recent
جديدنا

مُصادفاتُ ضائع "الحلقة الأولى"

الصفحة الرئيسية

نزار حَجي مصطفى
 






في إحدى التلال الكوردية العالية، وبينَما كنتُ أمشي باحثاً عن قريتي الضائعة في متاهة تلك التلال، وقد أنهكَني العطشُ، وشلَّ أطرافيَ التعب، صادفتُ في طريقي راعٍ التجأَ إلى ظلّ شجرةٍ من حرِّ تلك الشمسِ المُحرقة, وهو يعيشُ في هذه البرّية وحيداً, لا يكترثُ وجودَ أحدٍ، ولا يحبذه, تعوّدَ على الوحدة، وقد استنتجتُ هذا من طريقة تعاملِه مع عابري السبيل، فلم يكنْ يبالي أحداً، فنظراتُه كانت تقتصرُ على ما في يده، وأغنامه التي كانَ يلقي عليهم نظرةً خاطفةً، ثمّ يعودُ إلى إكمال ما بيده.



كلّما أخطو نحوه خطوةً كنتُ أكتشفُ مَزيداً من بساطة هذا الراعي، وفقره، على الرغم من أنّ الجوّ كانَ حارّاً لدرجة الاحتراق فكانَ يرتدي عباءةَ صوفٍ بنّيةٍ أكلَ منها الزمنُ ما استطاع، وقد احتمى من أشواك تلك التلال البرّية العالية بحذاءٍ بلاستيكيٍّ، وعليه يبدو خرائطَ كلّ العالم بما وقعَ عليه من السوائل، وكانَ إلى جانبه مَوقدٌ حجريٌّ، وعليه إبريقُ الشاي، وقد أسودَّ لونه.


راعٍ يبدو عليه شيبةَ الثمانين، وقد لفَّ "جَمْدانيته" حولَ رأسه، فلم يظهرْ سوى قسماً قليلاً من شعره الأبيض، ووجهه المُتجعّد بأكمله. وصلتُ إليه، وقد أشبعتُ عينيّ من تلك اللوحة الفنية الرائعة التي ارتسمتْ منه، وطريقة جلوسه تحتَ تلك الشجرة التي يقلُّ مثيلها في هكذا تلال.



اقتربتُ منه، وهو ساكنٌ لم يتحرّكْ, أرعبَني سكونه المخيف، التقطتُ حجراً مُتوسّط الحجم، وجلستُ عليه، وقلت له مُرحّباً:



-         عمْ: مرحباً... ألديك ما يبلُّ ريقي؟



انتظرتُ الجوابَ، لكنّه ظلَّ ساكناً لم يتحرّكْ, بدا كما لو أنّه قد ملَّ من عابريْ السبيل... جلستُ أتأمّلُه، وهو يعيدُ ربطَ خيطٍ على رأس عصاه الطويل المُعمر... حاولَ ربطَ الخيط لكنّه لم يستطعْ، عرفتُ حينَها حاجته لي، فبادرتُ بإمساك العصا بكلتا يدي، شدَّ الحبلَ، وأخذَ يضربُ به الأرضَ ضرباتٍ متتاليةٍ على سبيل التجريب، من دون أنْ أستأذنَ منه, التقطتُ قارورةَ الماءِ التي كانتْ على جانبه، وشربتُ ما سُنِحَ لي من الماء، وعندَما انتهيتُ من الشرب وقعَ نظري عليه وهو يُحدّقُ فيّ بدهشةٍ متخفيةٍ، فقلتُ مُعرّفاً بنفسي:



-         أنا نزار!!


هزَّ رأسَه، وهو يلتقطُ حجرةً صغيرةً يرمي بها إحدى أغنامه، سألتُ ثانية:



-         أهذه أغنامك؟



سألَ، وكأنّه لا يبالي بأسئلتي:



-         إلى أينَ أنتَ ذاهب؟

-         أقصدُ قريةً يقالُ لها «جَوْدَكْ»، وقد ضللتُ طريقي.



عادَ يُحدّقُ بعصاه، وقد بدا وكأنّه يحاولُ تجنّبَ أسئلةٍ لا يريدُها, ثمّ بعدَ هُنيهةٍ قالَ، وقد جمعَ كلَّ أسئلته بعبارة:



-         الكورديُّ معروفٌ بضياعه!!



أضحَكَتْني عبارته، إلى أنْ أوقفَني سكونٌ مُفاجئٌ متأمّلاً الراعي وشكله ومدى حكمته، وبينَما أنا غارقٌ في دهشتي، تابعَ قائلاً:



-         التائهُ دائماً يتحكّمُ به مَنْ يرشدُه، وهكذا الكوردي.. تائهٌ بفطرته، فقد وُلِدَ تائهاً، وسيظلُّ تائهاً, وكلُّ مَنْ احتاجَ الكورديَّ شدَّه إلى جانبه لحين قضاءِ حاجته به، ثمّ ردّه..



تعمّقتُ دهشتي بالراعي وبذكائه. قالَ هذه الكلماتِ، ثمّ قامَ ينفضُ بيده اليُسرى ما قد التصقَ بعباءته من غبارٍ، وقشٍّ، وأشواكٍ تكونُ كثيرة في تلك التلال.


وأخذَ يمشي باتجاه أغنامه بقامته القصيرة، وعرجة خفيفة في رجله اليمنى, وأنا بقيتُ أفكّرُ بما قالَه. وبعدَ فترةٍ قد لا تتجاوزُ الدقيقتين تقريباً رفعتُ رأسي أبحثُ عنه، وإذْ به جالسٌ تحتَ ظلِّ شجرةٍ تُبعدُني أمتاراً، جذبَني شوقُ معرفةِ المزيد عنه، فذهبتُ إليه وقد أنساني التفكيرُ تعبي, ما إنْ وصلتُ إليه حتى خاطبني قبلَ أنْ أبادرَ بأيّ سؤالٍ، وقد أغضبَه تأخري عن رحلتي:



-         طريقُك بعيدٌ يا بُني, فأمامُك رجوعُ مائتي متر، وبعدَ ذلك ستتجهُ غرباً، فقريتُك أناسُها يعيشون في عالمٍ بعيدٍ كلّ البعدِ عن عالمنا.


قلتُ له وقد بانَ عليَّ التعبُ، والهلاك:



-         أريدُ أنْ أعيدَ بعضاً من قوّتي، وراحتي فقد أتعبَني الطريق.


ردَّ بلهجةٍ غربية غامضة:



-         أجدُ فيك صفاتِ كلِّ كورديّ, إنّ سببَ فشلِ الكورد في التاريخ هو الوقتُ, لو أنّهم عرفوا قيمةَ الوقتِ لكانوا قد نالوا ما يرغبون.



زادَ اندهاشي بعقل هذا الراعي البسيط, وزادَ عشقي لحديثه, وقد بدا وكأنّه لاحظَ انجذابي إلى حديثه فقال:



-         يا بُني قمْ.. اتبعْ طريقَك, أنا هنا، وموطني هنا، وما يأويني هنا، وما يسدُّ جوعي هنا, لكنْ رحلتُك طويلةٌ، وأمامَك الغاية التي تقصدُها، ثمّ العودة إلى دارك فترى الشمسَ قد أمالتْ جهتها ميلَ الغروب.



يُتبع..
google-playkhamsatmostaqltradent