-->
U3F1ZWV6ZTEzNzUzMDQwMTQxX0FjdGl2YXRpb24xNTU4MDI5NzIxNDY=
recent
جديدنا

حكايتي مع حكايات «ساعدونا على التخلص من الشعراء»



رفيف الشيخلي / خاص سبا

فتحت جهاز اللابتوب لأختار كتاباً من الكتب الإلكترونية التي اعتدت على قراءتها منذ سنوات دراستي الجامعية، وذلك بأن أمضي الليل في القراءة... وهكذا أكذب على نفسي وأوهمها أن هناك مَن يحكي لي الحكايات ويشاركني السهرة، ولست وحيدة.

وقع اختياري على مجموعة قصصية بعنوان «ساعدونا على التخلص من الشعراء» ولم أكن قد قرأت بعد أيّ قصة للكاتب السوري «مصطفى تاج الدين الموسى» من قبل، لكن عنوان المجموعة لفت انتباهي، وداعب ذاكرتي مع الشعراء الذين أكرههم... كان أبي حين عمله كصحفي، يصطحبني معه إلى الأمسيات والندوات، وكنت أراهم وكأنهم مخلوقات غريبة، كل شويعر منهم يظن أنه جاء بما لم يخطر على بال أحد، ويتحدثون بالكثير من التعالي واستغباء الآخر... أما الشويعرات، فكثيرات منهن يعتقدن أن الموهبة الشعرية موجودة في أماكن أخرى، غير الكتابة... كانوا دون اتفاق يرددون جملة تصيبني بالجنون والرغبة في الهرب «نحن الشعراء لدينا مشاعر وأخلاق» لم أسمع في حياتي كلها جملة عنصرية مثل هذه، وكأن بقية الناس لا يحسون ويتألمون ويفرحون؟ وكأن الشعراء غير البشر كلهم.

الكاتبة رفيف الشيخلي


كل هذه الذكريات، جعلتني أقبل على قراءة المجموعة القصصية بفرح وانتباه ونهم أيضاً، من القصة الأولى «في غرفة الإعدام».

لم أشعر كم مضى من الوقت وأنا جالسة أقرأ كلمات القصص، وأشاهد أحداثها أمامي بعينيّ، كنت منغمسة مع الأحداث، حتى أنني قفزتُ مذعورة وركضتُ إلى قطي الأسود اللطيف؛ للتأكد من سلامته، صرت أداعبه وأتفقد عنقه خوفاً من جرح قد أصابه من بطل قصة «قط في قفص مظلم»، صحيح أنى تعاطفت مع البطل وحالته النفسية، وتفهمتها، لكن هذا لا يمنع أن أحاول حماية قطي أيضاً، وبعد دقائق قليلة أمضيتها معه، سخرت من نفسي ومن حالة الاندماج القوية مع هذه القصص، التي تشد القارئ غصباً عنه، من ثيابه ومن روحه، لتدخله في عوالمها، ليتشارك مع أبطالها مصائرهم الحزينة، وحساسيتهم الإنسانية العالية.

تمنيتُ بعد قصة «شتاء الرسائل الجميلة» لو أن ذلك الفتى كتب لي رسالة، وبعد قصة «تبادل الأسرار بين غرباء الحروب» ذهبت إلى المطبخ، لأعد فنجان قهوة، فشاهدتُ في مطبخي شخصيات ديستوفسكي بعد أن هربها الكاتب من إدلب في قصة طويلة، أخذتُ فنجان القهوة وعدت لإكمال القراءة... وأيضاً، كما لو أن الوقت توقف، أو أنى فقدت الإحساس به، صارت القصص تتابع، وأنا لا أشعر من جسدي كله إلا بحاسة البصر، وكأن مقلتيّ جمرتان جائعتان إلى الأحداث والحكايات.


مر الوقت ومرت القصص كأفلام سينمائية، من «خلف بوابة كبيرة» إلى ثلاثة وحوش أثرية، ومن «أصابع السماء» إلى «موتى السعادة الغامضة» ومن القصة التي قد نختلف كثيراً مع صاحبها «نهاية المتحف» على الرغم من أهميتها إلى قصة «قاضي الإعدام».

فجأة أحسست بدوار خفيف، فكرتُ بأن الأمر عادي، بعد كل تلك الصفحات والساعات، التي أمضيتها أمام شاشة اللابتوب مع قصص مصطفى تاج الدين الموسى، تناولت فنجان القهوة، وأخذته معي إلى الشرفة، وأنا أشعل سيجارة وأستمتع بهواء الفجر البارد وقطرات المطر، وهي تعيد لي حيويتي وتبعد عني هموم وأحزان وتعب حكايات المجموعة القصصية.

كنت أدخن وأرتشف من القهوة، فجأة... بدأت دموعي تتساقط حزناً على الفتى في قصة «حكاية المشوه» وعلى الشاب في قصة «مخلوقات الأم» وعلى ذلك المراهق المسكين في قصة «المراهق المزعج» كان يعاني من وحدة قاتلة، إلى درجة أنه فرح وأحب رجلاً نظر إليه بغير مودة، وبكثير من الازدراء ثمّ نصحه بفتور، وبكلمات قليلة، لا يهم، المهم أن هناك من لاحظ وجوده في هذا العالم وتكلم معه.

تساقطت دموعي حزناً على الكثير من أبطال القصص، أولئك الذين يعيشون بيننا دون أن ننتبه لهم في حياتنا، أو الذين هم نحن، لكن لا أحد انتبه لوجودنا في حياته.

قررتُ أن أدخن سيجارة أخرى، فالتفتّ إلى يميني، حيث وضعت علبة السجائر، لأرى أمامي الكاتب مصطفى تاج الدين الموسى على هيئة تمثال مخيف، يدخن هو الآخر... ثمّ صار يأخذ أشكالا متنوعة، مرة على شكل شيخ ذو ملامح متجهمة، ومرّة يصير طفلاً ذو ابتسامة وديعة، ومرّة يتحول إلى وجوه ضبابية، وأنا أنظر إليها باستغراب شديد، إذ أن صورة الكاتب على الفيسبوك تظهر شاباً خجولاً، بملامح لطيفة.

ذهبت إلى الحمام لأرش وجهي بقطرات من الماء، لعلني أستيقظ من هلوسات قصص «ساعدونا على التخلص من الشعراء»  لكنني تفاجأتُ عندما شاهدتُ  في المرآة وجهي حين كنت في الخامسة من العمر، وليس وجهي المتعب والشاحب الذي أحمله معي هذه الأيام.

هل اشتقتُ إلى طفولتي لهذا الحد؟ هل قصص مصطفى تاج الدين أصابتني بحنين للطفولة والذكريات القديمة؟ أمعنت النظر في المرآة، فإذا بي أرى تلك الطفلة وهي تنظر إلى بغضب وتصرخ: لماذا قتلتني؟
بقيت مندهشة لثوان قليلة، ثمّ أحسست بصوتي يخرج من فمي دون إذن مني، ويقول بسخرية:
-         أنا لم أقتلك... بل أنت من فعل بي ذلك...

مشكلتي في هذه الحياة أني امرأة بعقل طفل، استدرتُ مسرعة وخرجت من الحمام، كي لا يكبر سوء الفهم بيني وبين نفسي، بيني وبين طفولتي التي تعيش في داخلي، فأنا أحب تلك الطفلة، ولا أرغب أبدا أن تصاب بأي سوء.

عدت إلى الغرفة حيث تركت اللابتوب مفتوحاً، فإذا بي أجد غرفتي مليئة بأوراق متناثرة، أوراق عديدة، بعضها أبيض اللون، والأخرى ملطخة بالدم، من أين جاءت كل هذه الأوراق؟ وأنا كنت أقرأ كتاباً إلكترونياً؟ لو أن الكتاب كان ورقياً، لفكرت أن الكاتب وضع بين سطوره مخدراً أو ما شابه،  لكن هذا غير معقول!

جمعتُ كل تلك الأوراق، وبدأت بقراءتها... كانت رسائل حب بين عجوزين، عاشا تجربة مريرة في قصة «أشياء لا تستطيع السماء أن تحكيها للبشر» كنتُ أقرأ وأصرخ من الحزن، لأن ولا رسالة منهما موجهة لي.

لا أعرف ما الذي أصابني حينها، ولا كيف وجدت نفسي ممددة وسط الغرفة، لا أقوى على الحركة، ودوار قوي يعصف برأسي، والكثير من الأشباح تقف بجانبي...

مرّة أشعر أنني ممثلة مسرح بنهدين محترقين، فوق الخشبة، كما في قصة "المسرح سببٌ رئيسٌ لأوجاع النهدين" ومرات يفاجئني الكاتب وهو يهجم عليّ، تماماً كما فعل الدكتور فيصل في قصة «حكاية تمثال قديم»، ومن حين لآخر تبدأ أكف وأذرع مقطوعة بقرع الطبول من حولي في ضجة هائلة، وأنا أصرخ بصوت مرتفع:
-         أبعدوا ظل هذا الكاتب عني... قصصه تسجنني...

نعم، قصصه تسجنني، كما اعتاد أن يسجن الناس داخله في قصة «سجناء ظلي».
لكن لا أحد سمع صوتي، إنما رأيتُ القاص مصطفى تاج الدين الموسى أمامي مجدداً في غرفتي، وهو ينفث دخان سيجارته في وجهي، ويضحك بصخب.

تعديل المشاركة Reactions:
حكايتي مع حكايات «ساعدونا على التخلص من الشعراء»

Kaya Salem

تعليقات
    3 تعليقات
    إرسال تعليق
    • Amer abdalhay photo
      Amer abdalhay30 يناير 2020 في 1:28 ص

      أنا أيضا لا أدري كيف انزلقت خلسة في دهاليز كتاباته الغرببة! هذا الكاتب اللطيف الشكل،الغريب التعبير، أظنه مؤامرة!!. نعم أنه مؤامرة؛ من الصعب اكتشافه من القصة الأولى، إنه يستدرجك بصبر ومكر إلى شبكته، ينثر لك حبوب الادمان كطير،ويغويك كامرأة لعوب! و
      رويدا رويدا يسجنك داخله!
      ساعدوني على التخلص من مصطفى تاج الدين!

      إرسال تعليقحذف التعليق
      • Unknown photo
        Unknown30 يناير 2020 في 5:22 ص

        ابدا ابدا لايمكن ضبط المشاعر ولا الثقافة ولا الذكريات ولايمكن توليف النفس مع مصطفى تاج الموسى على فراءة معينة اعتدتها وانت تقرا مثلا زكريا تامر اويوسف ادريس او حتى كافكا او تشيخوف ..فلابد لك انت فرأ روحا اخر جميلا وليس مكوبسا وانت تقرا قصصه ..لانك ستخرج من حرافة كتابته السينمائية اقصد القصصية كما لم تدخل وستعلق بك السينما بثيابك وروحك وستنسى تماما العنوان قتل الشعراء لتقف موقفا فنيا وانسانيا من القتلة ..فقضية مصطفى اكبر من ان تتأطر بفئة من البشر ..بل في رؤيته من كل شيء ..لاننا معه مع شيء جديد كانه تخمر وصار كنزا يلمع ..تلك سحرية جديدة ولا شك ترينا العالم عظيما بجمال فن رهيف مبدعه عذه المرة كاتب سوري ساحر هو هذا المصطفى

        إرسال تعليقحذف التعليق
        • مصطفى عبد الفتاح photo
          مصطفى عبد الفتاح30 يناير 2020 في 6:15 ص

          مصطفى تاج الدين الموسى ابن أبيه
          والده الكاتب اللامع تاج الدين الموسى ترك بصمة رائعة في القصة السورية الحديثة
          أما مصطفى فقد قطع أشواطا كبيرة في تطوير القصة القصيرة، وهذا إنجاز يحسب له.
          م.ع.ف

          إرسال تعليقحذف التعليق
          الاسمبريد إلكترونيرسالة