recent
جديدنا

" حيونة الإنسان" للكاتب ممدوح عدوان

الصفحة الرئيسية


بقلم : سربند حبيب

يعتبر الإدراك الحسي عتبة مشتركة بين الإنسان والحيوان ، ولكن الإنسان يرتقي بإدراكه إلى الفهم ومنه على العقل , في حين لا يعدو معرفة الحيوان التامة إطار الغريزة أو الفطرة التي فطر عليها، فعند ممارسة الإنسان أي عمل مجرد من إنسانيته كالعنف والقتل والتنكيل والتعذيب ... فإنه بذلك ينتكص إلى الحيوانية أي يتجرد من خصائصه الإنسانية ،ويبقى مجرد حيوان عاقل ، فالعقل وحده لا يتجه نحو الخير والحق والجمال بل هناك دائما وحشٌ في نفس الإنسان .

وهذه هي الجدلية التي شغلت الكاتب ممدوح عدوان ، كما شغل الكثير من أمثاله، فالتطور والتقدم الذي حققته البشرية خلال مراحل حياته جرده من روحه الإنسانية وجعل من الإنسان مشكلاً على الإنسان .

فاستهل ممدوح عدوان كتابه بصرخة احتجاج على ماآلت إليه البشرية من توحش، فهو يرى بأن عالم القمع ، المنظم منه والعشوائي الذي نعيشه هو عالم لا يصلح للإنسان ولا لنمو إنسانيته بل هو عالم يعمل على حيونة الإنسان ، ( أي تحويله إلى حيوان ) ومن هنا كان عنوان كتابه، ولعل الاشتقاق الأفضل هو " تحوين الإنسان "

فالكاتب ممدوح عدوان على نقيد الفلاسفة والمتصوفون والفنانون والمصلحون والأنبياء الذين يسعون للارتقاء بالإنسان إلى الكمال الذي خسره أو "المدينة الفاضلة " المرسومة في مخيلتهم، يعرض في كتابه عملية الانحطاط والتقزيم وتشويه الذي تعرض له الإنسان خلال مراحل حياته من ظواهر واقعية كالعنف والتعذيب والحرب والموت المعلن والمجازر الجماعية ، والحالات المرضية كالفصام والسادية والمازوخية التي ترجع إلى العلاقة الجدلية بين الجلاد والضحية ، وهذه أبرز تناقضات الروح الإنسانية المعذِبة والمعذبة ، الروح المعذبة هنا هي الروح المعذِبة ذاتها ( فمن قتل إنساناً بغير حق كأنما قتل الناس جميعاً ) .

ما الذي دفع بممدوح إلى هذه التسمية الاستفزازية للمشاعر الإنسانية وتشيئيها إلى أقل من الحيونة ؟ ومن الذي جعل من الجلاد جلاداً يقتل أو يعذب بدم بارد أو حتى يتفاخر بما فعل ؟ والسؤال الأهم هو الذي طرحه الكاتب نفسه ( إلى أي مدى يمكن للإنسان إيقاع الأذى بإنسان آخر لا تربطه به أي رابطة سلبية أو إيجابية أو حب أو حقد أو حتى مصلحة ، فا الجندي الأمريكي أو الروسي يقتلون أناساً لا يعرفونهم ولا تربطهم بهم أي رابط سوى الوجود على كوكب واحد .

وأيضاً في هذا الكتاب يتناول ممدوح عدوان العديد من الروايات والقصص والمسرحيات والأفلام والمذكرات " للمعذبين " في السجون أو المعتقلات أو في الحياة العامة من شتى أصقاع العالم ، حيث ميّز بين الجلاد والضحية من خلال تحليل تشابكاتها في التماثل والتناقض معاً وذلك لدراسة الصراع الدائر بينهما .

فالجلاد هو أداة الحاكم أو ذراعه بل صورته الواقعية بلا قناع ، لايرى في الضحية الخصم سوى أذى للبشر وعدو للبشرية ، والخصم هنا ليس فرداً بل عرق أو طائفة أو حزب أو عشيرة .... فكتب قول هتلر : ( حيوانات غير جديرة بالحياة ) ص49 . هذه النزعة العرقية التي قامت على عقيدة الامتياز والتفوق ، هي تخليص البشرية من أنصاف البشر الضارين ، ويجب أن نلاحظ هنا بأن الضحايا يتحولون إلى جلادين كالأقليات التي عانت من الاضطهاد في الماضي وانكفأت على نفسها وطورت شعوراً بالتفوق والامتياز ، لأنها استطاعت الحفاظ على بقائها حين تتاح الفرصة لأي منها وتخرج إلى النور، يمكن أن تسود وتتسلط وتؤكد امتيازها وتفوقها بحس انتقامي من الآخرين هو نوع من الانتقام من الماضي. ص28

إن الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقته كونه قاتلاً لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل فرداً من بني جنسه ويعذبهم دونما سبب بيولوجي أو اقتصادي وجيه ، ويحس برضى التام من فعل ذلك ص49 .

في مسألة الدين والحكم : ليس هناك قدر محتوم على البشر أن يتحولوا إلى جلادين وضحايا ووحوش مفترسة وأرانب أو فئران ولكن أنظمة القمع والاستغلال هي التي تريد إبقاء البشر عند مرحلة الحيوانية الغريزية الأولى وحين يحاولون الخروج من هذه الشروط تثبتهم فيها أو تنزلهم إلى ما هو أحط من الحيوانات من خلال القسر ص181 .

والسؤال الأكثر إيلاماً الذي طرحه ممدوح في هذا الكتاب ، هو سؤال موجه إلينا جمعياً بدون استثناء ، هل نحن جلادون ؟ ولا يختلف الأمر كثيراً لو كان السؤال ، هل نحن ضحايا ؟

إذا في النهاية يبقى الإنسان مشكلة يعاني منه الإنسان نفسه .


google-playkhamsatmostaqltradent