recent
جديدنا

التشويق والاختزال للوجع السوري في رواية «رصاصة أخيرة»



سربند حبيب / خاص سبا


سوريا... الجرح المفتوح في خاصرة الوقت، الوطن المنفي في جغرافية العدم، المنسيّ في ضمير الإنسان، الأرض المكسية بالسواد والرماد، والياسمين لا تزال مترنّحة بثرثرات القيامة وغطرسة الدم.

انبثق من هذا الجرح غير المنتهي في نزفه الكثير من الأعمال الفنية، تردّدت صداها في أقلام الكتّاب وريشات الرسّامين وآلات الموسيقيين... 
خلال هذا العقد أصبحت الثورة – الحرب أهم القضايا التي رسّخت تجلّياتها في الرواية السورية، لما يطرحها من أبعاد دلالية حسّية وجمالية ثقافية وإيديولوجية، الذي شكّل الركيزة الأساسية لمعظم الإنتاج الروائي السوري الراهن، فقد طرأت تغيّرات على ملامحها الفنّية والأدبية، ورسّخت معالم جديدة وحركة غير مألوفة فيها، واكتسبت طابعاً مأساوياً تراجيدياً، وأصبحت الفسحة الأكثر تعبيراً عن خلجات النفس للسوريين الذين عبّروا عن مأساتهم في الشتات، عبر صرير القلم؛ لتصبح كلماتهم شواهد حقيقية على فجيعتهم الإنسانية.

فالكاتب السوري «حسن الخطيب» شاهد حقيقي على فاجعة وطنه، أراد أن ينقلنا عبر أثير قلمه من المنفى الذي لملم أجزائه واحتضنه فأعطاه قبلة الحياة مجدّداً،، إلى ضفّة أحداث واقعية لمأساة حقيقية، عاشها كلّ سوري بتفاصيلها البشعة.

«رصاصة أخيرة»، رواية من القطع الصغيرة، تقع في (136) صفحة، صادرة عن دار (نون 4) تركيا – عينتاب عام 2020م. عنوان أكثر من واقعي، الرصاصة التي مزّقت شعب برمّته...، قتلت...، شرّدت...، يتّمت...، لبداية حرب مستمرّة، والتي أصبحت فيما بعد وجودها مرهونة بحرب غير منتهية في ملحمتها الدموية. ينقسم الكتاب إلى فصلين «الحلم» و«الكابوس»، ويختزلُ عبر فصولها الشيّقة مأساة شعب خرج ذات يوم مطالباً بالحرّية والكرامة والمساواة...، فتبعثر أرقام في الزنازين والمنفى وصناديق الموتى...


ينوّه الكاتب: «بأن الذي ستقرؤه بين دفّتي هذا الكتاب ليس سوى سيناريو مترجم عن الواقع الذي نعيشه جميعاً، وكلّنا شركاء بكتابته، كلّ بأدواته. منّا مَن يكتب الفصل الخاصّ به بالدم، وآخر يكتب فصله بالنبيذ، هناك مَن يكتب بالقلم، وآخر يكتب بالموسيقى، أحدنا يكتب فصله بالذهب وآخر يكتب بالجوع، وهناك مَن يكتب بالدمع. هناك مَن يكتب بالحنين، وآخر يكتب بالصمت، أما أنا فقد اخترت أن أكون مترجماً لهذا الواقع إلى كلمات، وتركت لك كتابة بعض العناوين لفصول لم أجرؤ على احتكار عناوينها لنفسي، فلربّما ستجد لها أنت عناوين أنسب».

يتخذ «الخطيب» من عائلة مسيحية مثال حقيقي ليبني عليه أحداث واقعية، لمأساة سوريا، متقصّداً موقفهم الرمادي تجاه الثورة والتغيير، وقد انحاز الأغلبية منهم باتجاه النظام والسلطة الحاكمة، فكان موقف والد وليد واضحاً من حواراته: «أرجوك لا ناقة لنا في هذه الحرب القادمة ولا جمل. تذكّر دوماً نحن لسنا مع أيّ طرف – أنا أعلم أننا لسنا مواطنين في هذا البلد، لكن وطني أنا هو هذه العائلة، وطني هنا معكم في هذا البيت، أما ما سيحدث خارجاً فليس مسؤوليتنا ولا دخل لنا به».

شقيقان متناقضان فكرياً، البكر «وليد» أناني ضائع ملتزم يسطوه الخوف، والذي يصبح فيما بعد رقم في جيش النظام؛ ليزيد القتلى بقنّاصته، كمهر للزواج من  عشيقته «عشتار» ابنة ذاك الضابط المنحط، والأصغر «عمر» شاب جريء ثائر مختلف تماماً عن أخيه، باحث عن الحرّية والمؤمن بثورة التغيير.

تتبع الكاتب «الكرونولوجيا» في سرد الأحداث، حيث افتتح روايته بالمشهد الأخير، ذاك المنولوج الداخلي لوليد، الذي يندب حظّه ووجوده في هذه الحياة التعيسة متأمّلاً الضفّة الثالثة للنجاة ‏«لست أنا حيث أنا، لكن حظي العاثر جاء بي إلى هنا. يبحر في خياله عميقاً كي يرتب فوضى السنوات الأخيرة، عله يعود ثانية إلى ما قبل ذلك من حياة، لكن للحرب أمر آخر لا يجرؤ على عصيانه أحد».

يصف لنا الكاتب من خلال أحداث الرواية مشاهد حقيقية للنظام الحاكم المستبد، من الاعتقالات العشوائية والقمع والتعذيب في السجون ومظاهر الفساد في الجيش، حتى أصبح الموت طقساً يومياً من حياة هذا البلد، إذ يقول الكاتب في الصفحة الخامسة والسبعين: « أصبح الناس يستقبلون أنباء الوفاة بدم بارد وبحزن فاتر كما لو أنهم يأسفون لخسارة فريقهم المفضل في كرة القدم، يدفنون موتاهم كما لو إنه جزء من أعمالهم اليومية البسيطة ».

تكتنز الرواية بشخصيات فاعلة ومؤثّرة، لكن اختزال الكاتب لتلك الشخصيات في بوتقة السرد والوصف أفقدت الرواية قوّة بنائها الفنّي، حيث كان من الممكن معالجتها درامياً وربطها بأحداث الرواية ديناميكياً، لتخدم طبيعة المتن الحكائية، كشخصية «فاطمة» مثلاً، التي كانت تعمل نهاراً في دار للنشر، وعاهرة ليلاً؛ حتى تستطيع أن تسد رمق عيشها، فهي مثال حيّ على معاناة ومأساة السوريين عامة والمرأة خاصة، وكذلك توظيف شخصية «آزاد»؛ كي تكون فاعلة ومحرّضة للتعبير عن الخصوصية الكردية في هذا الطوفان السوري، باعتبارهم جزء لا يتجزأ، ولفعاليتهم الحقيقية في ثورة الأم، فنوّه الكاتب وعلى لسان آزاد وبشكل غير مباشر إلى هذه المسألة، لم تكن شافية ووافية عندما يقول في الصفحة (44): «في الأمس كانت الحروب حزبية وقبل ذلك حروباً دينية، واليوم تحلّ الحروب القومية محل الحروب الدينية والحزبية، وهذا كله غطاء للنزاع الغرائزي البشري العميق. انظري إلى القوميات المصطنعة في المنطقة كيف تخلق لدى الإنسان حدوداً وهمية عميقة وصلبة مع أخيه الإنسان، فنرى بأن أيّ كائن بشري مدني يفرح لموت كائن بشري مثله لا لشيء، سوى لأن مزاجاً جماعياً في دائرة ما صنف الآخر في الدائرة المجاورة على أنه عدوّ، وفي الوقت نفسه فالكائن البشري لا يثيره حقيقة سوى مقتل أحد أبناء دائرته».

يعتبر الفصل الثامن «الثورة» في الرواية من أقوى الفصول؛ حيث طرح فيه الكاتب أفكار متنوّعة بطابع وصفي غير تفاعلي، من ذاك الحوار الذي دار بين لقاء مجموعة الشباب أصدقاء عمر (صراع الأديان والقوميات... المرأة... الإيديولوجيات... الجوع... الصراع الوجودي... الفقر... الديمقراطية... الميثولوجيا...)، ومن هنا نتلمّس العلمانية وتحرّر الكاتب فكرياً، وخاصة عندما يطرح قضية العدالة الإلهية: «... الرهان على الله رهان خاسر يا صديقتي. فلو أن الله موجود لما ترك أصحاب الرايات الصفر يذبحون الأطفال باسمه». (الصفحة 49).

«رصاصة أخيرة»: رواية شيّقة مختزلة للوجع السوري، وبكلّ ما تحمله للقارئ من أحداث ومناخات، وشخصيات، وآلام... حسرات... رغبات... شوق... حبّ... فقدان الحنين والتيه...
لكن الاختزال وعدم تفاعل الشخصيات فيما بينها، وخاصة الشخصية الرئيسية، فموت «عمر» بشكل نهائي كانت سلبية، وفقدت من قوّة الرواية، إذ كان من الممكن أن يتصارع مع شخصية «وليد» روحياً، وكذلك الانتقالات في الرواية كانت ضعيفة،
وما جاءت به محاولات للإجابة عن أسئلة وجودية قلقة ترافق حيرة السوري ورحلة بحثه عن حياة تليق به كإنسان.





في الختام نقرأ بعضاً من مقتبسات الرواية:

  • الذلّ ليس أن تعتقل فحسب، لكن أن تصمت أيضاً، فيظلّ جسدك طليقاً لكن روحك سجينة. (الصفحة 37).

  • مَن أنت؟ هل تساءلت يوماً عمن تكون حينما تقول أنا؟ ما الذي تعنيه بالضبط كلما تتلفظ بمفردة (أنا)؟ هل فكرت يوماً ما هو أناك؟ هل تعبر بـ (أنا) يا ترى عن اسمك الذي ولد معك أم عن جسمك الذي ارتديته مصادفة؟ هل الأنا هي روحك أم دماغك الذي يدير هذه الآلة التي اعتدت تسميتها جسداً أم ربما لسانك الذي ينطق بما في قلبك وعقلك؟ (الصفحة 39).

  • أنا أرى المشكلة في الإيديولوجيا والقناعات الدينية والحل اليوم، ليس فقط للمأساة التي نعيشها إنما للمأساة البشرية عموماً، يجب ألا تكون علمنة للدولة فحسب، إنما يجب علمنة الدين أيضاً، وذلك بتحريره من قبضة الدولة، وتحرير السياسة من قبضة الدين، وجعله يتوافق مع العقل والفكر؟ (الصفحة 43).

  • انظري إلى القوميات المصطنعة في المنطقة كيف تخلق لدى الإنسان حدوداً وهمية عميقة وصلبة مع أخيه الإنسان. (الصفحة 44).

  • هم لا يرون هذه البقعة الجغرافية من العالم الغنية بالثروات سوى سيرك، ونحن وحوش خلف أقفاص هذا السيرك، يعترضون بين الفينة والأخرى على الروض الذي يسيء معاملة الوحوش، لكن هم مَن يدفع ثمن التذكرة لحضور العرض. يدفعون للمروض، لأنه يمتعهم بالعرض ويدفعون له، لأنه يسمح لهم باستغلال أرض السيرك لاستعراض سياراتهم الفاخرة ويدفعون له لأنه يحميهم من خطر الوحوش. (الصفحة 45).

  • يجب أن يعرف الذكور أن المرأة التي تؤجّر جسدها لكي تأكل، هي ضحية وليست عاهرة، ومَن يستغلّ حاجتها للمال ليشبع غريزته ولا يدفعه لمساعدتها فهو العاهر. (الصفحة 49).

  • إننا طرفان في هذه المعركة وبيننا طرف ثالث يموت لا ذنب له سوى أنه وُجد مصادفة في مكانه الطبيعي، لكن زمانه مختلف. (الصفحة 53).

  • لا تعني كلمة لاجئ الآن بكلّ ما تخزنه من ألم سوى البقاء. (الصفحة 75).

  • بدأت توسوس عن الانتقام، عن رقود الأرواح بسلام الدم الذي يغسل الدمع. (الصفحة 76).

  • لماذا لا تنتصر المعارضة إذاً؟ لأن هناك مَن اشترى المعارضة أيضاً. (الصفحة 95).

  • الرصاصة هي مجرّد عبد مطيع بيد حاملها وقاتل بشع بجسد ضحيتها. (الصفحة 99).

  • الرصاص موت رحيم ويكلّف الدولة مالاً كثيراً. (الصفحة 100).

  • الخيانة بذرة لا تنجب سوى خيانة والأفضل أن تقتلع هذه النبتة وهي صغيرة من أن يصبح اقتلاعها صعباً عندما تكبر، لو لم تكن الدولة رحيمة بصغارها في الثمانينات لما كان علينا الآن أن نواجه كلّ هؤلاء الخونة اليوم. (الصفحة 100).

  • كم كان سيكون جميلاً لو صنعت الدول كعكاً مغطّى بالشوكولا بدلاً من الرصاص. (الصفحة 121).
google-playkhamsatmostaqltradent