recent
جديدنا

وداعا أيتها السنابل

الصفحة الرئيسية
                                                       القاص : خليل عثمان 

داهمه ذلك اليوم و الشمس قد أطلت عليه مبكرة على غير عادتها ، نهض( رمو) مبتهجا طروبا راغبا الطواف حول حقله الصغير ، توجه إلى هناك وبدأ يطلق صوته بالغناء و يمتع ناظريه بالسنابل الذهبية والتي تهزها النسمات الغربية المنعشة وهي تردد لحن الحياة .

طالما احتفظ (رمو) بأحلامه في ظلمة أعماقه حيث لا تناله الأيدي ولا تقتحمه العيون ، كان يبدو كالأبله و هو يبني قصورا في مخيلته المكتظة بالآمال كلما وقعت عيناه على مساحات القمح الممتدة أمامه ، إنه يمضي بعيدا في طموحاته للقادمات من الأيام . فالسنوات العجاف التي مضت والجدب الذي اصاب الأرض أرهقه ، ويبدو أن السماء بدأ يحن عليه هذا العام ، ويخجل من أدعيته ، ويجود بالخيرات .

وها قد أبتلت الحقول بغيث لا يجف الأرض منه ، زارعا البهجة في فؤاده من جديد .

أجل هذه السنة حتى عظام الموتى لم تسلم من الطمر بالمطر في قبورها ...!

عاد إلى بيته المتهالك من الأمطار ، أطلق آهة كأنها الهمس ، وهو ينظر إلى الغرفتين التي شيدهما دون سقف ، حالما بإكمال بناء ما تبقى منهما بعد جني المحصول .

وقبل ان يستلقي على اللبادة المصنوعة من الصوف نادى زوجته ، طالبا إبريق من الشاي ، ثم اطل بعينين ذاهلتين من النافذة بعد سماعه لصراخ غريب ، مد بصره وهو يرى بيوت القرية المتداعية بعضها يحنو على بعض ، ووجوه الاطفال الشاحبة ، والشمس المنتقمة من الأرض وكأن هناك ثأر قديم بينهما ، وها هو الهواء الراكد يأخذ قيلولة الظهيرة ، ولايلبث أن يتحرك قليلا بين الحين والآخر في ملل ، فيصفح تراب الطريق الوحيد المؤدي للقرية وكأن به يتثائب ؟

ولكن الصوت يزداد زعيقا وصراخا ، فخرج (رمو) على عجل وشاهد ما لم يخطر بباله قط ، هرول كالمجنون بإتجاه حقله ولهيب السعير يحصد المسافات دون رحمة أو شفقة . لم يمضي الوقت كثيرا ليحول الخير إلى الهشيم ، وينقض على صدر الأرض بجبروت فظيع ، ولتتساقط الحقيقة عارية أمامه وهو يغوص معها في قرار معتم .

لقد هوت كل الأدعية وكل الاشياء السخيفة أمام عينيه فجأة ...!



وصل إلى أكثر بقعة يعشقها و دخان أسحم حالك يغطي سمائها ، كان الصراخ المنطلق من الحناجر من كل جهة من جهات القرية يرتد صداه ، حاملا معه رعشة الرهبة إلى الأفئدة التي أضطربت بتسارع ، واللهيب المتراكض من كل ناحية يحاول ابتلاع كل شيء ، وينتهك أصداء النداء المذعور ...!

أما كثافة السواد وكثافة الرعب الممزوج بأنفاسه اللاهثة والتنهيدات التي لا يستطيع أن يخرجها من صدره ، فقد سطر المشهد الأكثر بشاعة في الكون أجمع .

أما تلك العجوز التي بدأت تلطم وتولول وتلوح بمنديلها وتطلب النجدة من ربها فقد طغى صراخها على كل الأصوات .

تراكض القرويين وتوجهوا إلى اللهيب المتزايد وكأنهم ليسوا بوعيهم فهم لا يدركون كيف حدثت النكبة التي لم تبقي على شيء ، وهول الكارثة يصعب على أستيعابهم .

أخذته أقدامه المنهكة إلى سفح ذلك التل واخذ المشهد يبتعد و يبتعد .... ليختفي عن عينيه ...!

بينما ظل السؤال في عقله المبعثر يزداد حيرة ، وقد تقبضت أصابعه المتشنجة على عصا حمله من جوار حقله ، وراح يهوي به في ضربات عصبية متلاحقة على التربة أمامه وهو يتكئ على تلك الصخرة ، فما خلاه إلا حطاما راح يفتتها بعصاه الغليظة ...!



google-playkhamsatmostaqltradent