recent
جديدنا

بين الحقيقة والزيف إشارة استفهام



بانكين عبدالله / خاص سبا 




 للحقيقة عدة أوجه، تتعلق كل منها  بزاوية الناظر وزمكانيتها، وأبعادها (العقائد والمعتقدات والأعراف والدين واللغة والقيم  كالعيب- مقبول، حلال - حرام، أخلاقي- منافي للأخلاق، مستحيل- ممكن، يجوز- باطل...) الذين شكلوا منظوره عنها (الحقيقة) في كل أمر (حدث، شيء...) والذي يحتمل فيه  نسبة من الخطأ والصواب. 
لذا، ليس من الصواب بمكان تعميم منظورنا النسبي عن الحقيقة واعتباره الأصح أو الأدق، وإجبار الآخرين  على تبنيه، لأنه ربما يقف في زاوية أخرى تشكل منظوره الذي قد يختلف أو يتفق أو يتعارض نسبياً أو كلياً مع منظورنا ذاك ويعتبر نفسه محقاً في وجهة نظره كما نرى أنفسنا محقين في وجهة نظرنا. 
مقاربة رقمية عن نسبية الحقيقة بناءً على اختلاف الزاوية المنظورة إليها منها، تفيد ما سبق أعلاه كمقدمة وتوصلها بصلب الموضوع أدناه:
ما رأيكم في أن نتصور نقاشاً يدور بين أربعة أشخاص يتوزعون على الاتجاهات الأربعة (يمين، يسار، أعلى، أسفل) حول رقم (6) باللغة الأجنبية مرسوم على الأرض؛ مختلفين على القيمة، منهم من يقول إن القيمة هي (6) ومن يقول إنها 9))، ونناقش وجهات نظرهم المختلفة حول هذه الفرضية بقصد الفصل لصالح الأحق منهم دون معرفتنا المسبقة بالاتجاهات وبالقيمة الحقيقية للرقم، باعتبار أن الرقمين (6 و9) يتوافقان شكلياً ويمكن الغلط بينهم بسهولة لو فقدنا بوصلة الاتجاهات (أعلى، أدنى، يمين، يسار).ترى من منهم الأحق ولصالح من سنحكم؟   
فلو وقفنا إلى الجانب الأعلى من الرقم (6) ونظرنا إليه لتبين لنا أنه الرقم ((9، واختلفنا مع من يقف الى الأسفل منه والذين يرونه 6)) والعكس صحيح لو انتقلنا الى الجانب الأسفل لفهم الحقيقة، ولو وقفنا على اليمين منه لن نتمكن من تحديد إذ كان الرقم هو (6 أو (9 دون أن نأخذ رأي أحد الواقفين الى الأعلى أو الأسفل منه في عين الاعتبار،  ولو فعلنا ذلك سنكون قد اختلفنا مع بعضنا البعض واتفقنا مع الآخر الواقف في الأسفل أو الأعلى وستكون النتيجة ذاتها فيما لو وفقنا الى الجانب الأيسر، وبذلك لن نتمكن من الحكم لصالح أحدهم على حساب الآخر، فالكل محق بناءً على وجهة نظره من زاويته، والكل مخطى بناءً على وجهة نظر وزاوية آخره. لذا، وكحلّ يفيد الفصل لصالح أحدهم في هذه الفرضية أظننا بحاجة الى أن نقوم بعميلة تبديل المواقع حتى يتسنى لكل منهم الرؤية المختلفة لزاوية رؤيته ويقتنع أنه مخطى أو أن آخره أيضاً على حق، ويفهم أن للحقيقة عدة أوجه لا يجب حصرها في منظوره الشخصي عنها. وبرأيكم أنتم من منهم على الصواب ومن منهم على الصواب؟
بالعودة للسياق أعلاه، نرى أنه لا يمكن الولوج في الحديث عن حقيقة أي أمر (حدث- شيء) دون أن نأخذ زوايا الرؤى والأبعاد الزمكانية والماورائيات في عين الاعتبار لما تلعبه من دور في تشكيل منظور كل منا  عنها. 
والآن دعونا نناقش بعض الامور المتعلقة بسلوكياتنا العامة والخاصة والتي تحولت إلى قوالب دوغمائية تمثل الحقيقة المطلقة في منظور كل منا نسبة إلى زاوية رؤيته (مجتمعه وثقافته ولغته ودنيه وقوميته و... وزمكانية وجوده) ونطرح السؤال التالي بقصد الفصل في الأحقية بيننا: ترى من أين جاءت تلك المفاهيم لتضبط سلوكياتنا الخاصة والعامة، وتشكل قواعدنا المعرفية ضمن أطرها؟ 
إن هذه المفاهيم باختلافها وتنوعها، هي موروثات فكرية تناقلتها الأجيال بالتوالي عبر الزمن، كان الهدف منها (بحسب اعتقادي) خلق التنظيم والقضاء على الفوضى من العصور المتلاحقة مع مرور الفكر بمراحل متعددة بدءاً من المثيولوجيا ومروراً الميتافيزيقيا، والدين والفلسفة والعلم... باختلاف تعريفهم من مجتمع لآخر، ومن عصر لآخر، وما طرأ من تغييرات طفيفة وجذرية على كل من تلك المفاهيم على حده.
لذا وعند التعمق والتمحيص في الحياة الاجتماعية في سبيل البحث عن الحقيقة بغرض الفصل؛ سنلاحظ أن هناك الكثير من القناعات والمعتقدات التي تحتاج الى إعادة النظر في ممارستها لدى السؤال عن حقيقتها بناءً على زاوية رؤيا الآخر، بل وأن التفحص والتحقيق الفوري فيها يعتبر ضرورة حياتية ومن أهم واجبات المجتمع الأخلاقي والسياسي لأنها المنبع الرئيسي للقضايا الاجتماعية،  فتلك القناعات والممارسات والأفعال المغلفة بأقنعة العادات والتقاليد والمعتقدات الدينية منها والاجتماعية ماهي إلا موروثات فكرية نقلها جيل لآخر عبر الزمن تحتاج وبشدة إلى النظر إليها من زاوية أخرى ورفع صفة القداسة عنها ونقلها من المحظورات إلى المباحات ربما.
طبعاً مما لا شك فيه أن هذا الانتقال المعرفي زاد من قدرات الأجيال اللاحقة على التوالي، ومن خلال تراكمها تمكن كل جيل من التفوق على الذي سبقه ببعض الإضافة، لكن هذه العادات والتقاليد والمعتقدات هي نفسها التي نبع منها كل القضايا الاجتماعية بسبب تصادمها مع بعضها البعض واختلافها الكلي في المضامين الفكرية والروحية والعلمية لدى تطبيقها على أرض الواقع باعتبارها الحقيقة المطلقة دون تبديل المواقع (النظر اليها من زاوية الآخر المختلف) لدى كل شعب أو دين. (بمعنى النظر إلى قيمة السلوك والشرع ... من زاوية شعب ودين يختلف عنه، كما أسلفنا أعلاه بمقاربة الرقم 6). 
والحقيقة إنما هي ليست إلا موروثات فكرية (المعتقدات والأعراف والعادات ...) من صنع وعيها وعقلها (المجتمعات والأديان ...) أكسبها كل جيل للاحقه؛ كان يهدف منها تسهيل حياته اليومية وتحسين موارده كقوانين أخلاقية وضوابط عقائدية وأعراف اجتماعية لمنع الاختلاف وخلق التنظيم. 
لكن ما حدث هو أننا ومع مرور الزمن غفلنا عن أهميتها الجوهرية (منع الاختلاف وخلق التنظيم) وأصبحنا نلتزم فقط بالكيفية والكمية من خلال ما يسمى بالواجبات منها الديني والعائلي والوطني ...الخ. بل أننا جعلنا هذا الواجب هو الجوهر المقدس الذي لا يقبل النقد وأصبح هاجسنا الوحيد، تناحرنا عليه لاختلافنا على الطريقة التي تؤدى بها هذا الواجب والذي شرعنه كل منا بدساتير ممنهجة لشرح طريقة الأداء واعتبر كل منا بأن دساتيره هي الأصح والأقرب إلى الجوهر والسلف الصالح. 
وفي الحقيقة وكما أسلفنا أعلاه فإن كل هذه العادات ليست إلا عادات مصطنعة اخترعناها من محض أفكارنا لنسهل بها طريقة عيشنا ولكن مع تغيير الزمكان أصبحت قيوداً قيدنا بها يدينا بعد أن ابتعدنا عن الجوهر الأساسي والأسباب الحقيقية التي خلقت منها هذه العادات، أي أن تلك العادات التي تشكلت من مجموعة من العلل أصبحت معلولاً لعديد من العلل الأخرى في الواقع المعاش وتحتاج بشدة إلى إعادة الصياغة والترتيب لإرجاعها إلى المصدر حتى يستفاد منها كحقائق اجتماعية تصب في مصلحة الحياة الحرة الندية للمجتمعات.
اذاا خصصنا بعض الممارسات بالذكر للوقوف على إشكالية خروجها عن جوهرها وما كان المراد منها عبر مراحل مختلفة من الزمن، سنتمكن من ملاحظة هذا التغيير وسيبدو واضحاً للعيان الفرق الكبير والتغيير الذي طرأ على كل ممارسة على حده، وسنعرف حينها القيمة الحقيقية لها وننتقي لأنفسنا طريقة نتمكن فيها من الحفاظ على جوهر تلك الممارسات أو الطقوس مبتعدين عن الشكل ومتجهين صوب المعنى.
إنني لمنتبه جداً لصعوبة ما أرمي إليه في دراستي  هذه لاختلاف المفاهيم ووجهات النظر حول مفهوم كل منا عن المعنى؛ لاختلاف العوامل الذاتية والظروف الموضوعية كالسياسية والاقتصادية والزمكانية... باختلاف الجنس والعرق والدين واللغة والثقافة والإثنية والقومية والبيئة ... الخ. من مجتمع لآخر،
ولكنني أعتقد أنه بإمكاننا أن نتفق من حيث المبدأ على أهمية المعنى في بناء أواصر العلاقات الاجتماعية بيننا كأفراد باختلافنا وتنوعنا عن بعضنا البعض في جميع النواحي، ودور المعنى في تنظيم سلوكياتنا وعلاقاتنا على أسس قويمة بعيداً عن الشكليات والممارسات التي لا تصبو إلى الارتقاء بالوعي الجمعي ولا تفيد في ترسيخ مبادئ الإنسانية وتأخذ منحى عقيماً مبنياً على أساس العادة وانتقالها وتصديرها الى الأجيال اللاحقة دون التفحص والتدقيق فيها بحيث تصبح فيما بعد أعباء وطقوساً تثقل كاهلهم دون معرفة الأسباب التي جاءت منها تلك الممارسات والعادات وقيامهم بممارستها واتباعها دون وعي؛ والتي قد تتحول إلى مقدسات ومحرمات يحاسبون بعضهم عليها مستقبلاً دون أن يتجرأ أحدهم على أن يسأل عن صحتها وحقيقتها وهل هي تصلح لزمانهم أم لا؟
ويجب أن ننتبه أيضاً على أللا ننفي دور الشكل ونبين الفرق بينهم  من حيث القيمة مراعين العلاقة التكافلية بينهم (المادة-الشكل/ المعنى ) لنقف عند نقطة أساسية نبني عليها قواعدنا المعرفية ونتشارك بعض الآراء حول المفاهيم والاختلافات وما نقصده  في النص أعلاه بقولنا: "أن نبتعد عن الشكل ونتجه صوب المعنى"  بطرح أسئلة بنيوية تفيد في تحديد الغرض من السلوك أو الممارسة أو العادة المتبعة  وما كان الهدف منها وهل تصلح لزماننا أم يجب التخلص منها وتغييرها باعتبارها من المخلفات الفكرية المتوارثة عن الأجيال التي سبقتنا وإخضاعها لعملية (الحذف والتعديل والتعميم والاضافة) لتتناسب وزماننا حتى ننهي الجدل الذي يتحول غالباً إلى خلاف يعكر صفوة حياتنا الاجتماعية ويقودنا أحيانا إلى الاشتباك فيما بيننا وتتسبب لنا في متاعب وأعباء كثيرة لا معنى لها. 
وحتى نتمكن من إخضاعها لعملية (الحذف والتعديل والتعميم والاضافة) لتتناسب وزماننا وننهي الجدل حولها، علينا بطرح سؤال بنيوي قادر على حلحلة هذه العقدة الذهنية، عقدة السلوكيات المتوارثة والتخلص منها لتصحيح مسار المجتمع وتوجيه نحو الرقي والتقدم دون ترك أثر معنوي أو مادي في عملية التغيير هذه على نفسيته، وتكون منطقية ومقبولة لدى الجميع، وذلك بالوقوف على السلوكيات والممارسات والعادات المتوارثة أو المستوردة أو المستنتجة حديثاً والسؤال عن وظيفة ومعنى كل منها؛ ووضع كل سلوك  تحت مجهر علمي  يكون فيه (الوظيفة والمعنى) مقياسان بنيويان لتحديد صحته واتخاذ القرار في الاستمرار عليه أو التوقف الفوري عنه في كل من المضامين الفكرية والممارسات اليومية عند الفرد وفي المجتمع. 
بهذا ستتوضح لنا الصورة ونتمكن من استبصار ما وراء السلوك والكشف عن الاختلاف بينهم؛ عند مقارنة تأثير كل من مفهوم الوظيفة والمعنى كذهنية مسيرة للسلوكيات لدى الفرد وفي المجتمع بشكل عام. 
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
 ما الفرق بين الوظيفة والمعنى أصلاً كمفهوم، وما علاقتهم بصحة وخطأ السلوكيات الجمعية والفردية في المجتمعات؟
("أحبّ ما تعمل حتى تعمل ما تحب"، ونعني هنا الحالة الشعورية والحسية التي تربطك فيما تعمل أو تقوم به، وهل هي علاقة إجبارية بغض النظر فيما إذا كانت إجبارية هي الحاجة لها. 
ونعني بالإدراك (الذهنية) الوظيفة (العلاقة الوظيفية –الروتينية/ وظيفة ذات معنى)، أنك لو قمت بعمل ما بدافع مادي لا معنوي كالحاجة مثلاً، ستربطك به روابط رخوة لأنه لا يلبي احتياجاتك المعنوية ولا يشعرك بالراحة النفسية وسينحصر كل تفكيرك وطاقتك فيه بنطاق التطور المهني مفتقداً للإبداع والشغف، لتلبية رغبات هذا العمل المطلوبة منك خوفاً من فقدانه بسبب الحاجة لا بدافع الحب والرغبة في تطويره لأن الذهنية التي تصيرك فيه هي ذهنية الوظيفة دافع الوظيفة. 
وبعكسه الإدراك (الذهنية) المعنوية (العلاقة المعنوية، معنى ذات وظيفة) أنك لو قمت بعمل ما بدافع معنوي ستربطك به روابط قوية نابعة من الحب والرغبة، لتلبيته لاحتياجاتك المعنوية وشعورك بالراحة النفسية فيه، ستكون مفعماً بالنشاط والحيوية وتبدع في تطويره والتقدم فيه لأن الذهنية التي تصيرك فيه هي ذهنية المعنى- دافع الحب- والفرق هو أن إدراكك في الحالة الأولى هو إدراك وظيفي وفي الحالة الثانية إدراك معنوي. (لأنك إن لم تحب ما تعمل لن تنجح فيه، أو لن تبدع فيه). طبعاً لا نقصد أنه ليس من الضروري ألا يلبي هذا العمل احتياجاتك المادية فمن دونها أيضاً لا يمكنك الاستمرار به، وإنما نقصد الحالة النفسية (الارتباط الروحي) بهذا العمل، ونعني أنه عند قيامك بعمل ما اسأل نفسك ما هو دافعك وشعورك تجاهه)؟
بناء على ما ورد أعلاه في سردنا عن مفهوم الوظيفة والمعنى كذهنية مسيرة للسلوكيات يمكننا أن نخضع كل المفاهيم (عيب/ عادي. حلال / حرام. أخلاقي / منافي للأخلاق. مستحيل/ ممكن.  يجوز/ باطل), التي تتشكل منها كل ممارساتنا وسلوكياتنا الفردية والمجتمعية  كالعادات والمعتقدات والأعراف...الخ لهذا المقياس  لنعرف أهمية كل منها، وإذما كانت وظيفة روتينية أم معنى ذات وظيفة. (بمعنى: هل أن السلوك أو العادة أو المعتقد أو... الذين يمارسهم  كل منا في مجتمعه هي سلوكيات وظيفية روتينية تقليدية أم أنها وظيفية حيوية معنوية تفيد في الارتقاء بالوعي الجمعي وخلق التنظيم وتسهيل الحياة)؟
وبمعنى أدق: علينا أن نخضع كل سلوك وعادة وعبادة ومعتقد وعرف لمقياس الوظيفة والمعنى، ونسأل عن سبب اتباعه أو ممارسته، وما هي الوظيفة التي يؤديها وما المعنى فيها؟ 
فمثلاً: لو قلنا أن أمراً ما حرام يجب أن نسأل عن السبب والوظيفة والمعنى في تحريمه ونقوم بعميلة تبديل المواقع وننظر إليه من زاوية الآخر المختلف عنا قبل البت في تحريمه من عدمه وألا نعممه ونحصره بزمكانية غير قابلة للتطوير والتعديل والحذف والإضافة.
ولو فعلنا ذلك عندها سيكون بإمكاننا أن نتخذ قرارنا في الاستمرار عليها أو تركها من خلال تعرفنا على الذهنية (الإدراك) التي سيرتنا في القيام بكل منها  هل هي ذهنية (إدراك) الوظيفة أم المعنى، وبذلك سنخلص أنفسنا من أعباء كثيرة تقف في طريق ترابطنا وتماسكنا وتحدث الشروخ في بُنانا الإنسانية، ولا تفيد في الارتقاء بوعينا الجمعي، وتبعدنا عن هدفنا الحقيقي الذي سعى اليها الأجيال التي سبقتنا (تسهيل الحياة وخلق التنظيم ونشر المحبة والالفة ) ذاك.
نحن من نصنع أنفسنا والظروف التي تحكمنا من خلال ما نبتكره من أفكار بهدف الإرتقاء والتقدم نحو حياة أكثر راحة وسعادة، فتعالوا لنراجع قواميسنا المعرفية ونعيد صياغتها بما يتوافق وتطلعاتنا الإنسانية في خلق تلك الحياة الآمنة والسعيدة.


google-playkhamsatmostaqltradent