قاسم حداد: الشعر سفر مضاعف وبديل حقيقي لقسوة الواقع.

 


حاورته: فاتن حمودي

 

"وضعتني في المهب وقالت: ليست الحياة في الإقامة، الحياة في السفر".

 يقول قاسم حداد: ابدأ!

الشاعر البحريني أحد أبرز الأصوات الشعرية في الوطن العربي، وأكاد أسمع صوت تهدج ِكلماته كأنه بكاء كواكب، وهو الشاعر العاشق، الصلب، الهش لفرط حساسيته اليومية.

 

أربعة عقود ونيف من الشعر والبحث والتجديد، وهو الذي ينتقل وينداح ويتبدل ويتحوّل وينجو ويموت ويختلج ويغطس. يشتق الأفعال ويمضي في شعرية كلون الحلم والحياة،  وكأن النص شهوته وعشقه ولياليه، والجدار الذي يتكئ عليه في لحظات العشق والانكسار معاً حتى لا يسقط.

 

 في حوار «سبا» الثقافية معه نرى وجوه قاسم حداد وقبره وتتويج اسمه في الجوائز والترجمات، والفن والرحلة. نرى هاجسه الإبداعي في عودته إلى أسماء رسمت أسطورتها في الإبداع العربي، كمجنون ليلى، وطرفة بن العبد، وفان كوخ. نستحضر من سبقه في التجربة، أدونيس مع المتنبي، ومحمد بنيس مع ابن حزم وغيرهما.

 

في هذا الحوار محاولة للاقتراب من رجل شكّل الشعر خط حياته وطريقه وأسفاره، فكتب لنا الحياة  شعراً. يعيدنا بنصوصه إلى كتب الأساطير والميثولوجيا ولاسيما الجانب التراجيدي فيها، وهو الشاعر الحداثي الأهم، وأول من دخل عالم الأنترنت موقّعاً على "جهة الشعر"، بسبع لغات ليصل إلى العالم. الشعر حرية، التباس لذيذ، فما الذي يفسر وجودنا غير الشعر والحرية؟

 

أعمال متتالية، "علاج المسافة" ورؤيته  كالمتصوفة لأمكنة وراء الغيم، "مجنون ليلى" "قبر قاسم "،"لا تصقل أصفادك" "كتاب الشذرات الكبير"، "طرفة بن الوردة"، "مكابدات الأمل"والكثير الكثير من الكتب. يكفي أنه يعيدنا في رحلاته إلى جلجامش في بحثه عن عشبة الخلود.

 

-         أتوقف أولاً عند اسمك الشعري، وهذه المسافة بين جاسم وقاسم ومهنة الحدادة في طفولة بعيدة؟

اسمي الأصلي جاسم محمد حمد الحداد، ارتباطي بهذا الاسم يمنحني حالة من العفوية، ومعان كثيرة أخرى. اخترت اسم قاسم حداد لشعرية الاسم، و ربما بسبب ولعي بالشاعر الجزائري مالك حداد.

 


وهنا أشير إلى أن مهنة والدي حداد، وما أدراكِ ما صنع الحداد؟ كنت في شبابي أشتغل على صناعة صفائح التمر وأنا الذي نشأت في مجتمع عرف الغوص ومراحل اكتشاف النفط. عايش البيوت التي تتحوّل إلى ورشات عمل، إلى مهن مختلفة، يتشارك فيها الرجل والمرأة، فالعمل جزء حقيقي من الثقافة العامة، كذلك الفنون الشعبية التي تترافق مع المهن، أغاني الغواصين والنهامة والمبحرين نحو الأقاصي، كل هذا يكسب حساسية خاصة لمن له علاقة بالكتابة.

 

-         الذاكرة الأولى لقاسم حداد؟

تبقى الطفولة لآخر لحظة في حياة الإنسان كونها المصدر الأول، الينبوع، وعلى الرغم من أنني لا أمتلك ذاكرة مرتبة لطفولتي، ولكن من نعم الكتابة أنك تذهب إلى الماضي بعيداً عن الحنين. لا أحن إلى الأمكنة، مردّ هذا ربما المبالغة في الحلم بمستقبل ما، وربما لأن طفولتي كانت تعيسة.

 

منذ وعيت وجدت نفسي في مواجهة الرجولة لأساعد والدي، في "المحرّق"، مدينتي المكان الذي عشت فيه، وكتبت عن أسواقها وحاراتها وذكرياتي، وهذا يفسر ولعي بكتب الرحلات:

أزقّتها المتربة

تجاعيد أطفالها الشاحبة

زرقتها

أيتها المدن الغريبة

أنساكِ و أذكّرها وحدها...

فرساً سائبة.

 

في تلك الطفولة تحضر دهشتي الأولى بالكتب/ ولا سيما المنجد، وبعده لسان العرب والأغاني، واكتشافي لسحر اللغة العربية والكلمات. فالبحرين ليست جزيرة إلا لمن يرانا، المكان أفق مفتوح هكذا أرى.

 

طرفة بن العبد:

-         كيف تعرّفت على طرفة بن العبد، وما الذي دفعك لتوقّع معه هذا الكتاب، بل لتتقاسم معه تجربة التمرد، والحرية، هل ثمة قواسم بينكما؟

المدرسة عرّفتني على الشاعر طرفة بن العبد، كنت أرى فيه مقاربات لتجربتي الإنسانية، كونه الرمز الذي يستجيب لنزوعي. تعرّفت على طرفة بوهم أنه من البحرين التاريخية، والتي تمتد من عُمان إلى البصرة، تعلقت به، تقاطعت معه. تفتحت معرفتي عليه حتى بات قريناً لي، عرفت تمردّه على القبيلة، إلى أن جاءت إقامتي الثقافية في ألمانيا فبات مشروعي.

 

 لم أصدق نهايته التراجيدية في طريقة مقتله، ولم أصدق أنه لا يجيد القراءة، لأنني اكتشفت بأن جده المرقّش الأكبر درس في الحيرة، فكيف هو، فالعرب يؤسطرون الشخصيات لاعتقادهم أن هذا يزيدهم إبداعً، وحين كتبت لم يكن يعني لي استحضار التاريخ بوصفه تاريخاً وإنما بوصفه حاضراً.

 

رأيته  طرفة ابن الوردة، شعرت أنه ابن أمه، توقفت عند المعلقة القصيدة الرئيسيه في شعره، حاولت أن أطرح تجربة قاسم حداد، بما  يعني  لي طرفه و موقفه من المجتمع الآن، لهذا من قرأ هذا الكتاب"طرفة بن الزهرة"،  شعر أن ثمة قاسم حداد.

 

مجنون ليلى:

-         تجارب مثل، "مجنون ليلى"، طرفة بن الورد"، "فان كوخ"، بحث في طريقة للكتابة، لماذا ، لماذا أردت تفكيك قضايا الاختلاف؟

لا أريد أن أكرر، بل يعنيني خطاب الحداثة، وتفكيك قضايا الإختلاف. ثمة روايات تختلف، تتطابق، تتناقض، تستوقفني تجربة الحب، وقيس وليلى أكثر قصص العشق انحيازاً للأسطورة. كنت أريد أن أرى العشق بمفهومي، رأيت جنون القلب، وجاء العمل من  اقتراح الفنان ضياء العزاوي .

 

في"أيها الفحم، يا سيدي-دفاتر فنسنت فان جوخ"مساحة للبوح والتقاط الأنفاس وجمع شذرات الذاكرة ، وأرى أن فان كوخ لم يذهب إلى الموت، بل جاء إليه الموت فقبله، ولا أصدق أنه قطع أذنه ولا سيما أن  فان كوخ كتب  أكثر من 900 رسالة، فيها غنى ومعلومات لم يقلها أحد. كتبت بعدها "أيها الفحم يا سيدي"، اختار لي الصديق أمين صالح، تتقاطع تجربته في المناجم مع تجربتي في المعتقل.

 

هذه التجارب حاولت من خلالها البحث عن طريقة في الكتابة.

من هنا  أجد التراث جزءاً من الثقافة الإنسانية، وأحاول أن أصنع تراثي الآن بمحاورتي مع النص القديم.

 

-         الموت الشبيه بالحجر المفتوح على الأفق لا شيء يغلقه حتى الصحراء والمقابر، هذا الجاثم المقيم الذي نلمحه ونحسه ونراه في القصيدة، كيف يؤكد قاسم حداد في حضوره قوة الحياة ونسماتها بعد أن كتب "قبر قاسم"؟

لا أعرف أين قرأت عن اثنين يقويان على مقاومة الموت : الحجر والكتابة وسوف يبلى الحجر أيضاً وتبقى الكتابة .

أظن أنني صادفت هذا القول أوّل مرة في كتاب الشاعر صلاح عبد الصبور (من يقهر الموت).

 

تذكرت ذلك لأن سؤالك قد شبه الموت بالحجر, هذه المصادفة ليست من غير دلالة، وعندما قال ديستوفسكي أن ليس من الحكمة التأمل في الموت، إنما هو يصدر عن أكثر كلاسيكيات الروايات الإنسانية كلاماَ عن الموت .

 

لم يزل العنوان الذي اخترته لأحد كتبي "قبر قاسم"، يثير صدمة أو ردة فعل لدى القارئ. ثمة من يرى في هذه المجابهة حواراً غير متكافئ، لا أعرف غالباً كيف أجيب على مساءلة من هذا النوع. بالطبع لست متأملاً بالشكل الفلسفي لقضية الموت،  لكن الشاعر يلامس موضوعاته بمعزل عن المسبقات المتعلقة والراسبة في ذهن الآخرين. بالنسبة لي لم أشعر بأنني أقل من الموت (فيما أكتب النص) قدرة على الحضور بمشاعر حبي العارمة للحياة هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يصدر عنها الشاعر مهما احتدمت كتاباته بالحزن و الألم والتشاؤم والسوداوية.

 

 أحيانا يطلُّ كمن يتماهى مراوغاً الأطراف كلها، القارئ والنص والمعاني اللامتناهية والخوف، وخصوصاً الموت، بالضبط كمن يضلل الموت فكرة وحقيقة ماثلة دائماً.

 

 كنت أظن أنّ الكتابة هي القادرة على نفي النهاية بعد الموت خصوصاً وأنا أقرأ أجمل النصوص لشعراء سابقين، شعراء ماتوا دون أن ينتهوا ولم ينقطعوا عن الحضور معنا، ربما أحياناً أكثر حضوراَ من الكثيرين بيننا. ماذا نسمي هذا سوى قدرة الكتابة الحقيقة والصادقة على عبور غير محدود للزمان والمكان؟

الشعر إذاً هو طاقة الحب الأولى للحياة وكائناتها.

 

ليست نزهة

لكأن ما أراه الآن هو الكفن المنتخب

وتقول: القبر حضنك الأخير.

-         "قبر قاسم"، هل هو الخوف أم رعشة الحياة والجسد؟ هل هو المعادي الكامن المتربص كي تتسلق سلالم الروح؟

ليس الخوف من الحياة، بل الخوف عليها ولم أكن أقصد في هذا الكتاب موتاً ولا كفناً ولا نهايات.

القبر هنا ضرب من الأمل،  هكذا قلت جواباً على سؤال مبكر بعد صدور الكتاب،  يومها كنت في حالة اكتشاف الجمر في الرماد المهيمن. الآن أرى أن الجرأة على مجابهة الموت ليست بطولة،  إنه جنون مبالغ فيه، و الشاعر وحده يقدر على الذهاب إليه دون الزعم بأنه مرشح للنجاح. الشاعر لا ينجح في شيء أبداً، الشاعر احتمال متواصل لفشل لا يضاهى لذلك ذهبت إلى القبر دفعة واحدة وبثقة أن من يذهب إلى الموت قبل ذلك، قد يفوت عليه عنصر المفاجأة من يموت معنا لا يموت أبداً.

 

وها جسدي يكاد أن يذهب

مشغوفاً بك وأنت في الفقد.

-         هل تستطيع الزعم بأنك قادر على معرفة العالم من غير أن تكون المرأة هي جوهرة رؤيتك ورؤياك؟

-         كيف ترى المرأة الآن أكما كنت تراها في زمن "خروج رأس الحسين"، في "القيامة"، أم أنك وصلت إلى رؤية أخرى؟

تجتاحُنا صَرخَةُ المرأةِ في مَخاضِها

مثلَ كلامِ الأعاصير

المرأةُ التي أمْضَينا العُمرَ في خِدَمتِها

ونَسِينا تأنِيبها الفادح

رأينا في سريرِها جَنَّةَ التحولات.

 

المرأة ضاربة في تيه المدن الملتاعة، ترهص بالمستقبل بالقبل الحلوة. كما قلت كلما ذهب الإنسان أكثر في الحياة تسنى له التعرف على المرأة، من هنا فإن إحساسي الغامض بالفقد هو استباق لحالة هي دائماَ تحدّق بي، فقد عرفت حالات مستمرة ومختلفة من الشغف المرصود بالفقد من كل جانب، وهنا أستحضر المرآة،

 

أقفُ أمامها، لا لكي أرى أحداً، لكن لأمحو قسطاً من الزمن. وفي المرآة لا أكون لوحدي أبداً،ثمة حياتي كلها تتمثل في الكون برمته. لذلك فإنني لا أشعر بالوحشة هناك.

 

بين مرحلة خروج "رأس الحسين" و "قلب الحب"، مسافة كبيرة لكن تظل المسافة الأكثر عمقاً وجوهرية هي التي بين كل الكتب الأخرى وكتاب "علاج المسافة"، فعندما يقرأ الكتاب تكتشف جماليات متقدمة عن اَلية حضور المرأة في حياة الشاعر في الكتب الأخرى جميعها. لقد كان درس المرأة في حياتي هو من بين أهم الدروس الإنسانية والرؤيوية التي منحتني طاقة مضاعفة على الحب .

 

-         المغادرة من الغنائية الوجدانية التي تتلاحق فيها الأشياء إلى تأسيس اَخر لقراءة الدهشة التي تخلق إيقاعها معها، هل يحدثنا قاسم حداد عن هذه المرحلة على صعيد شعره وتجربته، على صعيد ارتياد مساحات لم يرتدها من قبل من حيث الكتابة الدهشة التشكيل اللغوي؟

غداة كل نص ينتابني شعور غامض بأن ذلك هو الأجمل غير أن هذا لا يستمر أكثر من ساعات ضوئية، فالجديد الأجمل هو دائماً في النص الوشيك أحلم أن لا أشبه نفسي في المرة التالية. أحب أن أكون شخصاً مختلفاً في كل نص، هذا الشغف المستحوذ على علاقتي بالكتابة هو الطاقة التي تعطيني فرصة وفضاء جديدين. في كل مرة لا أذهب إلى النص لكي أقول للكتابة شيئاً تعبر عنه على العكس تماماً أذهب إلى الكتابة لكي أتعلم منها كيف تقال الحياة؟ وكيف تنشأ الأحلام، وتنهض، وتسعى على أقدامها وتحلق بأجنحتها؟

 

الكتابة تفهمنا أكثر مما نزعم فهمنا لأنفسنا، وما عليك إلا أن تسلم نفسك وترخي قيادك لها لكي ترى كيف تأخذك إلى الجمال ففي اللغة شيء من الجنة .

 

تقول:

أيها الحزن

يا حزن يا حزن

غيبتني في الهلاك

ويا حزن يا منتهاي

انتهيت

أرخيت عيني كي لا أراك

فيا حزن يا حزن

ماذا سيبقى لنا

عندما تنتهي من بكاء البقايا

سواك؟

-         الحزن، هل هو القصيدة في تراتيلها على الجسد، أم الجسد في تجلياته الصوفية العالية؟

الحزن هو قناع جميل لأحلام أجمل منه بكثير، لا أعرف للجسد تراتيل تنجو من تجليات الحزن الكثيف، هو الحجاب الشفيف الذي يفضحنا، كلما حاولنا صلينا على جسد أو صلينا مع جسد أو صلينا على جسد، ثم إن الحزن ليس بكاءً على مفقود على العكس هو خشية متوارية وغير معلنة، وربما مسكوت عنها من فقدٍ مُحدق كأن الشعر لكي لا أقول الشاعر يرشي القوى الغامضة من أجل أن ترأف بالكائن فلا تسلبه طاقة الوجود: الحب والأحباء .

 

 

لا أحسن الذهاب في الخريطة

فلا أنا مسافر ولا مقيم

وليست الأمكنة غير أغلال

تكبر كلما صقلها الرحيل.

-         كيف يرى قاسم حداد السفر من خلال رحلته في أروقة الشعر، وغابات النفس والتجربة؟

إذا تأملنا حالنا ونحن في غمرة الكتابة سوف نتأكد بأن الشعر هو سفر مضاعف في حياتنا ربما لأن الواقع من القسوة والرداءة بحيث يكون الشعر هو بديل حقيقي لواقع غير حقيقي، ولولا فكرة السفر لما طاب لنا المقام.

 

"تعددت لأرى"، كما يقول بيسوا، فيما تذهب أنت إلى نفس المهب، تقول: "أضع المرآة على الطاولة أحملق وأتساءل من يكون هذا الشخص؟ أكاد لا أعرفه، أستعين بالمزيد من المرايا، وإذا بالشخص ذاته يتعدد أمامي ويتكاثر مثل الصدى في كاتدرائية الجبال، فأتخيل أنني قادر على وصفه، إنه قاسم حداد تقريباً ".

-         يوجد في شعرك وفي نصوصك النثرية حوار مع الآخر (المرآة – الهواء – التراب – النار – الوطن – وقاسم حداد) ، لماذا نتعدد في واحد، وما أهمية هذا ولا سيما للكتابة؟

ثمة نقائض ضرورية في الشاعر لا يمكن نفيها، بل هي من بين مكونه الإبداعي لازمة لكي يبدو الكائن الشعري غنياً وعميقاً وجديراً بالمغامرات، فالاَخر هنا هو  الشاعر متجلياً في المرايا اللانهائية. النص والشخص هما دائماً لحظة الكتابة)، على شفير فجوة هائلة لا يعالجها إلا هذا التعدد المتناقض داخل الشاعر، بهذا المعنى سوف نصادف عناصر واَليات كثيرة ومختلفة تشي بشهوة الإصغاء للَاخر بوصفه الطليعة الباسلة التي تكتشف الطرق أمام خطوات المغامر، هذا إلى جانب الجماليات التي تستعصي على الوصف والتي تقترحها الأصداء الكثيرة في تجربة النص، أصداء عميقة وصادقة أيضاً .

 

-         تأخرت وهي في الصبر تشحب مثل خلود يخطئ. هل يمضي قاسم حداد في رحلة الشعر والتألق باتجاه بناء نشيد إنشاد؟

بين سؤالك هذا وبين جوابي زمن يزيد على العامين هذه مصادفات فيزيائية أحب أن أحترمها أو لا، لأنك تميزت بسعة الصدر الرائعة بصبر وانتظار لا يصدقان، وثانياً لأن أسئلة من هذا النوع لم تكن لتخضع أبداً لأية هندسة فيزيائية للزمن حيث يمكن للشاعر أن يجد في هذه الأسئلة قدرة على استيعاب حركة الشخص والنص وتحولاتهما وهما يتماثلان للتجربة.

 

أريد أن أقول إن في هذه المسافة تيسيراً للتجربة أن تستوعب المرء معطيات السؤال وآفاقه لكي يكتشف لاحقاً أن ثمة ما يشي بنص يتقاطع مع فكرة ((نشيد الإنشاد)) قد أنجز وتحقق بالفعل في هذه الفترة ربما؟ لا أعرف قد يكون نص "لا تكلمهم إلا رمزاً"،هو كتابة عن ذهاب جديد لنشيد إنشاد بصيغة ما  أو على الأقل أحب أن أرى هذا في ذاك دون أن نخضع للمقارنة غير العادلة .

 

-         مسرحة الشعر، أقمت احتفالية شعرية خاصة"وجوه"، تناوب فيها الشاعر أدونيس قراءة مع موسيقى خالد الشيخ، ما الذي أضافته تلك الاحتفالية إلى تجربة قاسم حداد الشعرية؟ وهل شكلت إبداعاً جديداً يمكن الاستمرار فيه لتفاعل أكبر مع جمهور الشعر أم أن لك رأي آخر؟

تجربة "وجوه"، هي مغامرة انبثقت مثل المفاجأة التي تصعق أصحابها فقد صدرت عن محاولة حرة من مسبقات المشروع .

لقد كنا فقط نسعى مشغوفين بالتجربة خارج المألوف، اشتغلنا عليها بصمت وهدوء وحرية ومتعة لا توصف، وجميع من شارك في تلك التجربة هم عنصر أساسي فيها.

لكن من المؤكد أننا لا نريد أن نكررها أبداً لأن مبدأ التكرار ينقض فكرة التجربة القائمة على المغامرة، والمغامرة هي الذهاب إلى تجربة لا تعرفها زلا تعرف قانونها مسبقاً .

 

-         هل الفوز بجائزة قيمة واعتبارية مثل جائزة العويس أو غيرها ضروري للشعر، أم تعزيز له؟ وكيف ينظر قاسم  حداد إلى نيل تكريم الشعر؟

ليس ضرورياً بمعنى أنه شرط لازم، لكنه ضروري باعتبار أن من حق الشاعر أن يشعر بحب العالم له في حياته، فكل مهرجانات وهيلمانات وسرادق الاحتفال والتكريم والمناحات الجماعية بعد وفاة الشاعر لا تعني له شيئاً على الإطلاق. يجب أن يشعر الإنسان بالحب ولا يكفي أن تقول إنك تحبني، أحتاج إلى أن أشعر بهذا يخترق روحي وجسدي.

جائزة مثل جائزة العويس هي بمثابة الصقل الرصين لموهبة الحياة عند المبدع، فهي إشارة قوية ولافتة إلى أن ثمة من يرى إلى الشعر والشاعر بشكل يتميز بالحضارة والجدية.

لقد وضعتني الجائزة في مهب المستقبل.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملحمة فرهاد وشيرين

ما معنى الوجود يسبِق الماهية؟ وهل الإنسان حرٌّ في أفعاله؟

نظرية العقد الاجتماعي عند جون لوك