recent
جديدنا

بين الأديب النفسي وعالم النفس الأدبي حكاية قصة وقصيدة وحرب



أحمد خميس (أثينا) / خاص سبا


الكتابة جرحي أنا. وأنا مَن يضع إطاراً فنّياً لهذا الجرح.

قبل البدء شعرت بضرورة استهلال ما سأكتبه بهذا القول للدكتور موسى عباس.
تناولت في هذه الدراسة المتواضعة ثلاثة نصوص، مبدئياً، وسأحاول سبرها وتشريحها دون الالتفات إلى أية منهجية علمية أو مدرسة نقدية؛ لأن ما أوردته سالفاً أو ما استهللت به مقالتي أربكني بعض الشيء.





حرّاس العقل


تدور أحداث هذه القصة بين إدنبرة والبيئة التي انطلق منها الحدث ما قبل بدئه، وفيها يسلط الكاتب الضوء على المنظومة المافيوية التي تحكم البلاد العربيّة واعتمادها على النظام المسباري في رصد سلوك مواطنيها عامة والمثقفين منهم بشكل خاص والتعامل معهم على أنهم أعداء إلى أن يثبتوا العكس.



طلبة يدرسون في إحدى جامعات المملكة المتحدة، إذا هؤلاء هم... نعم هم العدو اللدود لمَن تقلّدوا حكمنا، وهذا ما أشار إليه اسم النص «حراس العقل»، لا ينبغي لأحد أن يحرس العقل ولا أن يُعمِله وهذه هي دعامة الأساسية التي تستند عليها الأنظمة الديكتاتورية في توطيد أركان حكمها.



في النص تعمّد الكاتب إضحاكنا بلحظة ما، لكننا لم نضحك، وبقيتْ وجوهنا متجهّمة حتى وبعد أن انتهينا من قراءته. فالذي يذكر ذاك المخرج السينمائي الذي ألقي القبض عليه عائداً من باريس في «القوقعة» لمصطفى خليفة، وبعد أن أمضى ثلاث عشرة سنة في المعتقل بتهمة الانتماء لحزب اسلامي وهو مسيحيّ الديانة سيراوده ذات الشعور حينما سأل سائق السيارة بطل القصة عن (حراس العقل) وتمويلهم، والجهات التي يتبعون لها فأجابه ضاحكاً: «أنا وعادل وإلياس».

ستراودك هنا ابتسامة لا تدري سببها، لا بل إنك تعلمه جيداً لكنك ولكونك أَلفتَ غباءهم غاب غباؤهم عن ذهنك.



في هذه القصة يخرج الدكتور موسى عن شعريته ويقف أمام معايير قصته باحترام، ويحاول جاهداً الابتعاد عن الموسيقى التي كنا نسمعها في قصائده جلية رغم ابتعاده عن القافية أحياناً.

كانت المفردة في هذا النص مفردة طالب جامعي، وهنا أعود إلى تخصص الأديب وتأثير ذلك في أدبه. (علم نفس الفروق) هنا يكمن التجلّي في هذا النص إذا أن اللغة كانت مباشرة تؤدي غرضها وتمضي، لم يجنح عباس إلى الرمز والصورة الأدبية الفنية المثالية وحاول التركيز على ضرورة الولوج عميقاً في صلب الفكرة على القفز عالياً في فضاءاتها.

(حراس العقل) نص موزاييكي؛ حيث لا يمكن لقارئه تجاهل حرف فيه، لأنه خال من الحشو، وكل مفردة تؤدي ما عليها، وغيابها سيسبب خللاً في البنية العامة للنص حتماً.





الجنّ لا تسكن مدينتي


ربما لو أردنا الوقوف على هذا النص وتحليله بناءً على مذاهب النقد الحالي لاحتجنا إلى تمزيق كثير من الأوراق التي نكتب عليها والعودة إليها مرة أخرى بعيد تمزيقها؛ لأننا سنجد بأنه، أي النص، يحتمل كثير من المعاني المتعلقة بالميثولوجيا والتاريخ والاجتماع والسياسة، ولن نستطيع الغور في أعماقه دون الولوج إلى عوالم عباس وبيئته والتحليق فوقها بعين الفيلسوف والدخول إلى سراديبها بتقصّي الباحثين والاجتماعين.

الجن والعفاريت والبيوت المسكونة لها في نفسه حيّز وفي أدبه متسع.



يتساءل عباس:

«أيعقل أن الجن وهي جنٌّ لم تعد تحتمل البقاء في تلك الديار؟».

لعمري أنها لم تعد قادرة على ذلك.



القصص والروايات وقصائد الشعر التي كُتِبَت في السنوات العشرة الماضية، والتي إن لم تتناول واقع الحال السورية بكتلتها كاملة، لا بد وأنها عرجت إليها بشكل أو بآخر. ورغم كل ذلك لا أعتقد بأن كاتباً أو شاعراً تناول الميثيولوج بهذه الطريقة والأسلوب ووظّفه لا بل اعتمد عليه كليّاً في التأسيس لبنية القصة، بحيث ينصهر الخيال والسرد والإيقاع والعاطفة في بوتقة واحدة.



المتتبع لنصوص الأديب موسى عباس وكما ذكرت سابقاً يجد بأن نصوصه أشبه بسجادة الموزاييك ولوحة الفسيفساء، وأنه لا مجال للحشو في ما يكتب. في (الجن لا تسكن مدينتي) كان التفاصيل الدقيقة موضوعاً، ولم تكن وسائلاً لوصف موضوع ما. فهي أي الحارات والبيوت وأبوابها، ذات المسامير الطويلة الصدئة هي المجال الذي يتنفس فيه الكاتب حروفه وتسليط الضوء عليها منحها شيئاً من الخوف، الذي أراد الكاتب أن يبعثه فينا لبرهة بالاعتماد على قاعدة فصل الجزء عن كلّه لإظهار مكامن قبحه قبل جماله.



رصاص طائش


الأديب موسى عباس يصنع مجاله الحركي الخاص في «رصاص طائش».

في الواقع لا أعرف لماذا أعود لقراءة هذه القصة (القصيرة جداً) كما يحلو لموسى عباس تسميتها، ربما يقصد بذلك عدد أسطرها أو الفترة الزمنية التي نقضيها في قراءتها.

(رصاص طائش): عنوان قد يبدو مألوفاً بعض الشيء وخصوصاً وأننا كنا ننام ونصحو، نروح ونجيء، نلعب ونقرأ على صوت رشقات الاشتباكات التي كنا نشعرها بعيدة طالما أنها لم تخترق أجسادنا.



في هذه القصة استطاع موسى عباس، أن يصنع مجالاً حركيّاً متميزاً ومتفرّداً. له خصائصه التي تتفق ومفهوم الحرب كمصطلح فيزيائي، الحروب كالنيازك والأجرام التي ترتطم بمكان ما فيتغير بناء على حدة ارتطامها وشدته معنى الزمن. فتصبح الأيام والشهور والسنون محض دقائق وربما ثوان...، لذا اختزلت (رصاص طائش) حقبة طويلة ومرحلة زمانية تجاوزت عشرة سنوات.



في هذا النص، ولكوني من قرّاء هذا الرجل الفريد باختياراته وكتاباته لاحظت شيئاً لم ألحظه قبل، ألا وهو التكرار الذي لم يظهر كثيراً في كتاباته، حيث استخدم اسم الفاعل طائش أكثر من مرة وفي مواضع عدة، وكذلك استخدام اسم مدينته (الرقة)، والتي لطالما تحاشى ذكر اسمها صراحة في أعماله مشيراً إليها بمفردات تتناسب مع ما يكتب غالبا. فيقول «تلك البلاد أو الديار... أو الوطن».

قد أكون واثقاً هذه المرة فيما لو قلت بأنه يقصد بالطائش تلك الحالة العبثية والشكل الفوضوي الذي راح يسيطر على كل شيء في الرقة التي كررها هي الأخرى في أكثر من موضع أيضاً.



عباس، الذي قذف طيشاً منزل قائد الشرطة في صباه رفقة صبية يصفهم بأنهم رفقاء سوء...! ترى أكان ذلك طيشاً؟! وهل كان أولئك الأصحاب أصحاب سوء حقّاً؟ وتلك الحبيبة التي اخترقت قلبها رصاصة طيش... والثياب البدوية التي لطالما وقفت أمام عباس وحالت دونه والهرب.. أي تشبّثٍ ذلك يا رجل!



«ألفُ عامٍ وأكثرُ

وأنا أحْمِلُ جُثّةً تَحْجِبُ ظِلِّي عن هذهِ الأرضِ

عَبَرْتُ الفُراتَ قادمًا من جَنُوبِ الجَنُوبِ

وجزتُ الفَيَافِيَ، يَشْرَبُ الرُّوحَ رملُها والغُبَار».



عباس، الذي تخصص بعلوم النفس وآلياتها الهجومية والدفاعية. حرص على أن يكون مباشراً في طرحه ولم يراوغ البتة... (كيف يكون الرصاص طائشاً؟) وكأنني قرأتها... أما آن لهذه الحرب أن تنتهي؟ أما من عاقل يلقي بتلك البنادق في الجحيم؟



في الختام هرب ذلك الطائش مع الهاربين وغادرها تلك الديار، لكنه لم ينجُ؛ فالحنين يدمي، والشوق يقتل، وشاهدنا على ذلك، تلك الدماء التي نزفها ذلك الطائش بعد أن غزاه رصاص

طائش هو الآخر.


google-playkhamsatmostaqltradent