recent
جديدنا

عن الحب : الحب هذا الولد البوهيمي المتشرد الذي لايعرف أي قانون ويفر من المنطق كله

الصفحة الرئيسية



پاسكال سيز- ترجمة أمل البحرة 


الحب هذا الولد البوهيمي المتشرد الذي لايعرف أي قانون ويفر من المنطق كله ، لكنه جعل الفلاسفة والكتاب يتناقشون فيما بينهم كما تشرح لنا پاسكال سيز  في الإذاعة (Musiq 3-RTBF)
في الرابع من آذار ١٨١٨،
التقى هنري بيل المشهور باسم ستاندال  وكان له من العمر آنذاك  خمسة وثلاثين عاماً التقى  ماتيلد ديمبوفسكي، ٢٨ عاماً، في ميلانو، وشَعَرَ نحوها بعواطف ملتهبة مما دفعه إلى كتابة هذه المقطوعة
مدفوعاً بأحاسيس متوهجة :
» الأمر واضح بالنسبة لي فأنا أدرى بنفسي، لذا أنا أعترف لك بأنني أحبك حباً سيدوم طوال حياتي«
لكن ردة فعل السيدة الشابة تجاه هذا التصريح كان بأن سيطر عليها الخوف ولم ترد على عواطفه التي صرَّح بها .
عدَّ ستاندال هذا الحب الجنوني والفجائي وغير المتبادل ، على أنه الحدث الجلل و الأهم في حياته.
بينما عدَّته ماتيلد صادماً ومبالغاً في التعبير عنه، وكي يشرح تماماً أحاسيسه ، كتب بعد أربع سنوات من لقائه بها مقالاً أدبياً مفصلاً عن سيكولوجية الحب وسماه : "عن الحب"

كتب الفيلسوف أفلاطون قبل الفين ومئتين عاماً من ستاندال ،مُتسائلاً هو أيضاً  عن شؤون الحب، وكي يشرح فكرته، كتب مقالاً أدبياً واضحاً عن فلسفة الحب أسماه:
" le banquet »"الوليمة"
والوليمة هي  سرد يصف فيه أمسية ، اجتمع فيها شعراء مع طبيب متحذلق وبعض العاشقين الغَيورين،أكثروا فيها من شرب الخمر .
بما أن سقراط وصل متأخراً وهو مخمور قليلاً فلقد
كان الأخير في إلقاء كلمته أثناء هذا العشاء مدافعاً عن الفكرة الآتية:
" إن الخطأ يكمن في تقييم هذا الحب من وجهة نظر حبك للشخص وليس من وجهة نظر ماهو مغناطيسي أي جذاب يشدك إلى هذا الحب .."
بمقولة أخرى ، الحب لايرتكز كثيراً ، حسب رأي سقراط، على أن نعرف لماذا نحبه، لماذا نحبه هو، لماذا نحب هذا الشخص بالذات الذي هو موضوع حبنا .
السؤال الحقيقي هو لماذا نحب أي ماهي الأسباب التي تربطنا بأي كائن  برابط الحب .
لخص سقراط الحب بأنه حرمان مرتبط بالرغبة لأن طبيعة الرغبة بحد ذاتها تكمن في الرغبة بشيء لا نملكه : يكفي ألّا نملك من نحب كي يعدُّ ذلك دافعاً إلى الرغبة وكذلك كل من هرب بعيداً عنا  ولم نتمكن من الوصول إليه ، وانطلاقاً من هذا المنطق ،  يكون هؤلاء هم أو هن من نتعلق ونرغب بهم أو بهن أكثر.
الحب الأفلاطوني أو الحب السقراطي واللذان يشكلان وجهة نظر واحدة تقول  إن الحب و الرغبة أو الانجذاب إلى الجمال الطبيعي أو امتلاك الجسد كلها مرحلة أساس تقودنا نحو حب أجمل وأعمق،
هذا الحب يتم في مكان يسميه أفلاطون
 "بين روحين " ولو كانت الرغبة تشمل الجسد أيضاً، فإن ذلك يكون أفضل .
ولكن لو كنت أحب الشخص الآخر كما هو : أحبه كما يبدو لي ، أحب تفكيره وما يتفاعل معه ، أحبه روحياً، هذا الحب سيكون أبدياً لايموت وهكذا سأتحول إلى حبيب خالد لا يموت.
مفهوم إله الحب ايروس لدى أفلاطون هو الإثارة والشعور بالحماسة، هو سخط إلهي مقدس
أو عون إلهي يدفعنا إلى دخول عالم الخلود.
الحب هو ارتقاء تصبح الروح من خلاله خفيفةً ، ريشةً أو جناحاً وترتفع نحو المطلق وغير المشروط.

وفي الفصل الثاني من مقالة "عن الحب":
كان ستاندال مشغولاً بفشله العاطفي مع ماتيلد ديمبوڤسكي فعبَّرَ عن تفكيره بما يلي :
" إذا تركنا غصناً مزهراً  عارياً عن الأوراق بفعل الشتاء في أعماق مناجم الملح ثم أتينا به إلى السطح بعد عدة أشهر، فإنه يبدو مغطى بسلسلة من البلَّورات الزجاجية البراقة تظهر كأنها أحجار من ماس تغلف الغصن كله.
سمّى ستاندال هذا التحول :" التبلور"
أوضح ستاندال  أن ذكر هذه التسمية  "التبلور"هو فقط للمشابهة والمقاربة وأن هذه التسمية مناسبة تماماً لوصف الشعور العاطفي الذي تكوَّن بفعل الخيال عند العاشق. وأنه يكفي للمحب أن يتخيل أية صورة مثالية كاملة حتى يراها فجأةً ومن دون مسوِّغ في الشخص الذي يحبه.
ويمكننا القول أيضاً أن الوقوع في الحب ، يجعلنا نضيف إلى شخصية من نحب سلسلة من الأوصاف المثالية التي لا يملكها في الواقع.
اقتنع ستاندال بعد خيبة أمله في حبه الذي عدَّه مثالياً للسيدة ديمبوڤسكي، بأن العاطفة تكون مستحيلة من دون تبلور وإلا كانت سراباً عاطفياً.
من الواضح ، أن ستاندال لم يقرأ سبينوزا لأنه لو فعل لكانت قراءة سطر واحد مما كتب سبينوزا  كافية كي تكون ترياقاً يحل محل  اجتراره المظلم هذا.
كتب سبينوزا في الأدب أن الحب هو فعلاً : " الفرح الذي تصاحبه فكرة خارجية"
الحب هو فرحة نشعر بها بسبب وجود شخص يُمتِعنا ويفرحنا من دون تقييم لأي نقصٍ فيه، لأنه هنا و بسبب وجوده فحَسْب ، يهدينا إدراكَنا لذاتنا.
الحب من هذا المنظور ليس هماً وليس وجعاً، إنه عيدُ.
"هل نولد مرتين؟"سأل الشاعر هوغو.
فأجاب: "نعم"
" في المرة الأولى حين نولد لنحيا، و الثانية يوم نولد لنُحِبّ."

وأنتم ، ما هو رأيكم؟ 


ملاحظة:


 كاتبة هذا النص والذي بثته عبر الإذاعة هي الفيلسوفة پاسكال سييز   (Pascale Seys ) التي لديها نظرةً شمولية غير حصرية  عن الواقع. إنها تدعونا  للتفكّر في زوال التعاطف ،في مسألة ما بعد الحقيقة ،في حب الذات ،في البحث عن القِيّم، في الصمت ، في الفساد ، في الرغبة في الخلود وفي بلاغة التعبير في الفن المعاصر وفي الكثير من الأساطير التي تكمن في حياتنا اليومية وماعاصرناه والتي تسمح لنا بقياس نبض العالم من حولنا.


google-playkhamsatmostaqltradent