر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملحمة فرهاد وشيرين

ما معنى الوجود يسبِق الماهية؟ وهل الإنسان حرٌّ في أفعاله؟

نظرية العقد الاجتماعي عند جون لوك