recent
جديدنا

أزمة الكتابة



أحمد مصطفى / خاص سبا


إن المعرفة هي أرقى وأعلى مستويات التفكير الإنساني، وذلك على اعتبار أن أدوات تناولها غير ثابتة، وتستند على مجموعة من الخصوصيات المتبادلة كالنفسية والثقافية المتفاوتة، وكذلك نتاج العلاقة بين المبدع والمتلقي.

وتأتي الفنون في أعلى قمة هرم المعرفة؛ وذلك لأنها بالإضافة إلى ما تم الإشارة إليها، فهي تأخذ الجمال مرتكزاً لقيامها، وهذا ما يزيد من مجال تعقيدها.

وتتميز الكتابة في مجال العلوم الإنسانية عموماً والكتابة الإبداعية الفنية خصوصاً بمخاطبتها للنخبة؛ أي أن القارئ يحتاج إلى درجة جيدة من الثقافة حتى يتمكن من التذوق والإدراك.

وهذه المفارقة بين المبدع والمتلقي تطلبت إيجاد وسيط بين الطرفين ألا وهو الناقد؛ فمهمة الناقد كانت على الدوام هي توفير الوسائل التي تحقق الاتصال بين الطرفين. وكانت الغاية المنشودة من تلك المهمة هي إعطاء الأولوية للمبدع، وبصيغة أخرى جعل المتلقي يرتقي إلى مستوى المبدع.

والناقد على الدوام يحاول الاستفادة من المنتج العلمي بهدف الوصول إلى المستوى الأدنى من تفكير المتلقي (الحسية) بهدف جعل التواصل ممكناً، إذاً مهمة الناقد هي التوجه بالمعرفة الإبداعية إلى العلمية المدركة.

ومر النقد عبر مسيرته بخمسة مراحل:
المرحلة الأولى هي المرحلة الاستنباطية: أي تناول محتوى عموم النصوص؛ بغية إيجاد قواعد عامة تشمل الإبداع بشكل كامل فكانت الكلاسيكية والرومانسية.
المرحلة الثانية هي مرحلة الغائية: أي الهدف من الكتابة ليس الكتابة بحد ذاتها بل أثرها في تغيير الواقع، فكانت الواقعية بأشكالها المتعددة.
المرحلة الثالثة هي مرحلة الانعزالية: أي غلق النص على ذاته وفصله عن العوامل الخارجية المؤثرة فكانت البنيوية والشكلانية.
المرحلة الرابعة هي اللا نقد: وهنا استشعر الناقد أنه ليس للأدب غاية محددة وتكمن جماله في فوضويته، فكانت الوجودية والعبثية والعدمية.
المرحلة الخامسة هي مرحلة التشاركية: أي كيف يستطيع المبدع من إشراك المتلقي للتفاعل مع المادة الإبداعية، فخرج النقاد بمفهوم (فراغات النص)، أي على المبدع أن يترك النص مفتوحاً على عدة تأويلات، وبالتالي يجد الملتقي مجالاً لملء تلك الفراغات، فكانت نظرية التلقي والهرمنوطيقيا.

ورغم الجهود المبذولة لدى كل من المبدع والناقد بقيت الكتابة الإبداعية تعاني العزلة. ولكن على العموم كان الكتاب هو المجال الوحيد لتلقي المعرفة. لكن ظهور تقنيات التواصل (وسائل التواصل الاجتماعي) زاد من محنة الكتابة، فلم يعد الكتاب يحظى بصدارته، وأصبح مهدداً بالانقراض.

إن طبيعة الكتابة في تلك الوسائل فرضت على المبدع واقعاً جديداً وقاسياً في الآن معاً، فأصبح المبدع يتنازل في كثير من الأحيان عن القيمة الإبداعية بهدف مجاراة مزاجية المتلقي، سواء من حيث الشكل أو المضمون.

فلم تعد الكتابات الطويلة مستساغة، بل أصبح الشكل يطغى على المضمون، فلا بد أن يكون كل نص مرافقاً لصورة تفسيرية تخاطب بصر المتلقي، كما أنه في ظل هذه الحالة الفوضوية لم تعد نستطيع أن نميز بين المبدع الحقيقي وبين الدخلاء على الإبداع. وفي كثير من الأحيان يضطر المبدع مرغماً للترويج لنتاجه، رغم هذا تبقى الكتابة تعاني عزلتها والإبداع يفقد أهميته.

أزمة الكتابة
Kaya Salem

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • غير معرف6 أبريل 2020 في 5:46 ص

    صديقي ماهي الهرمونطيقيا ولم أشأ البحث عنها عبر غوغل لكي لاأفقد شغف المعرفة بهذه العبارة وللتنويه أنا صديقك على الفيسبوك بأسمي الحقيقي Mazlome darwish

    حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent