recent
جديدنا

الشخصية وبناؤها في رواية «هيمَن تكنّسين ظلالك»

 إدريس سالم / خاص سبا

idris.heci.salim@gmail.com

تحتلّ الشخصية مكانة مهمّة في بنية الشكل الروائي، فهي من الجانب الموضوعي أداة ووسيلة الروائي للتعبير عن رؤيته، ومن الوجهة الفنية هي بمثابة الطاقة الدافعة التي تتحلّق حولها كلّ عناصر السرد، على اعتبار أنها تشكّل المختبر للقيم الإنسانية التي يتم نقلها من الحياة، ومجادلتها أدبياً داخل النصّ، لدرجة أن بعض المهتمّين بالشأن الروائي يميلون إلى القول بأن الرواية شخصية، بمعنى اعتبارها القيمة المهيمنة في الرواية، التي تتكفّل بتدبير الأحداث، وتنظيم الأفعال، وإعطاء القصّة بعدها الحكائي، بل هي المسؤولة عن نمو الخطاب داخل الراوية باختزاناته وتقاطعاته الزمانية والمكانية.[1]

فحينما تتولّد فكرة الرواية لدى الكاتب يبدأ بتخيّل الشخصيات المناسبة، للتعبير عن هذه الفكرة وحبْك الأحداث التي تتصل بها. إن الشاعر والروائي الكردي «جان بابيير» يتخيّل أبطاله يحسّون ويتكلمون ويتحرّكون، وتبدأ ملامحهم بالاتضاح له. وكثيراً فاستعار نماذج شخصياته من الواقع، فيأخذ بعض الملامح والسلوكيات من الناس الذين يعرفهم حق المعرفة، ويمزجها بملامح وسلوكيات أخرى من خياله؛ فاستعمال نماذج من الحياة الواقعية يجعل الشخصية أكثر إقناعاً.
 

الروائي والشاعر الكردي جان بابيير

تنقسم الشخصيات في رواية «هيمَن تكنّسين ظلالك» من حيث الدور الذي تقوم به إلى شخصيات رئيسية وشخصيات ثانوية, فالشخصية الرئيسية لعبت دورها كل من «هيمَن ومانو»، التي تواجدت في المتن الروائي بنسبة تفوق الثمانين بالمائة, وتبرزان كشخصيتين مركزيتين تقودان بطولة الرواية من حيث جميع عناصرها.

أما الشخصيات الثانوية، فكانت من نصيب «عيشانه – أحمو كنك – حسين حمو لوري – بوزان – بريشان – إيمو – جوتو – كارو – زيفو – سوار – نوار – نبو – سيرانو – زيلان – جفان – ريحان – وهبة – بروين – أوسمان – إيسلم...»، فهي كانت تفاعلية كيميائية، بعضها ربطت بالأحداث وبعضها لإكمالها, إذ كانت لكل منها تركيبتها النفسية والجسمية، أي أنها كانت مؤثرة كشخصية الأستاذ الشيوعي حسين حمو لوري، ولكنها لم تكن مصيرية.

صنّف جان الشخصيات من حيث الظهور إلى شخصيات كروية كشخصية هيمَن، وشخصيات ثابتة كشخصية مانو, فشخصية هيمَن أخذت أكثر من شكل للظهور في الأحداث، فقد ظهرت الإنسان الدرويشة – الطيبة، والصاخبة الساخطة، والهادئة الحنونة، والضعيفة المستسلمة, فيما مانو كان رجلاً جريئاً شجاعاً مغامراً.

ليظهر صفات شخصية هيمَن الداخلية والخارجية من خلال قوله: «كانت مجنونة ولذيذة في كلّ شيء، وقتها كانت بقصّتها المعهودة وبتسريحة شعرها القصير، لم تذهب يوماً إلى صالون تجميل، ولم تتبرّج يوماً، ولم تقف مثل النساء الأخريات ساعات أمام المرآة، ولم تشتري ثياباً غالية الثمن رغم حالتها المادّيّة الميسورة، تشبه درويشة في لباسها الخفيف، وأكثر حدّ تذهب فيه إلى التبرُّج هو أن تضع الكحل في عينيها، ومسحة خفيفة من أحمر الشفاه البنّيّ اللون، تغوص في جمال الداخل أكثر من جمال الظاهر، هادئة، متمرّدة صلبة ومرنة، وغاضبة تشتم مثل أيّ رجل سوقيّ، بعد تعارفهما تخلّت كثيراً عن الحشمة ومنظومتها وتابوها الخاصّ، شخصيّة مركّبة فيها أكثر من هيمن واحدة، كانت جملة من التناقضات اللذيذة والجميلة معاً». الصفحة (102).


إذاً يوظّف جان بابيير في روايته الجديدة الصادرة عام 2019م، عن داري نشر، الأول «مقام» العربي المصري، والثاني «آَڨا» الكردي السوري، والتي تتألف من مائة وثلاثة عشر عنوان وفصلاً، وستمائة وخمس وتسعين صفحة، شخصيتين روائيتين متناقضتين، هما الشاعر والروائي «مانو»، والصحافية «هيمَن»، الأولى كانت بصوت باطني، والثانية بصوت ظاهري، فمَانو شخصية نمت في ظلّ ظروف اجتماعية قاسية، كانت صريحة واضحة مباشرة في تناول وتفاعل الأحداث والأفكار والقضايا، على خلاف شخصية هيمَن المركّبة الجامعة من الطيبة والسخط، إذ كانت مؤّثرة بالأفكار الصوفية للشاعر «جلال الدين الرومي»، وبفلسفة «فريدريك نيتشه»، حيث كانت قادرة على الجمع بينهما والتفاعل معهما.

لدى الغوص في شخوص جان نصل إلى حقيقة واقعية في أنها تفرض نفسها على المتلقّي – القارئ، وتبقى راسخة في ذاكرته وحياته اليومية، وكأنها بالفعل شخصيات من قلب الواقع الكردي والسوري؛ ذلك أن صانعها اشتغل على اشتهارها بالبناء الفيزيولوجي والسيكولوجي والنوستالوجي، هذا البناء الذي يجعلنا في حالة تأمّل مستمرّ لها، فالشخصيات الرئيسية والثانوية احتلّت مكانة شديدة الأهمية في مخيّلة وذهنية جان بابيير، فهذه الشخصيات ليست كلّها من صنع الخيال، بل مما أنتجه الواقع الكردي في مدينة كوباني، وهذا ما كان واضحاً في مقدمة الرواية في أنها «من لحم الملكية الخاصة وحبر المشاع».


إن اختلاف الناس في النشأة والتكوين والثقافة والذكاء والأمزجة والطباع، يؤدّي إلى اختلافهم في الغايات والدوافع والوسائل، وهي مما يجب إبرازه بوضوح في بناء الرواية. قد يهمل الكاتب الجانب الجسمي فيصفه وصفاً مجملاً دون تفصيل، وقد لا يذكر من مقومات الشخصية إلا المهم والضروري لفهم أحداث الرواية، ولكنه لا يستطيع أن يهمل بقية العناصر؛ لأنها تكشف لنا عن طبيعة الشخصيات الأنانية أو الغيريّة وتظهر لنا مبادئهم وقيمهم الخلفية والروحية، أو المادية والانتهازية.

لكل شخصية واقعية أو تخييلية غاية تسعى إليها، فهناك مَن يسعى إلى الجاه والثروة كشخصية «أحمو كنك» وهناك مَن يسعى إلى المنصب وهذا ما ظهر قليلاً في شخصية الشيوعي «حسين حمو لوري»، وهناك مَن يسعى إلى التفوق في العلم كشخصية «سيرانو وبروين» أو الأدب مثل بطل الرواية «مَانو»، وهناك من يسعى إلى كسب لقمة العيش له ولأسرته ظهر عند «بوزان».

قد تتفق الغايات وتختلف الدوافع، فحسين حمو لوري سعى وراء السياسة والسلطة بدافع خدمة مجتمعه وتطويره فكرياً، ولم يسعَ إليها بدافع الكسب الشخصي أو استغلال النفوذ. فيما بوزان سعى إلى المال لمساعدة عائلته والعيش بكرامة، فيما دوافع مانو وهيمَن كانت وراء تغذية الجانب النفسي أكثر من الجانب الجسماني أو الصحي أو الاجتماعي.

إن الوسائل هي ما تقوم به الشخصية الواقعية في الحياة لتحقيق غاياتها، وما تقوم به الشخصية الروائية من أفعال خلال أحداث الرواية للتغلّب على العقبات التي تحول دون تحقيق مآربها، وقد يتفق الناس في الغايات ويختلفون في الوسائل، فحسين حمو لوري سعى إلى السلطة بوسائل حضارية ولو كانت سرّية خوفاً من بطش السلطة، وبوزان كان يحصل على المال بالكد والتعب، بعيداً عن الاختلاس والسرقة وهكذا... فالوسائل قد تكون شريفة وقد تكون دنيئة، وقد تكون واضحة وقد تكون مشبوهة. وإذا كانت الميول والطباع والثقافة تحدد الغايات، فأخلاق الإنسان ومبادئه هي التي تتحكّم في دوافعه وتحدّد وسائله.

أخيراً، إن هذه القراءة – المقالة هي الثالثة والأخيرة، بعد (رواية «هيمَن تكنّسين ظلالك» توثيق الحرب بتقنيات روائية مبهرة) و (تقنية «الراوي» في رواية جان بابيير «هيمَن تكنّسين ظلالك»)، إذ حاولت الغوص في دلالات هذه الملحمة الروائية الناضجة والتحفة الأدبية وأعماق معانيها ورسالاتها وأهدافها المنشودة...


[1] الشخصية ومحلّها في الرواية – 28 نيسان 2016م – محمد العباس، صحيفة القدس العربي.
google-playkhamsatmostaqltradent