recent
جديدنا

مدرسة العائلة

الصفحة الرئيسية

 

 نارين عمر/ خاص سبا

 

عندما كنّا صغاراً كنّا نتعلّم من مدرسة العائلة أنّ الشّخص الذي يريد أن يعيش براحة بال وهدوء نفس عليه أن يصفي نيته على الدّوام مع نفسه أوّلاً ومع الآخرين، ويزيل السّوداوية والأحقاد من قلبه لأنّ الحياة تمنحنا عمراً محدوداً بالأيّام التي تجتمع في الأعوام، ولا يمكننا العيش أكتر أو أقلّ من الوقت المخصّص لنا ولن نعود إلى هذه الحياة مرّة أخرى.

هذه العبارات كنّا نحفظها غيباً، وننقشها في عمق ذاكرتنا وعلى صدر فكرنا، لتفاجئنا الأيّام فيما بعد أنّنا لا ولن نستطيع تطبيق تعاليم تلك المدرسة أو طقوسها على أرض الواقع عندما تعيقنا عبارات مسيّجة بكلمات تسمّى الخذلان ونكران الجميل والضّحك المغلّف بالسّخرية أو التّهكم. حينها نبدأ باللعنة على تعاليم مدرستنا الأولى، ونحاول أن نقول بأفعال منافية تماماً لها، وكأنّنا ضمناً نحاول الانتقام منها ومن نفسنا التي صدّقتها وفطمت عليها دون أن نترك المجال لفكرنا بالتّشاور مع عواطفنا لإدراك أو معرفة الأسباب والدّوافع التي تودي بأفراد المجتمع أو الأشخاص الآخرين إلى القيام بذلك.

ننسى أنّ كلّ شخص منّا مسؤول عن تبعات ذاته ومنتجات فكره وثمار عواطفه، وأنّ إرضاء كلّ منّا لنفسه قبل الآخرين وتحكّمه بضميره الذي يجب أن يظلّ يقظاً لأفعال الخير والرّشاد هو السّبيل الأمثل لتحقيق ما نسعى للوصول إليه.

ننسى، بل نتناسى أنّ هؤلاء الذين يرموننا بحجارة الخذلان ونكران الجميل يشكّلون نسبة مئوية معيّنة من الأشخاص الذين يرشقوننا بورود الامتنان والعرفان بالجميل، وأنّ استمرارية الحياة على مبدأ الخير والشّر تضمن للبشر الحدّ الأقصى بالبحث عن الحقائق والثّوابت التي تنقذهم من شرور النّفس ورقاد الضّمير.

يُقال: "التّاريخ يعيد نفسه"، ونتناسى أنّنا البشر من نصنع هذا التّاريخ وندوّنه بمداد فكرنا ومدارك وعينا، فنعيد ما يتماشى مع وضعنا الرّاهن وحالة الأضداد والتّناقضات التي نعيشها وفق ما يمليه علينا مزاجنا تحت مسمّى الحفاظ على العادات والتّقاليد ونطرح من سلّة التّاريخ ما لا يتماشى مع ذلك وبذلك نسيّر التّاريخ بمراحله المختلفة وفق معايير رغائبنا واحتياجاتنا، ومن ثمّ ننسب تهمة الإعادة إليه، بل ونحيله إلى محاكمنا الخاصة والعامة ونطالب بتطبيق حكم الإعدام عليه في الكثير من المرّات لنمنح لنفسنا صكّ البراءة، وبعدها نلبس عباءة الزّاهد والمتصوّف ونتجوّل بخطوات ثابتة بحثاً عن قرابين جديدة بها نطيل بقاءنا.

على اعتبار أنّ العائلة أو الأسرة هي نواة المجتمع فلنبدأ من ذاتنا أوّلاً ومن عائلتنا نؤسسها على دعائم متينة تكون قادرة على تحمّل بناء مجتمع سليم النّواة والنّوايا، مجتمع نسعى جميعنا إلى بنائه أو على الأقل نحلم ببنائه وإيجاده على أرض الواقع. هذا الأمر لن يكلّفنا الكثير، يتطلّب مفردات خالقة في رحم الصّدق والصّراحة، والوفاء والالتزام، معمّدة برضاب المحبّة والسّلام وصفاء النّية. إذا اكتمل بناؤه شكلاً ومضموناً وفق المخطّط الذي أنجزه فكرنا مع عواطفنا وبرعاية ضميرنا ووجدانا، سنجد نظام حياتنا قد تغيّر أوتوماتيكياً وتلقائياً دون الحاجة إلى وقت وجهد إضافيين نناقش فيهما أمور حياتنا ومكامن وجودنا أو نسعى إلى التّفكير برسم مخطّطات إضافية، وبذلك سنوفر على نفسنا المزيد من الجهد والوقت لنخطو نحو مشاريع ننجزها لنا وللأجيال التي تلينا دون الحاجة إلى توقيت زمني لها. كلّ جيل سيوفر لنفسه سبل الحياة السّعيدة لتكون نواة للجيل الذي يليه.

اعتاد كل إنسان منّا، والذي يمثّل بدوره المنظومة البشرية عموماً أن يتهم الآخر بأسباب الفشل والإخفاق التي يتعرّض لها، وقد يكون الآخر أحد أفراد العائلة أو أحد المحيطين به وفي مختلف مجالات الحياة، أو يكون الآخر المتهم هو المجتمع وهو ينسى، بل يتناسى أنّ كلّ فرد منّا يشكّل جزءاً من المجتمع الذي نضعه أمام محاكم الاتهام والتّجريم؛ أو قد يعلن على الملأ أنّ البطل الذي حقّق لنفسه النّجاح وأسباب التّوفيق لنفسه دون الاستعانة بشخص آخر من المقرّبين المحيطين به، وسوف يعتبر نفسه أسّ المجتمع وموجّهه نحو سبل الازدهار والرقيّ.

تسمو المجتمعات وترتقي كائناتها البشرية بتوحّد أفكار ومشاعر أفرادها معاً، وكما أسلفنا مثل هذه الأمور أو لنقل الرّغبات والأمنيات لا تتطلّب جهوداً مادية بحتة، بل تلزمها أولاً الجهود المعنوية النّابضة بالصّدق والصّراحة وصولاً إلى السّبل التي نهنأ من خلالها بحقيقة كينونتنا وأحقية عيشنا على أرض ترانا كائنات خيّرة جديرة بالعيش في حضنها والسّهر مع نجوم سمائها

google-playkhamsatmostaqltradent