recent
جديدنا

دم الزيتون

الصفحة الرئيسية



هاجرة محمد عيسى*

 

فتحت تلك العلبة المنتظرة بخطى ثابتة، كانت فارغةً سوى من ثلاث قطَع نقديَّة مبعثرة، أَكبر قَطعَة فيها لا تساوي شيئاً أمام مجاعة الفقر المفترسَة.

مَدَّت يدها من جسدها النحيل خالية وشحوبُ الجوع تملأ تِلك العينين الخاويتين. جلست بهندام مهتَرِئ وحذاء مُمزَّق فوق الرَّصيف الطَّويل وهي تنظرُ بهدوء الحسرة إلى العابرين،  فالحربُ تركت آثارها على وجهِ النَّاظرين.

تنَهَّدت بعُمق فتمتم ثغرهَا الصَّغير وعيناها تراقبان حركة المارَّة وتستحثان رزقاً في مدَى الغيب.

قالت: «لوجهِ الله... صدقة لوجه الله!». هذا ما كان ينطقُ به عقلُها، أمَّا القلب فبقي مدفوناً في أرضِيَّة بيت أَسير متعلِّقاً بحضن أَمّ دافِئ أَطفأته مخالبُ وحشيَّة الاغتصاب، وابتسامة أَب مطمئِنة فقدت أجنحتهَا من طلقَة رصاص، وصراخ أخت، وأَخ ضاع متشرّداً بين تكبيراتِ الطُّغاة.

تباً لهذه الحياة من جشع تتكاثر منه حرب تولّد حرباً أخرى لتوَلَّدا معاً الخوف والدَّمار، فينزف مِن خاصرتِه فقرٌ، مجاعةٌ وجوع يغرسون مخالبهم في جسدٍ ندي بغير حساب.

بحثت بلطف في جعبتها، لَم تَجد سوى غُصن زيتون ينزف زيْتاً أَحمرَ من جسدِه الهزيل. يستصرِخُ مجهولًا في المجهول: «دمُ زيتُون، دم زيتون!». توقَّف النَّاس فجأَة وكأَنَّهم سمعوا ذلك الصُّراخ. كأنَّهم أَحسّوا برقصة أَغصان الزَّيتون على سيمفونيَّة أَلم الموت والضَّياع. تأمّلوا في وجهها النَّظيف الذي بدت عليه آثارُ نعمةٍ زائِلة، نظروا إلى الشَّمال، ذُهِلُوا، ذعروا ثُمّ فرُّوا هارِبين، أَمَّا هي بقِيت صامدة تمدُّ يدها للمارّة مبتسمة حيث ينزِفُ بين أَصابعِها دم الزَّيْتُون.

 

 * حازت قصة «دم الزيتون» على المركز الأول في مسابقة سروج للقصة القصيرة.

google-playkhamsatmostaqltradent